بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تاريخ الحركة الشيوعية في مصر بين مأزق التسجيل وورطة التحليل

* الكتاب: وثائق الحركة الشيوعية المصرية 1944 – 1952
* تحرير: م. سعد الطويل ـ د. عاصم الدسوقي ـ حنان رمضان
* الناشر: لجنة توثيق تاريخ الحركة الشيوعية المصرية حتي 1965 ـ مركز البحوث العربية والأفريقية
* تاريخ النشر: 2007

هناك فارق جوهري وأساسي بين تسجيل وقائع التاريخ وبين البحث في تلك الوقائع لكتابة موضوع ما. وعلى هذا فإن التأريخ (بوضع الهمزة على الألف) عبارة عن تسجيل أحداث التاريخ أولا بأول.. يوما بيوم.. وسنة بسنة. ومن يقوم بهذه المهمة يعرف بالمؤرخ، ويعرف أيضا بكاتب الحوليات أو بالإخباري. وتنحصر معظم مصادر تاريخ العصر القديم والعصر الوسيط وشطر كبير من التاريخ الحديث فيما تركه هؤلاء المؤرخون (التاريخ الحديث يبدأ إصطلاحا من القرن السادس عشر). ولعل أشهرهم في تاريخ مصر محمد أحمد ابن إياس في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور”، وعبد الرحمن الجبرتي في كتابه “عجائب الأثار في التراجم والأخبار”. وفي الغالب الأعم لا يضيف المؤرخ من هذا النوع إلى المعلومات والأخبار التي يذكرها أي تعليق أو تحليل من أي درجة ومن أي نوع سوى بعض العبارات الأخلاقية التي تنم عن الأسف أو الحسرة، وخاصة بالنسبة للكوارث والحروب أو أحداث الاقتتال بين الفرق السياسية المتناحرة.

غير أن البحث في موضوع ما في التاريخ شيء آخر غير هذا التسجيل، ويبدأ من حيث تنتهي عملية التسجيل ذاتها. وأول خطوة في طريق البحث تبدأ بتنظيم المعلومات المسجلة حسب الموضوع المراد بحثه، أي بجمع المعلومات الخاصة بموضوع محدد من بين وقائع غير منظمة وغير متسقة. فمن المعروف مثلا أنه تحدث في الوقت الواحد وفي الساعة نفسها وقائع مختلفة في السياسة والاقتصاد والثقافة. فهناك أشخاص يسافرون، وآخرون يحاربون، وغيرهم يتظاهرون، وهكذا دواليك. والمؤرخ يسجل كل هذه الأحداث التي يشاهدها بنفسه أو يسمع عنها. ولكن عندما نريد أن نكتب في موضوع معين له طابع سياسي مثلا أو اقتصادي فعلينا أن نلتقط من كل المعلومات المسجلة والمختلطة ما يتعلق فقط بموضوع البحث، وهذا ما نقصده من كلمة تنظيم المعلومات. وعند الاعتماد على ما تركه المؤرخون (أي الذين سجلوا الوقائع) لا بد وأن نقلب صفحات المجلدات التي تركوها كلها من أولها إلى آخرها. ذلك أن هذا المؤرخ لا يكتب بحثا في الموضوع، وإنما يسجل الوقائع التي يشاهدها كما قلنا. وهذا معناه أن الخبر الذي يذكره المؤرخ في أول صفحات مخطوطته تحت حوادث تاريخ معين علينا أن نتابع تداعيات هذا الخبر بعد عدة صفحات وربما حتى آخر صفحات المخطوطة حسب سياق الظروف.

ومن باب التدليل على ذلك أن ابن إياس كتب بعد الغزو العثماني لمصر أن السلطان سليم الأول أخذ عند عودته إلى استانبول عددا كبيرا من أمهر العمال المصريين في مختلف الحرف والبناء. وقد رتب الباحثون على هذه المعلومة نتيجة مؤداها أن العثمانيين خربوا الصناعة المصرية.. الخ. ولكن إذا تابعنا هذه الحوليات بعد ثلاث سنوات في كتاب ابن إياس نجده يقول معلومة أخرى تتلخص في أن السلطان العثماني أمر بعودة هؤلاء العمال إلى مصر. وهذا معناه ضرورة قراءة المصدر بالكامل حتى نستوفي الرواية. ومن هنا كان تنظيم المعلومات وتجميعها أول خطوات البحث في التاريخ، وهو أشبه بإعادة تجميع صورة (بورتريه) لشخص ما تمزقت وتناثرت أجزاؤها في عدة أماكن.

وتبدو مشكلة جمع المعلومات الخاصة بتاريخ الحركة الشيوعية في مصر مسألة أكثر تعقيدا من جمع المعلومات الخاصة بموضوعات التاريخ بشكل عام. ذلك أن وثائق الحركة الشيوعية المصرية ليس لها مكان في الأرشيف الرسمي للدولة، والمحفوظ في هذا الأرشيف عبارة عن بعض المضبوطات من النشرات والمنشورات وتقارير البوليس السري والقلم السياسي الذي كانت مهمته متابعة عناصر الحركة للزج بها في المعتقلات والسجون وكذا مضابط المحاكمات. والاعتماد على هذا الأرشيف فقط في معرفة تاريخ الحركة، رغم أنه غير متاح، من شأنه أن يؤدي إلى الوقوع في خطورة أحادية المصدر وبالتالي خروج الباحث بفكرة سلبية عن الحركة الشيوعية.

وعلى هذا اكتسبت مقولة “لا تاريخ دون وثائق” مصداقية كبيرة عند الباحثين في التاريخ، وأصبحت بمثابة القانون الذي يفرض احترامه ويوجب على كل باحث الالتزام به عند إعداد بحث في موضوع ما. ولا يعني هذا أن البحث في التاريخ يقتصر على الوثائق فقط رغم أهميتها. ولكن الوثائق تمثل جوهر مادة موضوع البحث، وبدونها يفقد البحث أصالته ومصداقيته، ويفتح الباب واسعا لانتقاده. ومن ناحية أخرى فإن الوثائق تكون بمثابة الرقيب على ما يكتبه الباحث أو ما يقوله أحد المشاركين في الحركة السياسية في مذكراته الخاصة.

وبسبب هذا المأزق قرر نفر من رفاق الحركة الشيوعية خلال أربعينات القرن العشرين وما بعدها ممن لا يزالون على قيد الحياة، وقبل أن يمضى قطار العمر بهم، أن يقوموا بتوثيق تاريخ نضالهم حيثما استطاعوا إلى ذلك سبيلا وحتى لا يتركوا هذا التاريخ نهبا لفوضى بعض أقلام الكتاب والباحثين. ومن هنا كوّن هؤلاء لجنة باسم “لجنة توثيق تاريخ الحركة الشيوعية المصرية حتى 1965” في إطار مركز البحوث العربية والأفريقية، بدأت أعمالها في عام 1995 بتجميع شهادات من الرفاق أدلوا بها وفق دليل من الأسئلة تمت صياغته بهدف إنعاش الذاكرة. وبدأ إصدار هذه الشهادات في أجزاء ابتداء من عام 1998 وهي شهادات تكمل بعض أجزاء المشهد. كما اهتمت اللجنة بتنظيم ورش عمل لتوثيق نشاطات معينة للشيوعيين بين العمال والفلاحين والطلاب ودور المرأة ودور الأجانب. وفي كل ورشة من تلك الورش كان المتكلمون من الذين انخرطوا في نشاط العمال والفلاحين أو الطلاب أو المرأة أو الأجانب بحيث كان كل منهم يساعد الآخر على استعادة الحوادث والمواقف.

وعلى هذا سعت اللجنة نحو تجميع ما يمكن الحصول عليه من الوثائق المحفوظة لدى بعض الرفاق في مصر، وبعض الرفاق الذين يقيمون بالخارج وخاصة في باريس وروما لتقديم ما لديهم من وثائق، فضلا عن الوثائق المحفوظة بالمعهد الهولندي للدراسات الاجتماعية.

وعندما تجمعت لدى اللجنة مجموعة هائلة من الوثائق تختص بالفترة من 1945 وحتى 1965 رأت نشرها على خمسة أجزاء. وقد صدر الجزء الأول عن الفترة من 1944 إلى يونية 1952 في مطلع هذا العام (2007)، ويتضمن ستة وخمسون وثيقة صادرة عن اثني عشر منظمة ولجنة وجماعة شيوعية كانت نشطة خلال الفترة وهي: الطليعة الشعبية للتحرر، والحركة الديموقراطية للتحرر الوطني (حدتو)، والمنظمة الشيوعية المصرية (م.ش.م)، واللجنة الانتخابية العامة، وجمعية ربات البيوت، واللجنة التحضيرية للجنة الوطنية، واللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني لعمال النسيج وملحقاته بالقاهرة وضواحيها، ونواة الحزب الشيوعي المصري، واللجنة الوطنية لأنصار السلام، ونقابة عمال المطاعم والفنادق بالقاهرة، واتحاد نقابات عمال النقل المشترك لمدينة القاهرة، وجماعة رجال القانون الديموقراطيين بمصر والتي كانت مرتبطة بمنظمة حدتو.

وباستكمال أجزاء الوثائق المقرر نشرها تصبح ومعها الشهادات، وورش النشاط النوعي، مصدرا لا غنى عنه لدراسة الحركة الشيوعية المصرية.

وعند هذا المنعطف تبدأ الإشكالية الحقيقية في كتابة تاريخ الحركة الشيوعية وكتابة التاريخ بشكل عام. ذلك أن الوثائق ليست هي النهاية وإنما هي البداية كما سبقت الإشارة. وتتمثل هذه الإشكالية في تحليل وتفسير المعلومات التي تم تجميعها من الوثائق. وهنا تختلف مداخل التناول باختلاف انتماءات الباحثين الفكرية وتقلبهم بين مختلف المفاهيم والنظريات. فإذا أدركنا كم تتعدد تلك المفاهيم وكم تتناقض، أدركنا كم تتعدد وجهات النظر. وليت الأمر يقف عند هذا الحد، بل إن كل باحث يرى أنه وحده الذي على حق في تفسيره خصوصا عندما يسمح لنفسه بإصدار أحكام هنا وهناك. ومن هنا جاءت مقولة إن آفة التاريخ تفسيره، وأنه صناعة مؤلفه، وأنه رؤية معاصر لماض بعيد.

وتتعقد المشكلة أكثر وأكثر حين ندرك أن إلتزام الباحث بمعتقداته عند الكتابة يجيء على حساب الموضوعية. وهنا ندخل في إشكالية أخرى خاصة بالموضوعية. إذ ما هي الموضوعية؟!

الموضوعية ظاهريا تعني أن يدخل الباحث إلى عالم الموضوع بحياد ودون التزام بتوجهات ثابتة أو الخضوع لمقولات سابقة إلى أن تنكشف حقائق الموضوع مجردة. لكن هذا السبيل يجعل البحث أقرب إلى إعادة ترتيب الوقائع دون إعمال العقل. وهناك من يقول إن الموضوعية أمر خيالي ولا وجود لها وإن الموضوعية الحقيقية هي أن يكشف الباحث عن ذاتيته!

هل يمكن الخروج من مأزق الذاتية لحساب الموضوعية؟

الحق أنه من الصعب أن نبحث في التاريخ بحياد مطلق صارم بعيد عن تأثيرات ذات الباحث وتفضيلاته. وبمعنى آخر يصعب على الباحث أن يكون فوق عواطف المختلفين أو أن يفصل بين وضعه الثقافي العقائدي وبين موضوع الخلاف الذي يتعلق أساسا بحركة المصالح البشرية المتناقضة. وعندما يلجأ الباحث إلى استخدام الوثائق يظن كل الظن أنه بهذا أصبح باحثا موضوعيا. غير أن قراءة الوثيقة أمر في النهاية يختلف من باحث لآخر طبقا للوضعية الثقافية مما قد يؤثر بدرجة أو بأخرى على الموضوعية المنشودة.

على أن استناد الباحث إلى أكبر قدر من المعلومات مع استخدام لغة محايدة يجعل من البحث أقرب إلى الموضوعية وأبعد من أن يكون بحثا في الأخلاق. أما تقدير وجهات النظر المختلفة بين الباحثين فأمر متروك للقارىء الذي سوف يميز بين وجهة نظر وأخرى على أساس العقل.