بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إيران 1979

انتصرت الثورة في إيران في فبراير 1979 نتيجة لصراع مرير خاضه العمال والفلاحون والنساء والأقليات القومية ضد نظام الشاه الاستبدادي القمعي. فقاموا بالعديد من المظاهرات السلمية والمواجهات المسلحة والاعتصامات والإضرابات والمظاهرات الحاشدة، إلى أن جاء إضراب عمال البترول في 1978 والإضراب العام الذي تلاه ليوجه ضربة حاسمة لنظام الشاه عجلت بنهايته.

لقد أثبتت ثورة العمال الإيرانيين أن الأنظمة المستبدة مثل نظام الشاه أو نظام مبارك، ليست أزلية، وإنما هي مستبدة بقدر ما تكون ضعيفة وعرضه للانهيار. ومن ناحية أخرى، كانت الحصيلة النهائية للثورة الإيرانية هي فرض شكل جديد من القهر على الجماهير برفع على الجمهورية الإسلامية. إن أهم دروس الثورة الإيرانية في أنها تكشف عن القدرة الهائلة للطبقة العاملة من ناحية، وعن النتائج العصبية لحركة الطبقة العاملة عندما تفتقد إلى التنظيم الاشتراكي الثوري من ناحية أخرى.

التطور اللا متكافئ وجذور الاستبداد:

إذا كانت الامبريالية هي التعبير العالمي عن الرسالة التاريخية لرأس الميال في تطوير قوى الإنتاج، فهذه العملية بطبيعتها متناقضة وغير متكافئة، وقد أدى شكل التطور الرأسمالي في إيران إلى تقوية دور الدولة، فكانت الدولة الإيرانية هي الوكيل الأساسي لتراكم رأس المال. فمع بداية اندماج الاقتصاد الفلاحي الإيراني في الاقتصاد الرأسمالي العمالي، تطلب النمو الرأسمالي تغييرًا في شكل الدولة، فقد احتاج إلى الدولة شديدة المركزية يمكنها تهيئة الظروف من أجل التراكم الرأسمالي للطبقات الحاكمة الإيرانية بالتحالف من رأس المال العالمي.

وعلى مدى القرن العشرين ظل التطور في إيران مرتبطًا بالبترول، وكانت معظم الأرباح في البداية تستحوذ عليها الشركات الرأسمالية في الغرب، بينما كانت أجور العمال تكفي بالكاد أقل ضروريات الحياة. وكانت هذه الشركات تتعامل مع الإضرابات وأشكال المعارضة الأخرى بوحشية مستخدمة قوات البوليس الخاصة بها.

كانت الدولة الإيرانية تابعة للإمبريالية البريطانية في تلك الفترة، ومنذ عام 1921 حتى الحرب العالمية الثانية، قامت حكومة الشاه بقمع كل الحركات النقابية والأقليات القومية وكل الجماعات المعارضة سواء شيوعيين أو ليبراليين أو إسلاميين وفي نفس الوقت قام النظام بالتنمية الواسعة للبنية الأساسية من طرق ومواني وسكك حديدية لدعم صناعة البترول، وتطور عدد من المنشآت الصناعية الحديثة، إلى جانب طبقة عاملة صناعية حديثة. وقام الشاه بمصادرة أراضي كبار الملاك وأصبح هو نفسه أكبر مالك للأرض في إيران.

وبعد الحرب ارتفعت حصة الدولة الإيرانية من حصيلة البترول من 16% إلى 50% وبمساعدة وتوجيه الولايات المتحدة التي حلت محل بريطانيا في إيران تطورت ديكتاتورية عسكرية جديدة تحت حكم الشاه في الفترة بين 1953 و1973 وأبرز معالم هذه الديكتاتورية كان تكوين السافاك (البوليس السري الإيراني سيء السمعة، والذي يشبه في استبداده وغروره جهاز مباحث أمن الدولة في مصر) في 1957.

وإضافة إلى إيرادات البترول التي ارتفعت أثنى عشر مرة على مدي عشرة أعوام منذ بداية الخمسينات قدمت الولايات المتحدة 500 مليون دولار كمعونة عسكرية للشاه في الفترة بين 1953 و1963 فارتفعت ميزانيته العسكرية من 80 مليون دولار في 1953 إلى 183 مليون تقريبًا خلال عشر سنوات، ومع ذلك، كان 87 % من قرى إيران بدون مدرسة، و99 % بدون وحدة علاجية وبلغت نسبة الأمية في 1960 حوالي 80 % من السكان وارتفعت الأسعار بجنون بينما تزايد الإنفاق على السلاح.

ومع أزمة أوائل الستينات، انطلقت شرارة المعارضة الشعبية للشاه، فانتشرت الإضرابات العمالية والتي انتهت إلى مواجهات دموية بين العمال والجيش، وانطلقت المظاهرات الطلابية الحاشدة التي صبحها احتلال للجامعات. وفي يونيو 1963 بعد عدة أيام من حرب الشوارع في العاصمة طهران أمر الشاه بإطلاق الرصاص على المتظاهرين والذي أسفر عن ذبح آلاف من البشر.

كان نظام الشاه يفتقد إلى قاعدة جماهيرية تؤيده، فعمل من خلال ما أطلق عليه “الثورة البيضاء” على تكوين طبقات اجتماعية واسعة لتدعمه. كانت بالأساس رأسمالية فلاحية متوسطة في المناطق الريفية وبرجوازية صغيرة واسعة تعمل في بيروقراطية الدولة في المدن، وتطلب ذلك إعادة تشكيل جهاز الدولة لتوفير خدمات التعليم والصحة، ومنحت النساء حق التصويت في البرلمان الإيراني، كما أدخل نظام حصة الأرباح بالنسبة لعمال الصناعية. وتجاهلت الدولة أوضاع الطبقات الوسطى التقليدية في البازار من الحرفيين وأصحاب الورش والمحلات الصغيرة، فكانت أوضاعهم مهددة باستمرار بفعل التطور الرأسمالي الحديث في إيران سواء من قبل الدولة أو رأس المال العالمي. فمالوا إلى تأييد السلطة الدينية واستمرار في معارضة الدولة حتى سيطر الإسلاميون على السلطة في 1979.

وقد حاولت الدولة دفع علاقات الإنتاج الرأسمالية في الريف، فقامت بتفتيت الملكيات الكبيرة السابقة على الرأسمالية، وقدمت الفروض لأغنياء الفلاحين ليتحولوا إلى رأسمالية زراعية تستخدم العمل المأجور لمراكمة الإنتاج من أجل السوق، وأدخلت كذلك الإيجارات النقدية وحطمت سلطة كبار الملاك في الريف الإيراني، مما أدى إلى ظهور انقسامات طبقية جديدة في الريف. ففي القمة كانت بقايا طبقة ملاك الأراضي القديمة التي ازداد ثراؤها من تعويضات الإصلاح الزراعي، وبجانبها كانت الرأسمالية الزراعية التي تدير المزارع الحديثة القائمة على الصناعة، وعدد من أغنياء الفلاحين الذين أصبحوا رأسمالية فلاحية متوسطة. ويلي هؤلاء عدد هائل من الفلاحين ذوي الحيازات الصغيرة المتعلقين بقطعة الأرض التي تنتج بالكاد الضرورات الأساسية لإطعام عائلاتهم، وكان هؤلاء الفلاحون يترددون بين أحلام الثراء والتحول إلى فلاحين أغنياء وهواجس وكوابيس الرعب من تدهور أوضاعهم نحو القاع، الذي يضم بدوره طبقة واسعة من فقراء الفلاحين الذين كانوا في واقع الأمر عمال أجراء بدون أرض. ومع ذلك فقد فشل الإصلاح الزراعي في تحسين إنتاج الغذاء أو القضاء على البؤس في الريف الإيراني.

وفي السبعينات هاجر حوالي مليون من هؤلاء الأجراء الذين لا يمتلكون أرضًا إلى المدن، سعيًا وراء “الحضارة العظيمة” التي يسمعون عنها في أجهزة الإعلام والراديو. ومع ذلك، فبمجرد وصولهم إلى المدن، لم يستطع معظمهم الحصول على عمل منتظم، فانزلقوا في هاوية الأعمال الهامشية والبطالة كجيش عمل احتياطي. واتجه لعيش في الأكواخ والأحياء القذرة عانت الغالبية العظمى منهم من إحساس عميق بالعزلة والاغتراب. فليس لديهم أساس مادي للارتباط الايجابي “بالعالم الحضري” فعجزوا عن نبذ ماضيهم وأصوله.

ومنذ منتصف الستينات وما بعدها، تزايدت أهمية دور الدولة في تكوين رأس المال، وفي نفس الوقت كانت تنفق أموالاً طائلة على السلاح وبيروقراطية الدولة كوسيلة للحفاظ على تماسك المجتمع. وألهبت الزيادة الكبيرة في إيرادات البترول بعد انضمام إيران إلى منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) حركة التوسعات الجديدة في الصناعة الإيرانية، وزادت من قوة موقف دولة الشاه. وتركت المجالات الرئيسية للنمو في صناعات النسيج والبناء والصلب والبتر وكيماويات والبلاستيك والسيارات والتعدين (النحاس والألومونيوم) وتصنيع الأغذية وتجميع السلع الاستهلاكية الحديثة.

وكانت ثلاثة قوى رئيسية تتولى عملية التراكم الرأسمالي داخل إيران، الدولة ورأس المال الإيراني الخاص، ورأس المال الأجنبي. وكانت الدولة هي المستثمر الأكبر كما جاء في خطة 73 – 1978 باستثمارات تبلغ 46،2 مليار دولار، يليها رأس المال الإيراني الخاص 23،4 مليار دولار، ثم رأس المال الأجنبي 2،8 مليار دولار.

كانت الدولة الإيرانية، لكونها المستقبل الأساسي لإيرادات البترول، هي المبادر الرئيسي في النمو الصناعي، وكانت هي نفسها أكبر مستثمر في الصناعة. ففي 1975 كان 60% من الاستثمار الصناعي من مصادر حكومية. ثانيًا، كانت الدولة أيضًا توفر التمويل للقطاع الخاص من خلال المؤسسات التمويلية. وبهذه الطريقة استطاعت الدولة تنشيط التطور الكبير للبرجوازية الإيرانية والتي رغم مشاركتها في ثمار عملية التصنيع ظلت معتمدة على الدولة وبالتالي خاضعة لسياساتها، وثالثًا، جذبت إيران الاستثمار الأجنبي فكان أكثر من 200 شركة أجنبية تعمل في إيران بحلول منتصف السبعينات.

لقد استفاد المستثمرون الإيرانيون والأجانب معًا استفادة كبيرة من النمو الصناعي السريع، فقد زادت صادرات إيران من السلع المصنعة كما زادت وارداتها من الآلاف الصناعية. وأدت الزيادة الواسعة في استهلاك الطبقات الوسطى المهنية، وإلى حد ما، في استهلاك الطبقة العاملة إلى توسع السوق المحلي وتوفير أساس للنمو للبرجوازية الإيرانية المحلية. فكل من النمو الصناعي وتوسع الجهاز المدني للدولة أديا إلى نمو الطبقة الوسطى المهنية الحديثة – المهندسون المحامون والأطباء والمحاسبون… الخ – وتزايدت بيروقراطية الدولة إلى 304000 موظف مدني. والأهم من ذلك الزيادة الكبيرة في أعداد العمال في الصناعة والبناء.

وبرغم ذلك، كان تحديث الاقتصاد مصحوبًا بتقوية الآلة القمعية للدولة، فكانت الدولة الإيرانية فمعية ومتوحشة، وتعاملت مع كافة التحديات السياسية لديكتاتورية الشاه بأشد الوسائل عنفًا: فكان القتل والتعذيب هي الأسلحة اليومية للدولة، ولم يترك نظام الشاه المتسلط أي مجال لنمو الديمقراطية السياسية أو أي درجة من الحرية النقابية. وكان هذا النظام يعكس الطبيعة عير المتكافئة للتطور الإيراني، فمن جانب، كانت الدولة تدفع التحديث التكنولوجي للحياة الاقتصادية للأمام، وهي العملية التي تضمنت زيادة المستوى الثقافي والإنتاجية العامة لجماهير العاملين. ومن جانب آخر، تزامن برنامج التحديث مع الأشكال القديمة لاستغلال العمل، القائم على ساعات العمل الطوية وتخفيض مستوى معيشة الجماهير.

لم تستطع التطورات الاقتصادية تلبية مطالب الجماهير، فازدادت الفجوة بين وعود النظام وادعاءاته وانجازاته وبين ما توقعته الجماهير، فلم تتسع الفوارق الطبقية فقط ولكن أيضًا عدم المساواة الإقليمية، فاشتعلت مطالب الأقليات القومية في إيران، وزاد نشاط الطبقة العاملة، وبذلت الدولة كل طاقاتها كي لا تستمر الإضرابات فتعاملت معها بالقمع أحيانًا، أو تلبية مطالب المضربين فورًا أحيانًا أخرى.

وبرغم التصنيع، أصبح دور البترول في الاقتصاد أكبر من أي وقت مضى. فأدى انخفاض الطلب العالمي على البترول منذ نهاية 1975 مع ارتفاع معدل التضخم عالميًا ومحليًا إلى مشكلة كبيرة في التدفق النقدي مما اضطر إيران إلى الاستدانة من البنوك الدولية، فعجزت عن توفير الغذاء لقطاعات واسعة من سكانها وتدهور احتياطي البترول بمعدلات أسرع، ووصلت البطالة إلى 15% في المناطق الحضرية مع تراجع الإنتاج الصناعي نتيجة لتفاقم الأزمة واندفاع الطبقة الحاكمة الإيرانية في حمى الفساد والمضاربة، وتهريب الأموال في البنوك الأجنبية مع زيادة معدل التضخم إلى 40% سنويًا، بينما كانت أبواق الدعاية الزائفة لنظام الشاه تعزف نغمة إيران “الحضارة العريقة” وإيران “القوة العظمى السابعة في العالم”!

المعارضة الإيرانية:

لم يستطع نظام الشاه تكوين قاعدة اجتماعية يستند عليها، فنشطت حركة المعارضة في أوساط قوى اجتماعية عديدة ومتنوعة، أولاً: كانت الطبقة العاملة أهم تلك القوى، فقد زاد التصنيع من قواها وتأثيرها، وفي نفس الوقت كانت أوضاعهم المتردية تدفعها إلى المشاركة في كل الحركات الاحتجاجية ضد الشاه. ثانيًا: كانت الأقليات القومية من الأكراد والعرب والتركمان وغيرهم، ويكونون ثلث سكان إيران، ولأن غالبيتهم يسكنون الريف فقد عانوا من الاضطهاد المزدوج، من الفقر والبؤس المفروض على فقراء الريف، ومن تجاهل لغاتهم وحقوقهم الثقافية والقومية من الغالبية الفارسية. وثالثًا: في تداخل مع الأقليات القومية، الأقليات الدينية غير المسلمة، رابعًا: الموالي والبازار، فقد أضعف التطور الرأسمالي والحكومة المركزية من سلطة المؤسسة الدينية، كما أن الإصلاح الزراعي صادر الأراضي التي كانوا يعتمدون عليها، وبالنسبة للبرجوازية التقليدية في البازار، أدى نمو المؤسسات التجارية والتمويلية والسوبر ماركت والبنوك إلى تدهور أوضاعهم فاستمرت هذه الطبقة من صغار التجار وتجار البازار في تقديم الدعم للمؤسسة الدينية اقتصاديًا وسياسيًا. خامسًا: الطلاب والمثقفون المعنيون بالحريات الثقافية والسياسية والذين قادوا الحركة القومية في 5 / 1906 والحركة الشيوعية في العشرينات والحركتين القومية والشيوعية في الأربعينات والخمسينات والحركة الطلابية في الستينات. وتعكس معارضتهم الاجتماعية خليطًًا من الطبقات الوسطى التقليدية والمهنية الحديثة. وقد سيطرت قوتان سياسيتان على المعارضة لنظام الشاه: حركة حرب العصابات والمؤسسة الدينية الإسلامية (الموالي).

تمثلت حركة حرب العصابات في منظمتين رئيسيتين هما المجاهدون الفدائيون، وتعود جذورهما إلى الحركة الطلابية في أوائل الستينات، كما ترجع أيضًا إلى الحركة القومية والشيوعية في الأربعينيات والخمسينات. وقد عكست كل من حركتي حرب العصابات في السبعينات تذمر قطاع من شباب المثقفين الراديكاليين من فشل الوسائل التقليدية لأحزاب المعارضة في إيران. وألهمت النجاحات المبهرة لكل من ماو وكاسترو وهو شيء منه، وأفكار وممارسة مجموعات حرب العصابات في أمريكا اللاتينية وفلسطين، جزئيًا كل من المجاهدين من الجناح الديني في الجبهة الوطنية – التي كانت تنظيمًا عامًا مفككًا لكل قوى المعارضة في الخمسينات، بينما جاءت جماعة الفدائيين التي يغلب عليها الطابع العلماني نتيجة لانشقاق عن حزب تودة الموالي لروسيا، واستمدت قواها أيضًا من الجناح الشعبية، فأخضع باستمرار المصالح المحددة للطبقة العاملة لصالح حلفائه المزعومين من “التقدميين” في الطبقة الوسطى. وكان يصر، رغم اشتعال كفاح ونشاط الطبقة العاملة، على رؤيته بأن إيران لم تكن جاهزة للثورة الاشتراكية،ثم افتضحت تبعيته التامة لروسيا عندما أيد المطالب الإمبريالية لروسيا في البترول الإيراني، وساهم في إحباط إضراب عام لعمال البترول في حقل عبادان في 1946.

بينما تمسك المجاهدون والفدائيون بمبدأ مشترك هو أن الكفاح المسلح هو الوسيلة الرئيسية التي يمكن من خلالها تنشيط الجماهير. ورغم ذلك تأثرت سياسات كل منهما أيضًا بسياسات المعارضة الإيرانية السابقة، فقد ورثت كل منهما عناصر محافظة من أسلافهما – الجبهة الوطنية وحزب تودة. فكان لدى المجاهدين أوهامهم حول الهوية الإسلامية، ولدى الفدائيين أوهامهم في “الشيوعية الروسية”.

وبرغم أن حركة حرب العصابات كانت أكثر القوى المعارضة نشاطًا وقامت بالعديد من العمليات المسلحة الناجحة ضد البنوك ومخبري الشرطة المليونيرات الصناعيين والسفارات الأجنبية ومباني الشرطة والجيش، إلا النظام نجح في اصطياد الكثير من عناصرها، وهزيمة الحركتين عمليًا بحلول 1975. فقد كانت رغم بطولتها تتبنى إستراتيجية تقوم على احتقار الحركة الجماهيرية وتنظر إلى نفسها على أنها طليعة يمكنها إنعاش هذه الحركة التي وصفها عناصرها بأنها “غير مؤثرة وفي حالة عامة من الخمول” فلا جماعة المجاهدين ولا الفدائيين رأت يومًا بجدية أن على العمال أن يناضلوا بأنفسهم من أجل السلطة، من أجل حكمهم الطبقي الخاص.

إن مأساة سياسة حرب العصابات في إيران هي أن المناضلين عزلوا أنفسهم عن الصراعات والمشكلات اليومية للجماهير تاركين الحقل السياسي مفتوحًا لقوى معارضة أخرى كبيرة، وهي المؤسسة الدينية الإسلامية.

شكلت الطبقات الوسطى التقليدية في البازار (صغار التجار الحرفيون) القاعدة الاجتماعية للمؤسسة الدينية التي كانت تعاني من عزلتها عن التنمية الرأسمالية الحديثة. وفي نفس الوقت كان تطور المجتمع في إيران يقضي على الدور الرئيسي للمؤسسات الدينية. فأقاموا حركتهم على أساس توجه ديني تقليدي ضد شرور الغربنة ـ تقليد الغرب. وتزايد تأثير المساجد في الأكواخ والأحياء العشوائية التي تحطمت آمال سكانها التي علقوها على الهجرة إلى المدن على صخرة الواقع الأليم من البؤس والبطالة. فقدمت لهم المؤسسة الإسلامية حلمًا جديدًا بأن إسقاط نظام الشاه وإقامة المجتمع الإسلامي هو الحل لجميع مشكلاتهم.

كان الإسلام الذي جذب فقراء الحضر نسخة “مستخدمة” تتحدث مباشرة عن معاناتهم المادية. وكان بعض مناصريه البارزين، مثل المفكر الديني الكتور على شريعتي، يمارسون نشاطهم في المساجد الحديثة باستخدام الدوائر التليفزيونية المغلقة وأجهزة حديثة أخرى. كانت رسالة شريعتي إلى المؤمنين أن الإسلام – خاصة الجناح الشيعي الذي يهيمن في إيران – ليس مجموعة تعاليم قدرية محافظة وليس إيمانًا شخصيًا خالصًا، ولكنه رؤية ثورية تتخلل كل محالات الحياة وخاصة السياسة.

كان آيات الله خوميني نفسه بعيدًا عن الصراعات السياسية حتى أوائل الستينات، وتركز تدخله في السياسة في 62 – 1963 على معارضة الإصلاح الزراعي، ولكنه أيضًا أشار إلى فساد الشاه واعتماده على الولايات المتحدة وإسرائيل وإهماله للبازار، فقام الشاه بنفيه في 1963. وقد التزم خوميني الصمت في مواجهة المظاهرات التي قام بها رجال الدين ضد محاضرات شريعتي في 1968، لإدراكه لشعبية شريعتي، وركز نيرانه على فساد النظام وإهماله للحاجات الأساسية للعمال والفلاحين وافتقاده للحرية ومعتقلاته البربرية، ووجه دعوة صريحة لإسقاط الشاه وإقامة المجتمع الإسلامي.

إيران الثورة:

في لقاء له في 26 يونيو 1978 أعلن الشاه:

“لا أحد يستطيع الإطاحة في، فلدي تأييد 700،000 جندي، وغالبية الشعب وكل العمال.. وخلال عشرة أعوام نأمل أن نكون مثل أوروبا اليوم… وخلال 20 عامًا نأمل أن تكون أمة صناعية كاملة”.

كان الشاه بالطبع واهمًا عندما صرح بذلك، فقبلها بثلاثة أشهر فقط – في فبراير 1978 – اندلعت مظاهرات ضخمة في تبريز، احد أهم المدن الصناعية في إيران، واشتبك المتظاهرون مع الشرطة وهاجموا أقسام الشرطة رافعين شعار “الموت للشاه”، وهاجموا مقرات حزب الإحياء الحاكم والبنوك والفنادق الفاخرة ودور السينما المتخصصة في عرض أفلام الجنس، ومباني أخرى كانت مملوكة للشاه وعائلته، وقبلها في يناير من نفس العام قتل العديد من المتظاهرين في المواجهات مع الأمن. وبدأت المظاهرات والاحتجاجات تتوالى كل أربعين يومًا في احتفالات ذكرى الموتى، وكل مظاهرة جديدة كانت تضيف إلى عدد الضحايا.

وفي هذه الفترة غيرت منظمات حرب العصابات من تكتيكاتها بعد أن عانت خسائر هائلة من تعذيب وقتل أعضاءها في سجون الشاه. وعندما فرضت الحركة الجماهيرية في أواخر 1978 إطلاق سراح العديد من السجناء السياسيين بدأت منظمات حرب العصابات التحرك الفعلي، وجندت أعضاء جدد وأصدرت المنشورات والصحف وحاربت جيش الشاه وشرطته. وفي نفس الوقت، خضعوا لقيادة الخوميني بسبب عدم وجود أي قاعدة لهم وسط العمال وفقراء الحضر في السنوات الأولى لنشاطهم. والآن بدأ الخوميني يدعو صراحة إلى إسقاط الشاه والنظام الملكي بأكمله.

وحتى يونيو 1978، كانت المظاهرات المعارضة للشاه تخرج أساسًا من الطلاب والمثقفين وفقراء الحضر والطبقات والوسطى الحديثة والتقليدية. وبالنسبة للعمال كانت معظم الإضرابات والاعتصامات محدودة في المطالب الاقتصادية. وبداية من يونيو اتخذت حركة العمال الصناعيين طابعًا سياسيًا، وأعلنت صراحة المطالب بتأسيس، نقابات مستقلة في مواجهة النقابات التي يديرها السافاك، وتغيير إدارة المصانع وإغلاق مكاتب السافاك في المصانع. وفي سبتمبر أضرب عمال البترول في طهران وأصفهان وشيراز وتبريز وعبادان وطالبوا بإطلاق سراح السجناء السياسيين إلغاء الرقابة على الصحف والقضاء على السافاك نفسها، فتجاورت الإضرابات حدود أماكن العمل وخرج العمال بمسيرة من مصانعهم إلى وسط المدن وتحولت المسيرات إلى مظاهرات ضمت ملايين المعارضين لنظام الشاه. وقرر عمال البترول تخفيض الإنتاج من ستة ملايين إلى مليون برميل يوميًا ووقف التصدير والإنتاج فقط للسوق المحلي. ثم أوقفوا الإنتاج تمامًا في أكتوبر 1978 اعتراضًا على علاقات النظام بجنوب أفريقيا وإسرائيل. ورفض عمال السكة الحديد السماح لضباط الجيش والشرطة بالسفر بالقطار. ثم تلاهم عمال الطاقة الذرية اعترضًا على صناعتهم نفسها الموجهة للحرب، ثم أغلق تمامًا مصنع الصلب، ورفض عمال المواني تفريغ أي واردات ما عدا الواردات الغذائية والدوائية والورق الضروري للنشاط السياسي.

أرسل العمال خطابات إلى الخوميني يعبرون فيها عن تأييدهم له، ويطالبون بمشاركة العمال في حكومة المستقبل وإصدار قانون عمل يضمن سيطرة العمال على الصناعة. وتحت ضغط تطور الموقف الثوري في شتاء 78/1979 تطور وعي العمال الإيرانيين في قفزات وخطوات واسعة، وتزايدت خبراتهم ونضاليتهم بسرعة، فذعر كثير من كبار ملاك المصانع والمديرين وهربوا من البلاد. فنما شعور العمال بالمسئولية نحو مصانعهم وتمسكوا بالسيطرة عليها، فقامت لجان الإضراب بتولي وظائف الإدارة وتقرير حدود الإنتاج وساعات العمل وساعات الإضراب.. الخ.

وبينما كان يشعر العمال سابقًا بالعجز، أصبح الآن لديهم شعور عميق بالقوة الجماعية. إن انخراط الطبقة العاملة المنظم في الحركة الثورية – التي وحدت كل الطبقات الأخرى المقهورة والمستغلة في المجتمع الإيراني – رجح الميزان السياسي لصالحها. ومن خلال الحركة الجماهيرية الواسعة أسقط واحدًا من أكثر الأنظمة قمعًا واستبدادًا في الأزمنة الحديثة.

وفي 16 يناير 1979 أجبر الشاه على ترك البلاد، وأطلق رحيله شرارة احتفال جماهيري صاخب فاندفعت الحشود في الشوارع وعانق الغرباء بعضهم البعض ووزعت الدكاكين الحلوى على الجماهير احتفالاً بالنصر على الاستبداد. وتآخى الجمهور مع الجنود وألقوا عليهم الزهور قائلين “لا تقتلوا إخوتكم وأخواتكم”، فبكى الجنود – ومعظمهم من أصول فلاحية – وعانقوا الجماهير. ثم قام المتظاهرون بتحطيم تماثيل الشاه وأبره المنتشرة في المدن الإيرانية.

وفي أول فبراير 1979 عاد آيات الله خوميني من آخر مكان نفي إليه في باريس، وبعدها بخمسة أيام أعلن نفسه رئيسًا للدولة، وأصدر مرسومًا بتعيين مهدي بازارجان رئيسًا للوزراء، وحاول مع عدد من رجال الدين التفاوض مع قائد الجيش. كان ضباط الجيش يناقشون إمكانية القيام بانقلاب عسكري ولكنهم أدركوا أنهم فقدوا ولاء الجنود العاديين، وزاد توترهم كذلك بعد رحيل الجنرال الأمريكي روبرت هويزر، نائب قائد قوات الناتو والذي حذرهم من محاولة الانقلاب قبل رحيله. فقرروا أن يظلوا على الحياد وأن يبدءوا في التفاوض مع الحكومة المؤقتة.

وأثناء ذلك كانت الاشتباكات العسكرية جارية بين منظمات حرب العصابات وفنيي القوات الجوية وطلبة الكليات العسكرية ضد آخر القوات الموالية للشاه – قوات الحرس الإمبراطوري، وانتصروا عليهم ووزعوا أسلحتهم على الجماهير، وفي 11 فبراير استولت الجماهير المسلحة على مدرعات الشرطة ومتاريسها بالإضافة إلى مدفعية الجيش في طهران والأكاديمية العسكرية.

أصبح آيات الله خوميني الرئيس الجديد للدولة الإيرانية أساسًا بسبب الضعف التنظيمي والأيديولوجي لكل مجموعات المعارضة الأخرى الموجودة. وحاول رجال الدين تفريق الجماهير المسلحين باستخدام خطاب إسلامي. وأعلنوا التوقف عن المواجهة المسلحة “حتى يصدر الخوميني الفتوى”. ورغم ذلك فلمدة ثمانية أشهر بعد انتفاضة فبراير كانت سلطة الخوميني في حالة من عدم الاستقرار الدائم وخلال هذه الفترة كان على الشورى – مجلس العمال – أن تلعب دورًا جوهريًا في الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد. وطوال فترة يقظتها لم يستطع الخوميني تدعيم سلطته.

مجالس العمال (الشورى):

بعد أيام قليلة من الانتفاضة أصدر الخوميني أمره للعمال بالعودة إلى العمل “باسم الثورة”. وعاد العمال إلى المصانع ليكتشفوا أنه لم يتغير شيء، فقد ظلت الأجور وشروط العمال على ما كانت عليه، وجاء رد الفعل سريعًا. ففي كثير من المصانع أتاح غياب المدير أو المالك، بعد هروبهم من البلاد أثناء الانتفاضة، الفرصة لتشكيل مجالس العمال على الفور، وفي أماكن أخرى كان استمرار وجود نفس المدير ونفس المشرفين وحتى نفس مندوب السافاك القديم هو الدافع نحو تشكيل المجالس. وفرت لجان الإضراب السابقة على الثورة صلب القيادة للمنظمات العمالية الجديدة. وشكلت مجالس العمال لجانًا لتحديد وفحص العناصر القمعية والسلطوية داخل المصنع وطرد كل من كان له صلة قوية بالنظام القديم. وتولت كذلك مسألة المشتريات والمبيعات وتحديد الأسعار وطلابيات المواد الخام، وفحص أوضاع العمال والأجور والتأمين والصحة، ولجان لضبط الشئون المالية والإدارية، ولجان المرأة لطرح المطالب الخاصة بعمالة النساء.

كان العمال فعليًا يسيطرون على الصناعة، وكانوا يتناقشون ويخططون ويديرون المصانع المختلفة، وكانت مجالس الشورى أداتهم الرئيسية في ممارسة السلطة على الإنتاج والتوزيع، وخلال الشهور القليلة الأولى من الثورة زاد الإنتاج وتضاعف الحد الأدنى للأجور من خلال تخفيض المرتبات المرتفعة للمهندسين والديرين وقدموا اللبن مجانًا للعمال، وكان العمال يهدفون إلى إبقاء المصانع مفتوحة وإدارتها تحت سيطرتهم، والحصول على اعتراف قانوني من الحكومة بمجالسهم. ورغم ذلك، فقد ظهرت مشكلات عديدة وكبيرة لتؤثر على الدور المستقل لمجالس الشورى.

أولاً: أعلنت الحكومة المؤقتة لمهدي بازار جان أن تدخل العمال في شئون الإدارة يتنافي مع الإسلام. وحاول النظام، الذي رفض الاعتراف بمجالس العمال، القضاء على قوتها من خلال تقسيم عمال على أساس العقيدة الدينية. وبدأت الحكومة تتدخل في شئون مجالس العمال عن طريق مجموعة صغيرة من العمال أطلقت على نفسها الجمعيات الإسلامية. وبدأت هذه الجمعيات تنظيم اللقاءات حول الأهمية العامة للإسلام وبشكل خاص المعنى “الإسلامي” للعمل والملكية والحكم، كمحاولة للسيطرة الأيديولوجية على مواقع العمل، وقد جاء على لسان أحد العمال: “أنهم الآن يحاربون الشورى (مجالس العمال) على أساس العقيدة الدينية. فإذا طالبنا بشيء أجابوا: هذه مؤامرة شيوعية لإضعاف عقيدتكم الدينية… وما أود أن أعرفه هو ما علاقة مجالس العمال بالدين؟ إن العمال جميعهم يعانون نفس الاستغلال: المسلمون والمسيحيون أو من أي دين أخر. إن المدير اللعين الذي يمتص دماءنا أصبح فجأة مسلمًا مخلصًا، ومحاول تفريقنا باستخدام الدين، لذا يجب أن نعلم أن طريقًا الوحيد للنصر هو الحفظ على وحدتنا من خلال مجالس الشورى”.

ثانيا: كانت مجالس الشورى تعاني من مصاعب حقيقية في الحصول على المواد الخام، وإعادة بناء الاقتصاد، ولم تكن المواد الخام هي المشكلة الوحيدة – والتي نتجت عن إلغاء الإدارات القديمة تعاقدات المواد الخام أثناء الإضرابات، مما دفع العمال لطلب قروض ودعم من الحكومة التي أجبرتهم على التعاون مع الإدارات الجديدة.

ثالثًا: كانت مشكلة المهندسين المهرة، خاصة في المصانع الحديثة، كان هؤلاء المهندسون يتمتعون بمرتبات عالية جدًا وأوضاع متميزة مع الخبراء الأجانب قبل الثورة، ويعيشون في عالم مختلف عن عالم العمال العاديين، وبعد هروب الكثير من الملاك والديرين والخبراء الأجانب من البلاد شكل هؤلاء المهندسون الإيرانيون المهرة قوى هامة في المصانع الحديثة، وكانوا معادين لفكرة سيطرة الطبقة العاملة الإيرانية على السلطة من خلال مجالسهم. وعندما طالب العمال الحكومة بالدعم المالي لتشغيل المصانع، وجد النظام مبررًا قويًا لإرسال هذه الشريحة من الموظفين المهرة للسيطرة على المصانع.

وصل النضال من أجل سلطة العمال في المصانع إلى نقطة حرجة، فقد انتصر العمال في مواقع الإنتاج لتدعيم سيطرتهم، ولكنهم احتاجوا إلى آلة دولة تكون مباشرة تحت سيطرتهم وتستجيب لاحتياجاتهم كطبقة، فشكلوا مجلسًا تأسيسيًا للاتحاد، القومي لعمال إيران لتقوية المجالس المختلفة، وتدعيم الوحدة بينها. ولكن مشروع حكومة بازارجان كان محددًا تمامًا: إقامة الجمهورية الإسلامية في إيران، وكان واضحًا أن هذه الجمهورية ليس فيها أي مكان إلا لعلاقات الإنتاج الرأسمالية التقليدية. وكانت مجالس شورى العمال تقف عقبة في هذا الطريق.

وبينما تكون النقابات العادية – التي تحصر نفسها في أحسن الأحوال في المفاوضة الجماعية والنضال الاقتصادي، وتضمن الاعتراف بحقوق الإدارة – ملائمة تمامًا لعلاقات الإنتاج الرأسمالية، فإن مجالس العمال مختلفة تمامًا، وهي أشد خطورة على الرأسمالية لأنها تجمع في نفس الوقت بين القوة السياسية والاقتصادية للطبقة العاملة. لذلك أعلنت الحكومة المؤقتة أن مجالس العمال فوضوية لأنها تتدخل في شئون الإدارة والإنتاج، وأعلن وزير العمل والشئون الاجتماعية في مؤتمر صحفي: “إن وزارة العمل تؤيد النقابات وترى أن العمال يمكنهم الدفاع عن مصالحهم من خلال النقابات، وتنوي حل كل أشكال التنظيم الأخرى التي تضيع الوقت”. ومع ذلك، فرغمً عن الحكومة أستمر الصراع من أجل سيطرة العمال داخل المصانع. بينما تجنب الخوميني نفسه التصريح بأي آراء بشأن مجالس العمال.

وبعد قيام الحكومة المؤقتة التي شكلها الخوميني بإطلاق الرصاص على مظاهرتين للعمال العاطلين في طهران وأصفهان، احتل العمال وزارة العمل، وأعلن أحدهم: “إنني أقترح أن بنقي في هذا المكان حتى تتحول وزارة أصحاب العمال هذه إلى وزارة للعمال، يجب أن يعرف وزير العمال أنه وزير في حكومة مؤقتة، وأنه هو نفسه وزير بصفة مؤقتة لا دائمًا. وواجبه أن يسأل المديرين والملاك الذين نهبوا الملايين خلال 25 عامًا مضت كيف أفلسوا هكذا فجأة؟ إننا لا نريد وعودًا وإنما نريد أفعالاً: لا تتهمونا بأننا كفار. لبوا مطالبنا وسوف نصلي 37 مرة يوميًا بدلاً من 17 مرة”.

كان العمال العاطلون يطالبون بحقهم في العمال أو بإعانة بطالة، بينما كانت الحكومة المؤقتة تغلق المصانع المؤممة وتطرد العمال وتخفض أجور العمال الباقين في مواجهة الأزمة.

إن أحداث أول مايو كشفت عن الإمكانيات الثورية لحركة العمال، ولكنها أيضًا كشفت عن عاملين آخرين: أولا: عن معارضة النظام الصريحة للنشاط المستقل للطبقة العاملة، وثانيًا: عن تخبط اليسار الإيراني.فلم يكن نشاط مجموعات الإجرام الإسلامية أمرًا جديدًا. وبعد أيام قليلة من إسقاط الشاه كان النظام يشجع الجماعات الإسلامية المتعصبة بتوجيه هجماتها الإجرامية ضد الحقوق الديمقراطية ومطالب كل قطاعات المجتمع. وتوجهت هذه الهجمات ضد حقوق النساء والأقليات القومية والفلاحين والعاطلين واليسار.

ولكن سبب نجاح هذه الهجمات التالية لها كان بالأساس تذيل اليسار للطبقة العاملة، بدلاً من التدخل لطرح استراتيجيات بديلة، فلم يقاوموا الاتجاهات الأيديولوجية المتنوعة الأخرى داخل الطبقة العاملة، وكانت النتيجة في الممارسة أن اليسار يقود أكثر القطاعات تخلفًا في الطبقة العاملة وليس أكثرها تقدمًا، وتجنبوا مساندة بعض القضايا – التي رأوا أنها لا تحوز شعبية واسعة، ولكنها تعبر عن المصالح الكلية والتاريخية للطبقة العاملة – فتركوا المجال مفتوحًا أمام الثورة المضادة الإسلامية.

اتضح هذا المنهج بنتائجه الخطيرة في قضية حقوق المرأة. عندما بدأ نظام الخوميني في 26 فبراير 1979 هجومه على المرأة بإلغاء الإصلاحات البسيطة التي قام بها الشاه في قانون حماية الأسرة. فأعاد الخوميني إلى الزوج الحق المطلق في الطلاق، وسمح له بالاحتفاظ بأربع زوجات، وعدد غير محدود من الزوجات المؤقتة (زواج المتعة) دون إذن الزوجة الأولى. ثم أصدر مرسومًا بتحريم ممارسة المرأة للقضاء. ومنعت وزارة الدفاع خدمة النساء في القوات المسلحة. وفي 7 مارس أعلن الخوميني أمره بارتداء المرأة الحجاب رغم عدم متعها من الخروج للعمل.

وفي 8 مارس، في احتفال يوم المرأة العالمي خرجت النساء بمظاهرة ضد قوانين الخوميني، فهاجمتهم عصابات حزب الله بالحجارة بينما قام أعضاء اللجان من الأصوليين وحرس الخوميني بإطلاق النار على المتظاهرات، استمرت هذه المظاهرة لمدة أسبوع كامل ولم يحاول اليسار كسب العمال لمساندة قضية المرأة، ولكنه تجنب الموضوع تمامًا. ووصل الأمر ببعضهم بأن أعلنوا أن مطالب المرأة “مطالب برجوازية” لا تستحق الاهتمام.

ومن ناحية أخرى كان قيادات الجيش والشرطة قد هربوا من البلاد، ومن بقي منهم لم يتعاطف من النظام الجديد، بالإضافة إلى معارضة كل الأقليات القومية والدينية لمشروع الخوميني، وكان النظام يفتقد إلى قوة تدعمه، فبدأ بتحويل اللجان في الأحياء الشعبية والعشوائية إلى جهاز دولة خاص به نقوم بدور الهيمنة الاجتماعية والأيديولوجية لتعزيز حكم الخوميني وكذلك تصفية اللجان المعارضة وتنمية عضوية اللجان المؤيدة للحكم اعتمادًا على القبلية. وانعزل اليسار تمامًا عن أي نشاط سياسي داخل اللجان. وبالتالي أصبحت هذه اللجان بعد فترة قصيرة جهاز الشرطة الخاص بالنظام، وأصبحت السافاك الجديدة الخاصة بالخوميني، تنتشر في الشوارع والمصانع وبين الأقليات القومية ولا تضم إلا أشد الإسلاميين تعصبًا.

وبعد المرأة بدأ النظام في الهجوم على الأقليات القومية. ففي 18 مارس أطلقت القنابل على القرى الكردية بسبب الاستيلاء على أراضي كبار الملاك، والمطالبة بتقرير المصير. وفي 29 مارس هاجمت قوات الخوميني قرى التركمان بسبب استيلاء الفلاحين على أراضي كبار الملاك أيضًا. ووقفت منظمات اليسار الإيراني موقف المتفرج على الأحداث فلم تؤيد مطالب المنظمات الكردية الكبيرة بتقرير المصير، بما فيها حق الانفصال عن إيران، وأخضعوا سياستهم للقومية الإيرانية.

وحاولت حكومة بازارجان تدعيم موقفها فدفعت باقتراح للاستفتاء حول دستور إسلامي في 30 مارس وأيد والمجاهدون اقتراحات النظام. لكن منظمات المرأة والأقليات القومية والمجالس العمالية في العديد من المصانع نادت بمقاطعة الاستفتاء. واستعدت الحكومة بأساليب الإرهاب القديمة لإقامة الاستفتاء باستخدام الجيش وأسلوب طبع الأختام على البطاقات بحيث من يقاطع الاستفتاء لا تختم بطاقته، ومن يصوت بالرفض يكون أسمه مسجلاً في اللجان المحلية التي أصبحت الآن جهاز بوليس خاص بالخوميني. ومع ذلك حدثت صدامات عنيفة بين قطاعات من الجماهير واللجان المحلية وأحرق الأكراد والتركمان صناديق الاقتراح. وأعلن النظام أن اقتراح الجمهورية الإسلامية حاز غالبية عظمى رغم أنه لم يعلن عن أي أرقام. وعلى هذا الأساس رفض النظام أطروحة الجمعية التأسيسية التي كان ينادي بها العمال ومنظمات المرأة والأقليات والطلاب والمثقفين بانتخاب ممثلين للجماهير، وبدأ في تشكيل جمعية من المشايخ الإسلاميين للتصديق على الدستور الإسلامي. وأصبح الحرس الثوري – حرس الخوميني – القوة المنظمة لحماية الجمهورية الإسلامية وشكل بعد ذلك بجانب الجماعات الإسلامية المتعصبة صلب قوات البوليس لآلة الدولة الجديدة. ثم تشكل حزب الجمهورية الإسلامية لتنظيم المظاهرات المضادة عندما ترفع المطالب الثورية.

ثم بدأ النظام حملته الشعواء على الحركة العمالية بمحاولة تطهير الشورى من كل العناصر المتقدمة وتثبتت الطبقة العاملة على أساس ديني حيث أعلن أن الشورى لابد أن تكون إسلامية فقط. وبدأت موجة من التخبط داخل الحركة العمالية نتيجة لهذه التصفية وفي نفس الوقت نتيجة لتخاذل اليسار. ثم أعلن الخوميني في حملته تحت أسم إعادة البناء تجريم الإضرابات وأيد ذلك كل من الجمعيات الإسلامية ومجالس العمال الإسلامية بل أرسلت أيضًا العمال، بعد انتهاء يوم العمل، للعمل في الأرض وكنس الشوارع وتنظيف مباني الوزارات.

وقد رفض الكثير من العمال سياسات إعادة البناء وقاموا بالعديد من الإضرابات والاعتصامات، وقال أحد العمال في شركة تالوب: “رغم وجود ملايين العاطلين، مازالوا يخرجونا من المصانع لتشارك في إعادة البناء” وآخر من جنرال موتورز: “لماذا لا تجبر الحكومة الرأسماليين الذين هربوا أموالهم في البنوك الأوروبية على استرجاعها لنتمكن من تحديث الإنتاج في الزارعة والصناعة؟ إن هذا هو إعادة البناء الحقيقية”.

وفي خريف 1979 أصبح موقف النظام حرجًا للغاية، فبرغم القمع الشديد استمر نضال الجماهير مشتعلاً، فما زالت مظاهرات النساء ضد قوانين الأسرة مستمرة، ولم تنته موجة احتلال المصانع، وانتشرت مظاهرات العاطلين في كل أنحاء البلاد، وظل الفلاحون يستولون على أراضي كبار الملاك، بينما كانت الحرب مستمرة بين الأقليات القومية والحكومية والمركزية. وتزامن كل ذلك مع انقسامات حادة في الطبقة الحاكمة الإيرانية حول تنظيم المجتمع بين أنصار رأسمالية الدولة، والرأسمالية التقليدية في البازار، والرأسمالية الحديثة. إلى أن جاء احتلال السفارة الأمريكية في 4 نوفمبر 1979 ليحل الخلافات بين الطبقة الحاكمة الإيرانية وبقضي على الصراع من أجل سيطرة العمال.

ثم بدأ النظام سلسلة من المظاهرات المعادية للإمبريالية تاركًا كل قطاعات اليسار في تخبط تام، وفي مقابل ذلك، تجاهل اليسار كل العناصر القمعية في نظام الخوميني، ومطالب النساء والأقليات القومية وسيطرة العمال على المصانع، ورأى عن مغالطة أن مطالب مجالس العمال ليست سوى مطالب اقتصادية ناتجة عن تخلف وعي العمال، وعلى اليسار أن يقودها إلى المطالب السياسية، وفي هذه الظروف اتفقت كل قطاعات اليسار على أن كل القوى يجب أن تتحالف مع “البرجوازية التقدمية المعارضة للإمبريالية”. وأعلن الخوميني بدوره أن كل الحركات المعادية للنظام سببها الإمبريالية الأمريكية، فحركة العمال في المصانع، وحركة الأقليات القومية، وحركة المرأة، والفلاحين، كلها يحركها عملاء الصهيونية والإمبريالية الأمريكية، وانتهز فرصة تخبط وخرس المعارضة وأعلن عن استفتاء جديد حول الدستور الإسلامي، وصنف كل معارضي هذا الاستفتاء كعملاء للصهيونية والإمبريالية. وأيدت كل قطاعات اليسار الاستفتاء الجديد “حتى لا يتعرض الصراع ضد الإمبريالية للخطر”، بينما قمعت المظاهرات التي نظمها الإسلامي الليبرالي إلى آيات الله شريعة ما دارى ضد الاستفتاء بوحشية.

بعد ذلك بدأ النظام في تصفية كل أشكال المعارضة في مجالس العمال وقمعت الحريات وحقوق الأقليات باستخدام الدستور الجديد.. الخ، وبدأت الانقسامات تحدث بين فرق الطبقة الحاكمة الجديدة حتى اشتعلت حرب العصابات فيما بينها، بالإضافة إلى جماعتي المجاهدين والفدائيين، فأستخدم النظام ذلك كذريعة لعسكرة المصانع والمجتمع وتصفية كل أشكال المعارضة المتبقية.

لم يبق أي أثر لمكتسبات ثورة نوفمبر 1979، وتم تدمير حركة الطبقة العاملة الإيرانية، ووقع اليسار في هاوية أخطائه القديمة: فإما تأييد غير مشروط لنظام دموي معادي للطبقة العاملة، أو التردي في العزلة الفظيعة لسياسات حرب العصابات.

خاتمة:

إن محور الثورة الاشتراكية هو التحرر الذاتي للطبقة العاملة. وهذا يعني أن على الحزب الاشتراكي الثوري أن يقود الطبقة العاملة نحو هذا الطريق، لا أن يستبدل الطبقة العاملة – الفاعل الحقيقي في العملية التاريخية. إن الحزب لا يصنع الثورة نيابة عن الطبقة العاملة وجماهير المقهورين، بل عليه أن يقنع الطبقة العاملة بضرورة استيلائها على السلطة من خلال منظماتها الثورية، ويفند كافة الاتجاهات الرجعية في صفوفها بصبر وتماسك لا أن يتخلى عن هذا الدور كما فعل اليسار الإيراني. إن غياب هذا الحزب بعد إسقاط الشاه ترك فراغًا سياسيًا لم يملأه سوى النظام الإسلامي.فبرغم الشجاعة المدهشة التي ميزت حركة مجالس العمال (الشورى) لم تستطع لغياب الحزب السيطرة على لجان الأحياء التي سيطر عليها الإسلاميون بعد قترة طويلة من التخبط وعدم التماسك.

إن الحزب الثوري يجب ألا يساوي في مسألة انفصال المرأة من أجل تحررها، واستيلاء الفلاحين على الأرض وحقوق الأقليات الدينية والقومية. لم يكن ممكنًا أن يحصل حزب من هذا النوع على تأييد الغالبية في البداية. ولكنه كان يستطيع أن يشكل فصلا من أقلية واضحة ومتماسكة حول هذه الأفكار، ومعارضة لفكرة الدولة الإسلامية. وكان على هذه المنظمة الثورية أن تفهم وتوضح بصبر طبيعة نظام الخوميني المعادية للطبقة العاملة، وعلى هذا الأساس كان من الممكن أن يحوز مشروع الصراع من أجل الاشتراكية غالبية كاسحة داخل مجالس شورى العمال وحتى بين العمال المخدوعين بالأفكار الإسلامية، حيث كانوا يؤيدون النظام الإسلامي ويريدون سيطرة العمال على المصانع.

إن مسألة مستقبل الثورة في إيران، وفي كل منطقة الشرق الأوسط، تتحدد إلى درجة كبيرة بإمكانية قيام مثل هذه المنظمة، وإلا فمأساة الثورة الإيرانية في 1979 يحتمل أن تتكرر مرات أخرى عديدة.