بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

منشور

لماذا الطلبة الاشتراكيون؟

للوهلة الأولى تبدو الأسماء غريبة على الأسماع… اشتراكيون وطلبة في جامعة القاهرة!! كيف ولماذا؟

كيف ووسائل الإعلام في كل أنحاء الدنيا من تليفزيون لإذاعة لجرائد لوكالات أنباء لمحطات فضائية تذيع علينا كل ساعة أن الاشتراكية قد ماتت، وأننا في عصر التاريخ الذي يقف على أرض الرأسمالية وليس له أن يتحرك؟!

الحقيقة أن أحوال هذا العالم نفسه الذي تصول وتجول فيه الرأسمالية بلا منازع هي التي تبرر وتفرض وجود الاشتراكيين في كل مكان. فالعالم – الذي لا ننتمي إلى أحد بقعه الأغنى – بكل ما فيه من تقدم وتكنولوجيا حديثة يعاني سكانه من عشرات المشكلات المزمنة التي تجعل حياة الأغلبية من سكانه بائسة وفقيرة. ابتداءً من البطالة وتدني مستويات المعيشة وظروف الحياة التي تجعل مليار شخص (أي حوالي خمس سكان العالم) يعيشون تحت خط الفقر و250 مليون طفل تحت الرابعة عشرة يعملون في أشق الأعمال وأصعبها، إلى القهر السياسي والتعذيب والقتل الجماعي وانتشار المخدرات والأمراض والحروب والتعصبات العرقية والدينية التي لا تجد لها سببًا سوى توجيه الغضب والعنف الذي تولده الرأسمالية لدى الشعوب التي تستغلها نحو زملائهم في الفقر والاستغلال.

وفي الوقت نفسه فإن الرأسمالية فشلت، بكل طبعاتها المحسنة سواء التي ترفع منها لواء الاشتراكية الديمقراطية كحزب التجمع أم التي ترفع شعارات الأصولية الدينية، في تقديم حل أو حتى بديل إصلاحي لهذا النظام بكل ويلاته هذه. مما يثبت أن البديل يجب أن يكون جذريًا يستطيع القضاء على “أس” البلاء في النظام الرأسمالي – نظام السيطرة الطبقية. وهكذا تفرض الاشتراكية نفسها كبديل.

وقد يشير البعض إلى تلك النظم في شرق أوروبا وروسيا وإلى سقوطها كدليل على فشل الاشتراكية كبديل جذري يخرج بالإنسان من أفق الحاجة الضيق إلى آفاق الحرية الحية. إلا أن هذه الإشارة تقع في فخ أن هذه النظم لم تكن إلا تعبيرًا وشكلاً آخر من أشكال الرأسمالية. تتقمص فيه الدولة – زورًا وبهتانًا – باسم الاشتراكية دور الرأسمالي الأوحد بينما تستمر آليات الاستغلال والقمع والتفاوت الطبقي لحساب تنمية رأسمالية لا ترحم ملايين الكادحين. هذا بينما تعني الاشتراكية قبل كل شيء سيطرة هؤلاء الفقراء والمقموعين والمستغلين على ظروف حياتهم وتحكمهم فيها. وهو الشيء الذي بشرت به الثورة الروسية كواقع فعلي من خلال سيطرة المنتجين الكادحين في أماكن عملهم على السلطة السياسية من خلال مجالسهم التمثيلية والقضاء على النظام الرأسمالي ودولته وذلك قبل أن تلقى الثورة الهزيمة – بعد معركة سياسية – على يد ستالين وأعوانه في الحزب لتعود الرأسمالية بشكل أشد قسوة وعنفًا لتنتهي معركة ويبقى المستقبل مفتوحًا في انتظار معركة أخرى آتية لا محالة. حيث تبقى الاشتراكية حلم وهدف كل المضطهدين بقيادة الطبقة العاملة في كافة أنحاء العالم. وهو حلم يرسم كل يوم طريق تحققه.

وفي بلادنا تبدو الصورة أوضح ما يمكن حيث تنتقل الأوضاع يومًا بعد يوم من سيء إلى أسوأ. ويزداد الفقر والفقراء بسرعة الصاروخ بينما تنعم طبقة مترفة حاكمة بصنيع هؤلاء ونتاج عرقهم وكدهم. وتروج الدولة وأجهزة الحكومة لدعاية تؤكد على النجاح الاقتصادي والمعجزة الإنتاجية التي يشيد بها صندوق النقد كل يوم لتثبت بحق للجميع كذبها وتحيزها السافر ضد الفقراء من العمال والفلاحين والكادحين. فإذا كان الكلام بحق فأين هؤلاء من هذه المعجزة؟ لماذا تزيد معاناتهم كل يوم وكل ساعة من أجل توفير رغيف خبز يسد الرمق؟ ولماذا يصبحون يومًا بعد يوم أفقر وأكثر جهلاً ومرضًا؟

ببساطة… لأن عرقهم ليس لهم. وهكذا تفرض الاشتراكية نفسها أيضًا في بلادنا كجزء من العالم الرأسمالي.

هذا عن كيف. وتبقى لماذا. لماذا يكون هناك طلاب اشتراكيون؟ وما العلاقة بين الجامعة التي نتلقى فيها العلم بالسياسة والطبقات والاقتصاد؟ وحتى لو فرضنا أن هناك علاقة. هل من الممكن أن يكون هناك دور فاعل ومؤثر للطلبة في خدمة أنفسهم ومجتمعهم من خلال الاشتراكية؟

الإجابة تكمن في أن هذا الواقع الرديء الذي نعيشه لن يغير نفسه بنفسه. وأن الاشتراكية لن تنزل علينا من السماء لكي تقدم الحل السحري لكل المشكلات. وإنما علينا أن نسعى ونناضل ونقاتل من أجل التغيير ومن أجل بناء وإرساء الاشتراكية. وعلى ذلك فإن الطلبة (مثلهم مثل كل الذين يحلمون بعالم آخر خالي من القهر الطبقي والفقر وكل ويلات الرأسمالية) عليهم واجب ودور المساهمة في عملية التغيير هذه. فالجامعة في الأول وفي الآخر جزء من المجتمع بل وجزء له دور هام أيضًا. وبالتالي فهي تتأثر بما يحدث فيه وتتفاعل معه.

على سبيل المثال، سياسة مثل سياسة الإصلاح الاقتصادي. قد يبدو لنا من بعيد أن ليس لها صلة بالجامعة بصورتها في الإعلام والسياسة الحكومية كمكان لتلقي العلم. ولكن الحقيقة تقول إن الخصخصة والإصلاح الاقتصادي قد أديا إلى زيادة تكلفة التعليم المباشرة بصفة عامة وهو الشيء الذي يقع عبء جزئه الأكبر على الفئات الفقيرة حيث زادت تكلفة التعليم بالنسبة لهم خلال الفترة من 1981 وإلى الآن بنسبة 58 % وكانت في الريف أكبر حيث وصلت إلى 1025 %. الأمر الذي أدى إلى هروب مئات الآلاف من التعليم مؤدين إلى ارتفاع نسبة الأمية بين الفقراء.

أما أبناء الطبقة الوسطى الذين يصر أهلهم على تعليمهم حرصًا على أملهم وطموحهم في الترقي الاجتماعي فقد ناءوا بحمل مصروفات التعليم المباشرة وغير المباشرة. والنتيجة الأولى لذلك أن قلة ضئيلة من الفقراء وبعض أبناء الطبقة الوسطى وأبناء الأغنياء هم فقط الذين يحصلون على فرص تعليمية تصل بهم إلى الجامعة. لكن هل يتوقف الأمر عند ذلك؟ بالطبع لا… فالآلاف الذين يحصلون على الشهادات الجامعية يجلسون على الأرصفة بحثًا عن فرصة عمل لا يجدونها. والسبب وراء ذلك أنه حتى الذين يحصلون على فرص التعليم لا يحصلون عليها بالتساوي. ففي ظل سياسة الإصلاح الاقتصادي هناك هدف تسعى إليه الحكومة وهو تقليص الفارق بين الموارد والمصروفات العامة (عجز الموازنة العامة) وينعكس ذلك على حجم الدعم الموجه للتعليم الرسمي، الأمر الذي أدى إلى تخفيض كمية التعليم وانخفاض نوعيته وتخفيض المخصصات غير التعليمية المرتبطة بالتعليم. وذلك في الوقت الذي تؤكد فيه سياسة الحكومة على فتح منافذ لأبناء القادرين مثل الجامعات الخاصة والأقسام الخاصة التي تميز بين طلبة نفس القسم في نفس الكلية في نفس الجامعة كفقراء وأغنياء. بحيث يتخرج الطالب القادر حاملاً أوسمة التميز لتفتح الأبواب له لمجرد أنه خريج الجامعة الأمريكية مثلاً. ناهيك عن الفساد والمحسوبية وما إلى ذلك. والنتيجة النهائية أن القلة هي التي تجد مستقبلاً مشرقًا بعد التخرج.

ولو نظرنا إلى جميع القضايا والمشاكل الطلابية لوجدنا أنها لا تنفصل عن مشاكل المجتمع:

قضية الديمقراطية تلقي بظلالها علينا بوضوح في مسائل الحرس الجامعي ولائحة 1979 والتيرم: فالحرس الجامعي لا تقف مهمته عند حماية المنشآت (كما نصت لائحة 1979) وإنما يمتد إلى التدخل الدائم في أي عمل طلابي والمصادرة على أي فكر معارض وقمعه هذا بالإضافة إلى التدخل في العملية الانتخابية وشطب الطلاب المرشحين بل وتهديدهم لإجبارهم على الانسحاب من الانتخابات. وهذا ليس عمل يقوم به ضابط بمفرده ولكنها سياسة الحكومة نفسها ويتم تطبيقها في الجامعة.

أما لائحة 1979 الصادرة في 1979 بقرار جمهوري رقم 265 والمعدل في 1984 بقرار رقم 278 فهي تنص على أنه لا يجوز إقامة تنظيمات أو تشكيلات على أساس فئوي أو سياسي أو عقائدي بالجامعات. كما لا يجوز تنظيم أي نشاط لمجالس الاتحادات أو لجانها أو باسمها على أساس فئوي أو سياسي أو عقائدي. ويجب الحصول على موافقة عميد الكلية أو المعهد أو نائب رئيس الجامعة المختص على إقامة الندوات والمحاضرات من خارج الكلية أو المعهد. ومنعت اللائحة أيضًا مجالس الاتحادات الطلابية أو لجانها من تنظيم أي نشاط على أساس سياسي أو نقابي على الرغم من أنه التنظيم النقابي المفترض للطلاب. إلى جانب منع أي طالب معروف عنه ممارسة السياسة من الانتخابات عن طريق جملة فضفاضة في اللائحة تشترط أن يكون المرشح متصفًا بالخلق القويم وحسن السمعة.

وفرغت اللائحة اتحاد الطلبة من مضمونه حيث لا تتوافر له الاستقلالية المالية ولا الإدارية فأمر صرف أي مليم يتطلب طابور طويل من إمضاءات العمداء والدكاترة وحتى رئيس الجامعة ونائبه. أما سياسة اليوم التي تستخدمها الحكومة من أجل تكسير عظام الحركة الطلابية بزيادة عدد المواد الدراسية وضغط الطلاب زمنيًا مما يعني انشغال الطلبة بالمذاكرة والمذاكرة فقط ويتخرج معزولاً عن مجتمعه ومشاكله ليكون أداة طيعة في يد الحكومة تفعل بها ما شاءت دون مقاومة.

وألغت اللائحة اتحاد طلبة الجمهورية الذي كان يجمع كلمة الطلبة في مصر كلها ويجعل لها دور وتأثير.

أما السياسات الطبقية المتحيزة للأغنياء فهي تظهر في أكثر من قضية وسياسة داخل الجامعة وعلى رأسها المدينة الجامعية. فالطلبة المقيمون في المدينة هم من فقراء ومتوسطي الحال الذين يأتون من الأقاليم – من صعيد مصر وفلاحيها – ولا يملكون ثمن الشقق المفروشة التي يصل سعرها بين 200 و500 جنيه شهريًا. وطالما أنهم من الفقراء فهم يلقون معاملة سيئة للغاية من إدارة الجامعة كأنهم شحاذون. مرورًا بسوء التغذية والكميات القليلة للغاية من الطعام ناهيك عن تلك المنتهية الصلاحية منها. وأيضًا سوء السكن من عدم نظافة المكان وضيق الحجرات ودورات المياه القذرة وعدم السماح بوجود أدوات التسلية من راديو وكاسيت وحتى زميل الغرفة تحدده لك إدارة المدينة. ولا يتوقف الأمر عند ذلك بل يمتد إلى التحرش بالطلبة من قبل أمن المدينة لمجرد الشك في أنهم يتبعون تيارات سياسية معينة بدخول الغرف في عدم وجود أصحابها وتفتيشها ومصادرة أي كتب أو مجلات سياسية على الرغم من أن هذه الكتب تباع في المكتبات العامة. وإلى جانب الشروط التي تجعل من دخول المدينة أصعب من دخول الجينة فيتعرض الطالب للإنذار أو الطرد من خلال العديد من البنود الفضفاضة التي تجعلهم تحت رحمة المشرفين. وفي هذا تجدر الإشارة إلى المشكلة الكبيرة التي حدثت في بداية العام الدراسي 96 – 1997 والناتجة عن منع طلاب المرحلتين الثانية والثالثة من دخول المدينة وقبول الحاصلين على 92.5 % فأكثر فقط. وبعد كل ذلك تتعامل الدولة وإدارة الجامعة مع الطلبة على أنها تقدم لهم خدمة جليلة أو صدقة ليست من حقهم. ويمكن ضرب مئات الأمثلة بنفس الشكل من أجل التأكيد على أن القضايا السياسية والاقتصادية والطبقية العامة هي في صميم حياتنا اليومية وتمس كل لحظة فيها.

من هنا فإن الفرصة التي يتلقاها طلبة الجامعة الحاليون تلقي عليهم بمهمة لا مناص منها وهي المشاركة في النضال ضد هذه الأوضاع كلها ويستوي في هذا أبناء الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى التي تكيل لها الرأسمالية اللكمات والذين عليهم أن يساندوا الأولين في طريق الاشتراكية – طريق تحرر الجميع.

ولطالما قام الطلبة في مصر والعالم بأدوار في منتهى الأهمية بالنسبة للحياة السياسية وتكفي الإشارة إلى دورهم في مقاومة الاستعمار الإنجليزي في مصر وإلى دور الحركة الطلابية في العالم في أواخر الستينات حيث كانت تمثل حركة المعارضة الثورية الأولى للنظام الرأسمالي.

وحقيقي أن الحركة الطلابية لا تستطيع تقويض النظام الرأسمالي لأنها لا تستطيع أن تبني حركة في الموقع الذي يمكن منه تحدي الرأسمالية بصورة مباشرة وجماعية. أي في المصانع وأماكن العمل التي يخلق فيها العمال ثروة الرأسمالية. إلا أن الجامعة كبؤرة من بؤر النشاط السياسي الاشتراكي المشتعلة يمكن أن تساهم في النضال ضد الرأسمالية. ويكون نضالها هذا مؤثرًا بقدر كل ضربة وكل نجاح تستطيع أن تحرزه في مواجهة الرأسمالية (ويمكن الإشارة هنا إلى نجاح الطلبة في ألبانيا وبلغاريا في إسقاط الحكومات والتأثير في السياسات)، وبقدر ما يكون عمل الطلبة الاشتراكيين جماعيًا ومشتركًا وهادفًا للتغير في هذا الطريق تحت قيادة كادحي الطبقة العاملة. فهيا معنا نشارك في تحرير أنفسنا ومجتمعنا.