بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بيان الاشتراكيين الثوريين

عفواً: مطالبنا انتزعناها.. ولم تكن منحة من أحد

كانت الأخبار التي أذيعت مؤخرا عن حل الحزب الوطني، وقبلها البدء في محاكمة علاء وجمال، مصحوبة بحملة تهليل للمجلس العسكري، ومطالبة بوقف التظاهرات السلمية، وتدين أي نوع من أنواع الاحتجاجات، إلى حد اتهام فصائل اليسار الثوري بالتحريض على البلبلة، بل وبمنتهى التبجح يتعالى صوت “الأهرام”، لاتهام المتظاهرين السلميين بأنهم أذناب النظام القديم، وتتطالب بالضرب على أيديهم بقوة.

كما تسير في الموكب الصحف والقنوات “المستقلة”، التي لا تختلف عن القنوات والصحف الحكومية سوى أنها أكثر مهنية ومهارة، بشكل يجعل كلمتها أكثر قبولا لدى الشارع. الأهم من ذلك أن هناك قوى سياسية، كانت “معارضة” في وقت ما، أعجبتها الجلسات المكيفة مع الحكام الجدد، وترعبها استمرار الثورة الجماهيرية وترغب في توقفها بأي ثمن، حتى لو وقفت في صف النظام ضد الشعب.

يخبرنا التاريخ بتجارب ليست ببعيدة عنا: في مصر 1952، عندما قامت حركة الضباط الأحرار، رفعت ستة أهداف، حظيت بقبول شعبي، ثمما لبثت أن “أممت” الحياة السياسية في مصر وأطاحت بكل الأحزاب، بمباركة مساعدة الإخوان، إلى أن انقلبت عليها هي الأخرى، وعندما جاء السادات للسلطة، قام بعملية تخلُص من “صقور النظام الناصري” الذي كان جزءا منه، فأطاح بكل من كانوا سيقفون ضد مشروعه التصفوي، ملوحا بالحرية والديمقراطية، وهدم المعتقلات، بينما كان يحتفل بقدوم كل عام باعتقال المناضلين. بعد مقتل السادات ومجيء ربيبه وصنيعته، مبارك، أصدر قرارا بالإفراج عن معتقلي يناير 1981، وامتلأت الصحف بأطروحات عن الشفافية والديمقراطية، وعن “مؤسسة الرئاسة”، إلى أن تكشف وجه النظام، الذي واصل مسيرة السادات في انتهاج سياسات قمعية، وموالية للاستعمار، والانقضاض على المكتسبات الاقتصادية-الاجتماعية التي كانت عزاء الشعب المصري، وبقيت من علاقته بالجماهير، خطبة 6أكتوبر، المصحوبة بافتتاح اي مشروع-أو كوبري، وخطبة عيد العمال، حين يصدر صوتا من القاعة “المنحة يا ريس”.

مثال آخر، عندما قام زين العابدين بن علي بتنحية سيده بورقيبه، بعد حكم أكثر من 30 سنة، أعلن عن عهد جديد من الحريات، لم يستمر أكثر من سنوات قليلة، انتهت تماما، بحجة القضاء على الإسلاميين، في حملة كانت متزامنة تقريبا مع حملات قامت بها معظم الأنظمة العربية ضد الإسلاميين.

المشترك بين الأمثلة السابقة، أن الحكام الجدد جاءوا للسلطة بعد مرحلة مد ثوري غير مكتملة، فالضباط الأحرار، جاءوا بعد موجة المد الثوري في مصر بعد الحرب العالمية الثانية، والتي كانت ذروتها في انتفاضة فبراير 1946، وهناك عدد غير قليل من التجارب المعاصرة لها. كما جاء مبارك بعد سنوات قليلة من انتفاضة الخبز 1977، كما جاء بن علي بعد انتفاضة 1984، التي تم استدعاؤه من الخارج، لقمعها، ليستولي على السلطة في 1987. اي أنهم جميعا جاءوا في لحظة لم يكن بإمكان النظام فيها الاحتفاظ لا بسياسته، ولا برموزه نفسها، وكان لا بد من تقديم “شيء ما” للجماهير. وكان من المنطقي ايضا، الانقلاب بسهولة على كل تلك “المنح”، لأن من يمنح، قادر على أن يمنع.

التاريخ لا يعيد نفسه، حقا، لكن من يكرر الأخطاء التاريخية، يدفع الثمن غاليا، فحكامنا الجدد، وُلدوا وتربوا في حجر النظام، ولم يتخلوا عنه إلا عندما أصبحت الشرعية للشارع، وأصبحت المناصب في مهب الريح. ليس هذا فحسب، بل إن كل قراراتهم، التي جاءت “بالقطارة”، بدءا من إقالة شفيق، ثم دفعات المحاكمات المتتالية لرموز النظام، والتي تكللت بمحاكمة رأس النظام وولديه، وحل الحزب الوطني، جاءت بضغط متزايد من الجمهور، واجهه الحكام بعمليات قمع وتنكيل بشعة، وقوانين مقيدة للحريات(منع الاحجاجات،وقانون الاحزاب) وكانه يمارس لعبة العصا والجزرة، يقمع بيد، ثم تأتي اليد الأخرى لتمنح، ليظل في الصورة هو المسيطر والمانح.

يختلف وضع “سكان القصر الجدد” عن الأمثلة التي ذكرناها مسبقا، بأنهم جاءوا عقب ثورة شعبية ضد النظام، فشلوا في قمعها، أو أن ثمن قمعها كان باهظا عليهم. وهو ما يعني من ناحية ان عليهم ان يعطوا أكثر بكثير من مبارك 1981، ومن بن علي 1987، ومن ناحية اخرى أن هناك ملايين ثاروا ودفعوا الثمن من أجل تغيير ثوري شامل، في كل المجالات: الوطنية والديمقراطية والاقتصادية-الاجتماعية، ولا يحق لأي أحد أن يعين نفسه وصيا عليهم، مستعملا كل الوسائل الممكنة، ويطالبهم بالكف عن المطالبة، وإعطاء فرصة للـ”مجلس الموقر”، ليأتي علينا يوم، لا نسمع فيه صوت الشعب إلا في قول “المنحة يا مجلس”.

قرارات المحاكمات، المصحوبة بالكثير والكثير من التفاصيل والتهاويل، هي “جزء” من مطالب الثورة، جزء حتى لم يكتمل، بمحاكمات سريعة وحاسمة وأحكام تتناسب مع الحدث، والأهم هو استعادة أموالنا المنهوبة، بدلا من أن يضطر وزير ماليتنا للاقتراض من جديد. لا تزال مطالب الثورة بديمقراطية كاملة في ظل حكم مدني، والإفراج عن المعتقلين. وحق الغالبية العظمى الكادحة من هذا الشعب في أجر عادل وتأمينات اجتماعية، وتعليم وصحة وسكن إنساني. حقهم في إبداء رأيهم في سياسة دولتهم حيال الاستعمار الأمريكي-الصهيوني، التي لم تتغيير أبد، بل كان التسليم بها كلمة مرور للقصر.

الثورة لا تتسول مطالبها.. الثورة لا تنتظر وصاية من أحد.. فللثورة شعب يحيمها.