بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بيان الاشتراكيين الثوريين

بداية جديدة للثورة المصرية

كيف نفهم المشهد السياسي الحالي؟
نحتاج أولاً أن نفهم السياق العام للثورة المصرية. لابد أن نعترف أن الثورة لم تنجح بعد في الإطاحة بنظام ودولة مبارك. فلابد أن نميز بين التغيير الشكلي والفوقي في من يديرون الدولة المصرية وبين جوهر تلك الدولة وهو مازال قائماً.

دولة مبارك ما زالت قائمة
قامت دولة مبارك على ثلاث أسس مركزية ومتداخلة. الأساس الأول هو تحالف بين قمة الدولة بمؤسساتها المختلفة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والحزب الحاكم وبين كبار رجال الأعمال، وقد تجسد ذلك التحالف في سياسات الليبرالية الجديدة والتي أعادت تشكيل الطبقة الحاكمة بالاستيلاء على ثروات البلاد وتركيز الثروة والسلطة في أيدي ذلك التحالف الطبقي الحاكم وذلك طبعاً على حساب الغالبية العظمى من الشعب المصري.

وكان الأساس الثاني لنظام/دولة مبارك هو التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وكلبي حراستها في المنطقة، الدولة الصهيونية والمملكة السعودية، وهو ما حول الدولة المصرية لخادم أمين للمصالح الأمريكية والصهيونية يعمل بدأب وإخلاص في حصار وضرب كافة الحركات المقاومة سواء في فلسطين أو لبنان أو العراق ويساهم في تسهيل موجات العدوان الأمريكي والصهيوني في المنطقة، وقد أصبح هذا الدور هو العقيدة الحاكمة للمؤسسة العسكرية وأجهزة المخابرات.

أما الأساس الثالث فكان الاستبداد والديكتاتورية. فلا يمكن لدولة تقوم على إفقار ونهب الغالبية العظمى لصالح أقلية ضئيلة والعمالة الصريحة للاستعمار دون استخدام القمع والقهر والاستبداد والطوارئ.

هذه الأسس الثلاث تمثل إذاً جوهر نظام/دولة مبارك. وقد قامت الثورة المصرية بهدف هدم ذلك الجوهر وليس مجرد شكله ولباسه ورموزه. وقد أثبتت تطورات الشهور الماضية، وبشكل متسارع في الأسابيع الأخيرة، كيف يلعب نظام الإخوان المسلمين وحلفائهم السلفيين دوراً متفانياً في الحفاظ على جوهر نظام مبارك ودولته بأسسه الثلاث رغم التبني الانتهازي لشعارات الثورة.

الإعلان الدستوري
لنبدأ بالتطور الأخير وهو الإعلان الدستوري الذي قرره محمد مرسي يوم الخميس 22 نوفمبر. سوق مرسي هذا الإعلان بصفته قراراً ثورياً يستهدف إعادة محاكمة رموز النظام القديم وضباطه وتعويض أسر الشهداء والتخلص من النائب العام رجل مبارك إلى آخر الأهداف النبيلة التي لن يختلف حولها أي ثوري. ولكن لم يكن كل ذلك إلا سحابة من الدخان تخفي ورائها رغبة عارمة لتركيز السلطات في يده لمواجهة كل من يريد استمرار الثورة وتحقيق أهدافها الجوهرية. وقد وضح في خطابه المسرحي أمام الاتحادية أنه لا يريد فقط التخلص من بقايا النظام القديم بل وقف تعطيل العمل أي الإضرابات، وقطع الطرق العامة أي المظاهرات، وفرض الجمعية التأسيسية للدستور التي يهيمن عليها هو وحلفائه من السلفيين. أي يريد ببساطة إنهاء الثورة المصرية والقضاء على أي ديمقراطية حتى وإن كانت شكلية. فأعداؤه الحقيقيون ليسوا قضاة الفلول الذين يتحجج بهم، بل العمال المضربون والشباب المتظاهر والمعتصم ومن يسميهم – كما كان يسميهم من سبقه في الحكم – بلطجية التحرير الذين يريدون هدم الدولة. أي يريد قتل القلب النابض للثورة المصرية بنفس أدوات القمع والاستبداد التي كان يستخدمها مبارك بل ويضيف إلى ذلك تعبئة شباب الإخوان والسلفيين سواء المخدوعين بالشعارات أو المتواطئين للدفاع عن الدولة المهددة.

الفلول والثورة
وقد رأى فلول نظام مبارك فرصة نادرة للظهور كمدافعين عن الثورة في تحديهم لقرارات مرسي. فجأة أصبح عمرو موسى والزند وحتى مرتضى منصور من الثوار. وبدلاً من فضح هؤلاء وطردهم من الميادين بل والمطالبة بمحاكمتهم رأينا رموزا من المعارضة يحتضنون فلول النظام القديم ويقيمون معهم تحالفات بحجة توحيد معارضي حكم الإخوان. ورأينا تلك الجبهة العار المسماة بجبهة الإنقاذ الوطني تضم الفلول والمعارضة . وللأسف الشديد رأينا قيادات حزب الدستور والتحالف الشعبي والتيار الشعبي والحزب الديمقراطي الاجتماعي يحتضنون أمثال عمرو موسى ورموز من فلول النظام السابق في خطأ تاريخي وموقف انتهازي يفتح الباب واسعاً لمؤامرات الثورة المضادة ويحدث تآكلاً سريعاً في مصداقية وشرعية تلك القيادات المعارضة، بل أن التحالف بين المعارضين والفلول هو طوق النجاة التي سيحاول محمد مرسي استخدامه لمحاولة الخروج من مأزقه الحالي.

الفلول يتحركون ضد الإخوان ليس من باب ضرورة استكمال الثورة بل من باب العودة للنظام القديم أي الثورة المضادة. فهم يرون أن الثورة كانت كارثة أضاعت البلاد وأوصلت الإخوان للحكم. إن أي تحالف أو عمل مشترك مع هؤلاء هو خيانة للثورة ولشهدائها.

إن النضال ضد محمد مرسي ونظامه لا يمكن أن ينفصل عن النضال ضد بقايا النظام القديم. بل أن إحدى أهم جرائم مرسي ضد الثورة المصرية هي الصفقة التي تمت بينه وبين المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية لوقف عملية التطهير والاكتفاء بخلع القيادات والرموز القديمة مع الإبقاء على مؤسسات الدولة كما هي بنفس شبكات المصالح والفساد. أي أنه أراد أن يرث رأس النظام دون هدم الدولة القديمة أو حتى استكمال تطهيرها. يريد أن يرث الاستبداد وأن يمضي قدماً في تنفيذ نفس سياسات النظام القديم لخدمة نفس المصالح الطبقية القديمة. يريد أن يثبت لطبقة كبار رجال الأعمال أنه أكثر قدرة على خدمة مصالحهم من النظام القديم. ولكن بعض هؤلاء يظنون أن بإمكانهم من خلال استغلال المعركة الحالية مع الإخوان لتمرير عودتهم للساحة السياسية وإخفاء مشروع الثورة المضادة تحت عباءة شعارات الثورة نفسها.

المؤسسة العسكرية
أما المؤسسة العسكرية فقد نالت من مرسي ما لم تكن تحلم به. الخروج الآمن لقياداتها وعدم الاقتراب حتى من مصالح المؤسسة الاقتصادية أو حتى الحديث عن ضرورة تطهير تلك المؤسسة الفاسدة حتى النخاع والحفاظ على العلاقة الخاصة مع الجيش الأمريكي والتمويل والتسليح الأمريكي. وفي نفس الوقت الخروج من ورطة المواجهة المباشرة مع جماهير الثورة بكل ما كان يحمله ذلك من مخاطر انقسام الجيش.

لكن بعض الفلول والليبراليون يحلمون بانقلاب عسكري يريحهم من كابوس الإخوان ويعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثورة وهو ما يريدون الإسراع به، لكن الجيش لن يورط نفسه في مثل تلك المغامرة الخطرة إلا إذا أصبحت مصالحه الحيوية مهددة، والذي يحميه من ذلك الآن صفقته مع الإخوان.

إن الفرز الذي نحتاجه اليوم ليس بين ما يسمى بالقوى المدنية وبين القوى الإسلامية الحاكمة بل بين من يريد استمرار الثورة وتعميقها وبين من يريد وأدها سواء بشكل إسلامي أو مدني. أي بين الجماهير الثائرة من جانب وبين الإخوان والفلول من الجانب الآخر.

نريد الإطاحة بمحمد مرسي وإخوانه ليس لأنه إسلامي ولكن لأنه يقف عائقاً في طريق استكمال الثورة ولأنه ينفذ نفس سياسات النظام السابق بل لازال يحمي قلب ذلك النظام.

مرسي وغزة
أنظر على سبيل المثال إلى أداء مرسي في العدوان الصهيوني على غزة. لم يقف مرسي إلى جانب المقاومة بل لعب دور الوسيط بين “إسرائيل” – التي أصبح فجأة يعترف بشرعيتها بل يهنئ “صديقه” بيريز – وبين المقاومة الإسلامية. وقد هنأه على ذلك الموقف المباركي الأصيل كل من نتنياهو وكلينتون وبيريز.

حتى الوسائل لم تتغير نفس جهاز المخابرات ونفس رجاله أصدقاء الصهاينة يتحركون بين تل أبيب وغزة تماماً كما كان يفعل رئيسهم السابق عمر سليمان.. والسفير الذي زعم أنه قد طرده قد عاد إلى القاهرة ومعه رئيس الموساد.. وقد جاء الثمن سريعاً في شكل موافقة مبدئية من صندوق النقد الدولي على قرض سخي مع عروض مماثلة من الاتحاد الأوروبي.

لقد رأينا كيف تاجر إعلام الفلول وبعض الأبواق الليبرالية الذين ملئوا الدنيا ضجيجاً حول مؤامرات فلسطينية في سيناء وأن علينا تجاهل ما يحدث في غزة والتركيز على مصائب مصر مثل مأساة أسيوط وكأن دم أطفال غزة يجب أن يكون أرخص لدينا من دم أطفال أسيوط.

“مصر أولاً” شعار نظام مبارك المفضل هو مجرد تبرير رخيص للدور المصري في القضية الفلسطينية، وكأن تلك القضية لا علاقة لها بمصير الثورة المصرية.

هل يتصور أحد أن الدولة الصهيونية والسعودية ومن ورائهم الإدارات الأمريكية يريدون للثورة المصرية أن تنتصر؟ هم يعملون ليلاً نهاراً من أجل الثورة المضادة في مصر وكانوا الظهير الأساسي لنظام مبارك طوال العقود الثلاث الماضية. إن كل انتصار للمقاومة الفلسطينية يدفع الثورة المصرية للأمام وكل انتصار في معارك الثورة المصرية يهز أركان الدولة الصهيونية ويلهم المقاومة الفلسطينية.

القروض وإفقار الجماهير
قروض صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، كما كانت دائماً، ليست مجرد ثمن لحفاظ مرسي على كامب ديفيد ولعب نفس الدور الذي كان يلعبه مبارك في خدمة تل أبيب وواشنطن. بل تأتي أيضاً للتأكيد على استمرار نفس السياسات الاقتصادية لحسني وجمال مبارك من تحرير اقتصادي وخصخصة وتقليص الإنفاق على الخدمات العامة وإلغاء الدعم وتشجيع كبار المستثمرين المحليين والعالميين.

وقد رأينا سياسات مرسي الاقتصادية وكأنها مأخوذة بالنص من لجنة سياسات الحزب الوطني. مشاريع لإلغاء الدعم والاستمرار في جريمة تقليص الإنفاق الحكومي على الخدمات الحيوية للجماهير من صحة وتعليم وإسكان ونقل. ولعل حادث أسيوط الذي مات فيه أكثر من 50 طفل يؤكد بشكل مؤلم ما تؤدي إليه تلك السياسات. الفقراء لم يكن لحياتهم ثمن في ظل رأسمالية مبارك وهكذا الحال في ظل رأسمالية مرسي.

الموجة الثورية الجديدة ومستقبل الثورة
يوم الثلاثاء 27 نوفمبر 2012 يوم تاريخي من أيام الثورة المصرية. حيث تدفقت الجماهير بمئات الآلاف على ميدان التحرير والميادين الثورية الأخرى. قضيتنا اليوم هي إسقاط الإعلان الدستوري الاستبدادي الذي أصدره مرسي ولو تمكن الاعتصام من الانتصار في هذه المعركة سيكون ذلك بلا شك بداية جديدة للثورة المصرية. لكن علينا أن نتذكر أن هذه معركة واحدة في حرب طويلة لتحقيق مطالب الثورة المصرية. علينا استخدام هذه المعركة لإعادة تجميع القوى الثورية والفرز بينها وبين الفلول ومن يتعامل معهم. علينا تنظيف مياديننا الثورية من كل أشكال الفلول والإلقاء بهم في مزبلة التاريخ. علينا تشكيل جبهة ثورية ليس فقط لإنجاح الاعتصام ولكن للتحضير أيضاً للمعارك القادمة.

لقد علمتنا الثورة كثيراً من الدروس. لعل أهمها أن الانتصارات الثورية لا تتحقق فقط في الميادين بل تحتاج لظهيرها الجماهيري. وقد رأينا كيف لعبت الطبقة العاملة المصرية الدور الحاسم في إزاحة مبارك في الأيام الثمانية عشر الأولى. وقد علمتنا الثورة أيضاً أن كسب الجماهير من العمال والفقراء لجيش الثورة ليس بالأمر الهين. فالجماهير لا تتساوى في مستوى وعيها السياسي والطبقي وتتأثر قطاعات واسعة منها بأفكار الإسلاميين الإصلاحية المحافظة وقطاعات أخرى بدعاية الفلول والليبراليين.

لن تكون هناك انتصارات في معارك الثورة القادمة دون كسب قطاع واسع ومؤثر من العمال والفلاحين لخندق الثورة. لقد تعلمت الجماهير خلال شهور قليلة الدور المعادي للثورة الذي لعبته المؤسسة العسكرية واليوم تتعلم من خبراتها ونضالاتها عداء الإخوان ورئيسهم لمصالحهم ولمطالبهم. محمد مرسي يعادي الحريات النقابية ويعادي الإضرابات العمالية وقد أصدر فور إعلان التعديلات الدستورية تعديلاً قانونياً يحد من الحريات النقابية للعمال، وقد رأينا كيف يتبنى سياسات تفقر العمال والفلاحين لصالح الأغنياء. ولكن الوعي الذي يكتسبه العمال خلال نضالاتهم اليومية لا يكفي. نحتاج لكسب العمال سياسياً لأهداف الثورة ليلعبوا دورهم الطليعي الحاسم في المعارك القادمة.

لقد تطور عمق واتساع الحركة العمالية بشكل نوعي خلال العامين الأولين للثورة المصرية. نحتاج اليوم العمل على بناء حزباً ثورياً يبني على أساس هذا التطور ويربط بين المعارك المطلبية للعمال وبين المطالب السياسية للثورة وبين مطالب القطاعات الأخرى من المقهورين والمضطهدين.

لقد تناولنا في بداية هذه الورقة أن دولة مبارك لا زالت قائمة بنفس مؤسساتها ومصالحها وسياساتها وكيف أن مرسي اليوم يحمي تلك الدولة وينفذ نفس سياساتها. فنحن لا نريد إسقاط مرسي ونظامه ليحل محله من سيقوم بنفس الدور سواء كان من الفلول أو الليبراليين. نريد إسقاط الدولة نفسها، دولة الفساد والرأسمالية، دولة الاستبداد والقهر والإفقار لنبني دولة جديدة على أنقاضها، دولة تليق بدماء شهدائنا، دولة تعبر بحق عن مصالح غالبية سكان مصر من عمال وفلاحين من الفقراء والمقهورين.

معاً على طريق الثورة المصرية الثانية
يسقط مرسي والإخوان.. تسقط دولة الفلول
المجد لشهداء الثورة.. كل السلطة والثروة للشعب

الاشتراكيون الثوريون
28 نوفمبر 2012