ورقة سياسية
رؤية التحالف الاشتراكي للنضال العمالي
تعرضت الطبقة العاملة المصرية لهجمة شرسة منذ تطبيق سياسات التكيف الهيكلي في بداية التسعينيات من القرن العشرين. ارتكزت هذه الهجمة على تعديل القوانين التي تحكم علاقات العمل وإصدار تشريعات جديدة تكفل مزيدا من الاستغلال للعمال، فضلاً عن تعديل القوانين المنظمة للعمل النقابي، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، والإجراءات الإدارية والتنظيمية التي تهدف إلى إحكام السيطرة على أوضاع العمال وتحجيم قدرتهم على الدفاع عن مصالحهم. وقد واكبت هذه الهجمة متغيرات في بنية الطبقة العاملة المصرية نتيجة للتطورات التكنولوجية ونقل ملكية عدد كبير من منشئات القطاع العام إلى القطاع الخاص.
هكذا يمكن القول أننا إزاء مرحلة جديدة من تطور الطبقة العاملة المصرية نتيجة تفاعل هذه المتغيرات في السياسات والقوانين وفي بنية الطبقة العاملة ووضعها في المجتمع، تتميز هذه المرحلة بسمات جديدة تجسدت في مجموعة من الظواهر تبدو أوضح ما تكون في البنية الجديدة للطبقة العاملة المصرية، وعلاقات العمل، والقدرات النضالية للعمال، سواء في نشاطهم النقابي أو في الدور السياسي للطبقة العاملة.
إن أى محاولة لاستشراف المستقبل بالنسبة للطبقة العاملة المصرية بهدف صياغة رؤية سليمة لكيفية العمل معها، يجب أن تنطلق من رصد دقيق لما استجد في بنية وأوضاع وقدرات هذه الطبقة، وما لحق بها من متغيرات وما صدر من قوانين تحكم وجودها ونشاطها النقابى والسياسى، والتشريعات الجديدة وما ترتب عليها من تغير في علاقات العمل. وفيما يلى نعرض لأهم الحقائق المستجدة في هذه المجالات التي يتعين أن ننطلق منها في صياغتنا لرؤية التحالف الاشتراكى للنضال العمالي في المرحلة المقبلة.
أولاً: خصائص هيكلية جديدة لبنية الطبقة العاملة المصرية وتأثيرها على قدراتها النضالية
شهدت بنية الطبقة العاملة المصرية تغيرات جوهرية خلال السنوات العشرين الأخير نتيجة تطبيق سياسات التكيف الهيكلى وفتح الباب دون أى قيود أمام النشاط الرأسمالي المصري والأجنبي والإسراع بنقل ملكية وسائل الإنتاج المملوكة للقطاع العام إلى القطاع الخاص، وتسريح العمال بالمعاش المبكر، ونشوء المدن الصناعية الجديدة في أماكن بعيدة عن المدن الكبرى والتوسع في قطاع الخدمات على حساب الصناعة، والأخذ بالتكنولوجيا كثيفة رأس المال بديلاً عن التكنولوجيا كثيفة العمال. وقد ترتب على هذه العوامل خصائص هيكلية جديدة لبنية الطبقة العاملة المصرية هذه الخصائص لم تزل في مرحلتها الانتقالية.
مفهوم جديد للطبقة العاملة:
في مقدمة الظواهر الجديدة بالنسبة للمتغيرات التي لحقت بالطبقة العاملة المصرية، اتساع مفهوم الطبقة العاملة بدلاً من المفهوم الكلاسيكي الذي يضيق حدود هذه الطبقة في العمال اليدويين. ولكي نكون قادرين على التعامل بشكل سليم مع النضال العمالي فإنه من المهم أن ننطلق من مفهوم جديد للطبقة العاملة يمد حدود هذه الطبقة لتشمل كل المحرومين من السيطرة على مصادر الثروة المادية، والذين لا يملكون إلا قوة عملهم البدنية أو الذهنية، ومن ثم يضطرون لبيعها مقابل أجور، ولا يملكون سلطة اتخاذ القرارات.
إن الأخذ بهذا المفهوم الموسع للطبقة العاملة يعنى أن الطبقة العاملة ليست متجانسة وأنها تضم نوعيات متباينة للغاية من العمالة اليدوية والذهنية المأجورة، من حيث نوع العمل ومستوى الأجور والمعيشة والتعليم والثقافة والوعي والقيم وظروف الحياة والعمل عموماً. ويفرض هذا الوضع الجديد أساليب جديدة في العمل مع العمال لتوحيد رؤيتهم لمصالحهم ومشاركتهم في النضال النقابي والسياسي للعمال.
ويترتب على هذا المفهوم الجديد للطبقة العاملة أننا لسنا بصدد طبقة يتضاءل حجمها ويقل عدد الأفراد المنتمين إليها بل إن الطبقة العاملة المصرية يتضاعف حجمها لتشمل عمال الصناعة وعمال الخدمات وعمال الزراعة. وهذه القطاعات الثلاثة من العمال تشهد تزايداً مطرداً في أعدادها.
ونحن نميز بين الطبقة العاملة المصرية وقوة العمل التي تضم أيضًا المهنيين والمديرين والموظفين والقضاة وغيرهم ويدخل في نطاقها حوالي 19.3 مليون من العاملين بأجر موزعين على القطاعات التالية:
- 5.8 مليون في نشاط الزراعة والصيد يمثلون 30.1% من إجمالي العاملين في مصر.
- 2.2 مليون في قطاع الصناعات التحويلية يمثلون 11.5% من الإجمالي، 2.1 مليون في تجارة الجملة والتجزئة والورش الحرفية والصغيرة يمثلون 11.1% من الإجمال.
- أكثر من 1.9 مليون في التعليم يمثلون 9.9% من الإجمالي، 1.8 مليون في الإدارة العامة والدفاع يمثلون 9.6% من الإجمالي.
- أما قطاع التشييد والبناء فيضم 8.5%، وقطاع النقل والتخزين 6.8%، والقطاع السياحي 1.9%.
ومن الملفت للنظر التفاوت الكبير في المستوى التعليمي للعاملين بأجر في مصر فهناك 29% أمي، 15% يحملون مؤهلات عليا، 4% مؤهلات فوق متوسطة، 28% مؤهلات متوسطة، 8% مؤهل أقل من المتوسط، 16% يقرأ ويكتب.
أن هذا التنوع الكبير في الأوضاع التعليمية للعاملين بأجر يتطلب بذل مجهود كبير لتوحيد رؤيتهم لمصالحهم وإدماجهم في نشاط نقابي وسياسي مشترك.
لا تقتصر الظواهر الجديدة على التنوع الكبير في الفئات الاجتماعية المكونة للطبقة العاملة والتنوع الكبير في المستوى التعليمي بل هناك ظواهر أخرى هامة سوف تؤثر بشدة في كيفية العمل مع العمال نذكر منها:-
توزيع العمل على قطاعات النشاط المختلفة:
يتزايد عدد العاملين بالقطاع الخاص نتيجة لسياسة الخصخصة وكذلك الاستثمارات الجديدة ويبلغ عددهم الآن 2.8 مليون عامل داخل منشئات القطاع الخاص، 2.7 مليون عامل خارج المنشئات في القطاع الخاص غير المنظم.
يقل عدد العاملين بالقطاع العام بعد خروج نصف مليون عامل إلى المعاش المبكر ونقل ملكية بعض منشئات القطاع العام إلى القطاع الخاص. حيث يصل عدد العاملين بالقطاع العام حاليا 873.9 ألف عامل يمثلون 7.5% فقط من المشتغلين بأجر.
يعمل بالحكومة 4.9 مليون يمثلون 43% من المشتغلين بأجر.
يعمل 120 ألف في القطاع الاستثماري، 50.8 ألف في القطاع التعاوني والأجنبي وهم المسجلون رسمياً وربما يكون عددهم الفعلى أكثر من ذلك.
التجمعات العمالية الجديدة خارج الكتلة السكنية
انتقل الاستثمار الصناعى الجديد من المدن الكبرى والمراكز الصناعية التقليدية في حلوان والمحلة الكبرى وكفر الدوار إلى المدن الجديدة (العاشر من رمضان، 6 أكتوبر، برج العرب وغيرها) ترتب على ذلك نشوء جيل جديد من العمال يقدر عددهم بما يقرب من ربع مليون عامل منهم نسبة كبيرة من العمال ذوى المؤهلات العالية، لا تتوفر لهم خبرة التضامن الجماعى وليست لهم علاقة بالتنظيم النقابى، ويعملون في ظل ظروف عمل صعبة.
التجمعات العمالية الصغيرة بدلاً من التجمعات الكبرى
أدى بيع منشئات القطاع العام إلى القطاع الخاص وما صحبه من إحالة العمال إلى المعاش المبكر إلى تراجع حجم التجمعات العمالية الكبيرة التي كانت تضم عشرات الألوف في شركة واحدة، كما أن الاستثمارات الصناعية الجديدة في المدن الجديدة وضواحي المدن الكبرى تنشئ صناعات ذات تكنولوجيا عالية لا تتطلب عمالة كثيفة وبهذا فإن الميل متزايد في الصناعة المصرية إلى قيام تجمعات عمالية صغيرة على حساب التجمعات الكبيرة مما يضعف قدرة العمال على التضامن الجماعي، ويعزز من هذه الظاهرة أن معظم هؤلاء العمال ليست لديهم خبرة سابقة كما أنهم يعملون في مناطق بعيدة عن الكتل السكانية الكبرى فلا تتوفر لهم فرصة التواصل مع باقي قطاعات العمال.
ثانياً علاقات العمل وتأثيرها على حقوق العمال
صدرت العديد من القوانين الجديدة وتم تعديل القوانين القائمة المنظمة لعلاقات العمل وطبقت سياسات اقتصادية واجتماعية حكومية ترتب عليها جميعاً صياغة علاقات عمل جديدة تهدر الحقوق المستقرة للعمال وتنتقص من المكاسب التي تحققت للعمال عبر سنوات طويلة من النضال. وبصدور قانون العمل الجديد اكتملت منظومة علاقات العمل الجديدة التي تكثف الاستغلال الرأسمالي للعمال من خلال:-
- التوسع في التشغيل المؤقت للعمال بدلاً من العمل الدائم، وتقنيين التوسع في استخدام العمال طبقاً لعقود عمل مؤقتة المدة. ويمتد هذا الوضع في المستقبل القريب ليشمل العاملين بالحكومة من خلال مشروع الوظيفة العامة الذي يناقش حالياً ويلقى معارضة واسعة.
- إلغاء مبدأ الأجر الموحد عن العمل المتماثل، وتفاوت مستويات الأجور طبقاً لإرادة أصحاب الأعمال مما يضع العمال تحت رحمة أصحاب الأعمال ويساعد على هذا اتساع ظاهرة البطالة التي ترغم العمال على قبول أجور متدنية.
- الإصرار على عدم تحديد الحد الأدنى للأجور رغم النص في قانون العمل على تشكيل المجلس الأعلى للأجور والأسعار .
- التوسع في حالات فصل العمال دون ضمانات قانونية، والاكتفاء بتعويض محدود للعمال عن حالات الفصل التعسفي فتضيع حقوقهم مع بطء إجراءات التقاضي.
- خفض مدد الإجازات التي يحصل عليها العمال سواء كانت اعتيادية أو مرضية.
- عدم الالتزام بساعات العمل المحددة، وتشغيل العمال ساعات أطول.
- إجبار العمال على توقيع استقالة من العمل (استمارة 6 الخاصة بتصفية المستحقات التأمينية) قبل استلام العمل للتحكم في مصير العامل إذا رفض الشروط القاسية التي يفرضها عليه صاحب العمل.
- وضع شروط تجعل ممارسة الإضراب العمالي مستحيلة وفرض جزاءات صارمة لمن يمارسون حق الإضراب دون التزام بهذه الشروط.
- أعداد مشروعات قوانين جديدة للتأمين الصحي والتأمينات الاجتماعية والمعاشات لسلب العمال حقوقهم المستقرة في القوانين الحالية.
- خضوع النقابات العمالية لسيطرة الحكومة ورجال الأعمال وحرمان القادة النقابيين من الترشيح لضمان استمرار هذه السيطرة مما يحرم العمال من مساندة التنظيم النقابى الرسمى لهم ودفاعه عن حقوقهم.
كانت محصلة علاقات العمل الجديدة تكثيف الاستغلال الرأسمالي للعمال وانخفاض نصيب العمل من الدخل القومى إلى أقل من 25% وارتفاع نصيب الملكية إلى أكبر من 75% رغم أن نصيب العمل وصل عام 1970 إلى 51% ونصيب الملكية 49%.
ثالثاً: الاحتجاجات العمالية الأخيرة، دلالاتها ومغزاها
تصاعدت الإضرابات العمالية خلال الشهور الستة الأخيرة بشكل يفوق توقعات الجميع، وفي الوقت الذي كان يتحدث فيه الخبراء والباحثون وقيادات سياسية عن استحالة تحرك الطبقة العاملة المصرية دفاعاً عن مصالحها بسبب السياسات الأمنية التي تحاصر العمال، والإجراءات القمعية ضد من يجرؤ على ممارسة حق الإضراب، فضلاً عن دخول شرائح جديدة في قطاع العمل دون خبرة سابقة وخروج القيادات النقابية المتمرسة إلى المعاش المبكر والتفتت الجغرافي للعمال في المدن الجديدة وضواحي المدن الكبرى.
رغم هذا كله فقد قام العمال بتنظيم عشرات الإضرابات في المحلة الكبرى وشبين الكوم وكفر الدوار والإسكندرية والسويس والقاهرة والمنصورة وغيرها. ولا يمر يوم دون الإعلان عن إضرابات جديدة، الأمر الذي يؤكد أن عمال القطاع الصناعى يشكلون القاطرة للطبقة العاملة. والملفت للنظر أن التعامل الحكومي مع هذه الإضرابات اتسم بالحذر ولم تتخذ إجراءات عنيفة مع العمال أو قادة هذه الإضرابات مما يشير إلى أن أجهزة الأمن والقيادات الحكومية تعلم جيداً أن العمال يعانون من العديد من المشاكل الحادة المادية والاجتماعية، وأن قمع هذه الإضرابات يمكن أن يترتب عليه انفجار شعبى وعمالي واسع النطاق، خاصة وأن فئات أخرى عديدة في المجتمع تعانى من مشاكل حادة.
ورغم أن بعض قيادات النقابات الرسمية وبعض المسئولين الحكوميين حاولوا اتهام بعض القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، بالتحريض على هذه الإضرابات، إلا أن الحقيقة فرضت نفسها على كل الأطراف وهي أن المشاكل التي يعانى منها العمال هي التي أدت إلى هذه الإضرابات. سواء كانت مشاكل نابعة من تدنى الأجور وارتفاع الأسعار، أو انتهاك حقوق العمال في العمل الدائم وفي الحصول على ما يستحقونه من حوافز وأجور إضافية، وتشغيلهم ساعات عمل إضافية، وحرمانهم من التنظيم النقابى المعبر عنهم بحرية.
فجاءت هذه الإضرابات لتؤكد أن العمال قادرون على اكتشاف أهمية التضامن الجماعى بينهم وتنظيم صفوفهم للدفاع عن مصالحهم، وأن الوعى النقابي يمكن أن يتطور من واقع الظروف إلى يعيشونها، وأن الخبرات السلبية التي كانت لدى القيادات ذات الخبرة الطويلة من قمع أجهزة الأمن لهم لا تعوق العناصر العمالية الجديدة عن التحرك دفاعاً عن مصالحهم.
لقد كشفت الإضرابات العمالية الأخيرة عدداً من الحقائق الهامة التي يتعين أن تكون أساس أى تخطيط للعمل في صفوف العمال مستقبلاً مثل:
- عجز التنظيم النقابى الرسمى عن الدفاع عن حقوق العمال وانحيازه لرجال الأعمال وخضوعه لأجهزة الأمن والأجهزة الإدارية.
- عدم قدرة الحركة الاشتراكية والأحزاب والقوى التقدمية عن ممارسة نشاط فعال في صفوف العمال، وغياب قنوات فعالة لانتظام العلاقة بين العمال والقوى الاشتراكية. وذلك نتيجة للمصادرة السياسية الطويلة وتشرذم هذه القوى وعوامل ذاتية أخرى، وهو ما يطرح مجدداً إمكانية تجاوز أزمة الحركة الاشتراكية بإعادة تجديد قواها وطرح المهمات الصحيحة تجاه التعامل مع حركة الطبقة العاملة.
- إمكانية ظهور قيادات عمالية جديدة تتفاعل مع الظروف الصعبة التي يعيشها عمال مصر بسبب السياسات الاقتصادية والاجتماعية الحكومية، والانتقاص من حقوق العمال المستقرة، وعدم التوازن بين الأجور التي يحصلون عليها وأسعار السلع والخدمات الأساسية.
- الطاقات النضالية الكامنة في الطبقة العاملة التي تتفجر تحت وطأة الظروف الصعبة التي يعيشها العمال، والاستعداد العالي للتضحية إذا لزم الأمر.
رابعاً: نحو رؤية اشتراكية للنضال مع العمال
يتأكد من هذا العرض لأوضاع الطبقة العاملة الراهنة وعلاقات العمل الجديدة، والتحركات الأخيرة للعمال، وما شهده المجتمع المصرى من إضرابات عمالية أننا إزاء أربع حقائق كبرى تشكل أساس أى رؤية مستقبلية للنضال مع العمال، هي:
الحقيقة الأولى:
تواجه الطبقة العاملة المصرية ظروفاً صعبة وتعانى مشاكل جديدة تتطلب تضافر الجهود من أجل تجاوزها، فهناك من ناحية التحولات التي تجرى في بنية الطبقة من حيث التشتت الجغرافي وغلبة عمال الخدمات على عمال الصناعة، والتفاوت في الفئات المكونة للطبقة من حيث الوعى والقابلية للتنظيم والأوضاع التعليمية والثقافية، هذا علاوة على معاناتها الاقتصادية الناجمة عن عدم التناسب بين ما تحصل عليه من دخول والارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات، والعدوان المستمر على حقوقها المستقرة في العلاج والتأمينات الاجتماعية وغيرها، وكي تكون الطبقة العاملة قادرة على مواجهة هذه الظروف فإنها مطالبة بتنظيم صفوفها والتسلح بالوعي.
الحقيقة الثانية:
تتوفر لدى الطبقة العاملة المصرية طاقات نضالية كامنة واستعداد عال للتضحية، وقد أكدت الإضرابات العمالية الأخيرة هذه الحقيقة بوضوح، ولكن الطبقة بأوضاعها الراهنة لا تستطيع مواجهة مشاكلها بفاعلية، وهى في أشد الحاجة إلى تكوين جيل جديد من القيادات النقابية والسياسية العمالية المسلحة بالوعي الطبقي والخبرة التنظيمية والقدرة الجماهيرية لقيادة نضالات الطبقة العاملة بثبات وضمان الانتصار في مواجهة الظروف وقوى الاستغلال من خلال الاستناد إلى ما يتوفر لديها من طاقات نضالية كامنة واستعداد عال للتضحية.
الحقيقة الثالثة:
كان من الممكن أن يوفر التنظيم النقابى للطبقة العاملة المصرية هذه القيادات المتمرسة المسلحة بالوعي والخبرة، لكن التنظيم النقابى الرسمى لا يعبر عن مصالح العمال ولم يتكون وفق إرادتهم الحرة بل سيطرت عليه البيروقراطية الحكومية ومكنت القيادات الانتهازية من الاستيلاء على قياداته العليا والوسطى لكي تستخدم هذا التنظيم في خدمة السياسات الحكومية والانحياز لمصالح الرأسمالية الكبيرة.
وبالتالي حرمت الطبقة العاملة من تنظيمها النقابي المعبر عن إرادتها الحرة والمدافع عن مصالحها. وهى في أشد الحاجة الآن لتفعيل مواجهتها لمشاكلها ومستغليها أن تبلور بدائل مناسبة تتكون من خلالها القيادات التي تحتاجها لقيادة نضالها النقابى والسياسى.
الحقيقة الرابعة:
مما يضاعف من صعوبة وضع الطبقة العاملة المصرية أن القوى الاشتراكية المصرية التي تتبنى مصالحها وتستند إليها في نضالها السياسي ليست بالقدر الكافي من القوة، كما أنها تعانى من التشرذم مما لا يؤهلها لقيادة نضالات الطبقة العاملة حاليا، ولا توجد علاقات منتظمة بين الطبقة العاملة والقوى الاشتراكية إلى الدرجة التي تمكنها من مشاركتها نضالاتها. وللتغلب على هذا الوضع فإن القوى الاشتراكية مطالبة بمواصلة تطوير صيغة لتنسيق النضال السياسى المشترك الذي نجحت بالفعل في تحقيقه في إطار التحالف الاشتراكى وامتلاك رؤية موحدة للعمل في صفوف العمال، وبلورة صيغ مناسبة لممارسة هذا النضال المشترك تعزز هذا التطور الإيجابي.
يتضح من هذه الحقائق الأربعة أن الحلقة الرئيسية في هذا الوضع هى قدرة القوى الاشتراكية على ممارسة عمل مشترك فيما بينها في صفوف العمال يقوم على رؤية موحدة تصب جهود كل الأطراف في تنفيذها.
تقوم هذه الرؤية على المحاور الأساسية الآتية:
المحور الأول: الموقف المحدد للاشتراكيين من التنظيم النقابي الرسمي.
هناك اتفاق عام في صفوف القوى الاشتراكية المصرية على أن التنظيم النقابى الرسمى لا يعبر عن العمال ولا يدافع عن مصالحهم وأنه يخضع للسيطرة الحكومية وينحاز لمصالح رجال الأعمال والرأسمالية الكبيرة.
وهناك اتفاق أيضاً في صفوف القوى الاشتراكية على أن علاقات القوى الطبقية والسياسية الحالية في المجتمع لا تسمح بالبدء فوراً في بناء تنظيمات نقابية موازية ومستقلة عن التنظيم النقابى الرسمى لأنه لا تتوفر حالياً القدرة على إقناع عشرات الألوف من العمال للانضمام إلى هذه التنظيمات البديلة في حال الشروع في تأسيسها.
وهناك اتفاق ثالث بين القوى الاشتراكية بعدم الاستكانة للوضع الراهن والتسليم به وعدم المغامرة بالدعوة لإنشاء نقابات مستقلة بديلة فوراً. وأن الحل الممكن الآن هو مرحلة انتقالية تتم خلالها تأسيس منظمات ضاغطة وأشكال وسيطة تأخذ أشكالاً قانونية متنوعة يتم من خلالها العمل مع العمال وتقديم خدمات لهم ورفع مستوى الوعى لديهم والارتقاء بقدراتهم التنظيمية إلى أن تنضج الظروف لتمكين العمال من تشكيل منظماتهم النقابية على أسس ديموقراطية وفق إرادتهم الحرة والعمل في نفس الوقت على ممارسة الضغوط على التنظيم الرسمى لانتزاع المطالب منه، والسعي للتواجد في مستوياته القيادية ولجانه النوعية ومطالبته باستمرار بتقديم ما يتوفر لديه من إمكانيات لخدمة العمال.
المحور الثاني: القضايا الأساسية للعمال والتي تشكل مضمون نضالاتهم النقابية والسياسية:
من المهم أن يدور النضال النقابى والسياسى للعمال حول المشكلات الأساسية التي يعانى منها العمال حالياً مثل:
- تحديد الحد الأدنى للأجور باعتبارها القضية والمهمة النضالية الأكثر أهمية.
- سياسات التكيف الهيكلى وانعكاسها على العمال سلبياً.
- سياسات الخصخصة والمعاش المبكر
- عدم التوازن بين الأسعار والأجور.
- الانتقاص من الحقوق المستقرة للعمال في التشريعات الجديدة وخاصة قانون العمل الجديد.
- الحق في الصحة والعمل والتعليم والإسكان
- التأمين الصحي
- التأمينات الاجتماعية والمعاشات.
- اكتساب مشروعية حق الإضراب
- قانون الوظيفة العامة الجديد.
المحور الثالث: المهام النضالية الأساسية التي يتعين على القوى الاشتراكية النهوض بها في صفوف الطبقة العاملة المصرية لإنجاز هذه العملية
هناك العديد من المهام مثل:
- الاستقرار على مفهوم محدد للطبقة العاملة المصرية يمكن الانطلاق منه في العمل في صفوف العمال يستوعب المتغيرات في بنية الطبقة العاملة المصرية.
- ابتداع أشكال تنظيمية بديلة للعمل النقابى الرسمى على شكل مؤسسات ضاغطة ووسيطة مثل الروابط والصناديق ولجان الدفاع ولجان الوعى ويمكن أن تأخذ هذه المنظمات أشكالاً قانونية مختلفة كالجمعيات الأهلية والمؤسسات الأهلية والشركات المدنية، ويمكن أيضاً أن تنشط في إطار الأحزاب التقدمية للاستفادة من شرعيتها.
- دراسة القضايا والمشكلات العمالية وتطوير الثقافة العمالية من خلال إحاطة العمال علما بالمعلومات والحقائق حول القضايا الأساسية والمشكلات التي يعانون منها.
- بلورة برنامج مطلبي عمالي من واقع دراسة المشاكل العمالية.
- بلورة برنامج سياسي عمالي يحافظ على مكانة الطبقة العاملة في المجتمع ويحمى مصالحها في مواجهة مصالح الطبقات الأخرى.
- التوسع في تأسيس منابر إعلامية عمالية على شكل نشرات دورية وغير دورية وإصدار صحف وإرسال أخبار العمال إلى وسائل الإعلام الجماهيرية وخاصة الإذاعات وقنوات التليفزيون.
- دراسة الحركة العمالية وخبراتها وبلورة هذه الخبرات وتعميمها على أوسع نطاق ممكن من خلال برامج للتدريب ونقل هذه الخبرات والتدريب أيضاً على المهارات اللازمة لقيادة العمل النقابى والسياسى العمالي وتوثيق الخبرات المحصلة من الإضرابات العمالية وتعميمها.
- الاستفادة من الإمكانيات المتاحة لمعظم منظمات المجتمع المدنى في تقديم خدمات قانونية وإعلامية وثقافية للعمال.
- مواصلة النضال داخل النقابات الرسمية والتركيز بصفة خاصة على اللجان النقابية القاعدية.
- الربط بين النضال النقابى والنضال السياسى واستقطاب العمال للمشاركة في العمل السياسي في الأحزاب التقدمية والربط بين نضال العمال ونضال كل القوى الديمقراطية في المجتمع.
- الاستفادة من التضامن العربى والدولى مع عمال مصر في مواجهة ما يعانونه من مشكلات اقتصادية واجتماعية وضغوط سياسية.
المحور الرابع: الأشكال التنظيمية المطلوب تأسيسها للنضال من خلالها:
نجحت الحركة العمالية في تأسيس منظمات ضاغطة مارست من خلال نشاطها المستقل بعيداً عن التنظيم النقابى الرسمى مثل اللجنة التنسيقية للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ودار الخدمات النقابية، ومركز هشام مبارك للقانون، وعمال من أجل التغيير، فضلاً عن لجان الدفاع عن القطاع العام ولجان الدفاع عن عمال السكة الحديد وغيرها من المنظمات، والروابط ولجان المندوبين وغيرها من الأشكال الوسيطة التي يبتدعها العمال في مصانعهم.
ومن واقع هذه الخبرة فإنه بالإمكان تأسيس جمعيات أهلية ومنظمات غير حكومية وشركات مدنية ولجان شعبية تنشط في مجالات مختلفة لها علاقة بقضايا العمال ومشاكلهم ومن المهم هنا ابتداع الأشكال المناسبة في المجالات الحيوية والأكثر أهمية للطبقة العاملة وقد يكون من المفيد أن تركز كل منظمة على جانب واحد من القضية لكي تعمق فهمها لها وتنضج حركتها حولها.
المحور الخامس: طبيعة الدور الذي يتعين أن يقوم به التحالف الاشتراكى مع الحركة العمالية، هل يكتفي بصياغة هذه الرؤية؟ أو القيام بالتنسيق المركزى في تنفيذها، أو ممارسة عمل مباشر مشترك في المواقع العمالية؟
هناك اتفاق عام بضرورة ممارسة النشاط في المستويات الثلاثة معاً، أى صياغة الرؤية، ووضع السياسات الكفيلة بوضعها موضع التطبيق، والتنسيق المركزى بين مختلف الأطراف في تنفيذ هذه السياسات، وإيجاد أشكال مشتركة للعمل المباشر. وأن يحظى العمل المباشر باهتمام خاص لارتباطه بالنضال العمالي في مختلف المواقع.
من أين نبدأ؟
يتطلب وضع هذه الرؤية موضع التطبيق إعطاء الأولوية لمرحلة تمهيدية قد تستغرق ستة شهور على الأكثر يتم خلالها:
1. تشكيل لجنة تحضيرية لإنضاج عملية تأسيس كيان جديد تقوم اللجنة التحضيرية بتسميته، للتنسيق بين القوى الاشتراكية في العمل مع العمال ومراعاة ما يلى:-
- الكيان المقترح أداة نضالية ودعائية لها طابع مؤسسي يعمل طول العام.
- يضم الكيان المقترح ممثلين للقوى الاشتراكية الراغبة في التنسيق في العمل مع العمال.
- يمكن أن تصدر عن الكيان المقترح جريدة عمالية، ويكون له دور في توفير الحماية للتحركات العمالية وتقديم المساندة القانونية والإعلامية المطلوبة.
- أهمية الاتصال بقيادات الاحتجاجات العمالية الأخيرة والاستفادة من خبرتها ورؤيتها في تنسيق النشاط.
- يتم من خلال الكيان المقترح الربط بين النضال النقابي والنضال السياسى.
- يناقش الكيان المقترح كل عام مدى التقدم المتحقق في تقوية الصلات مع العمال ومدى نضج الظروف لتطوير البدائل المقترحة في مجال العمل النقابي. وتطوير الحركة العمالية في مجالات الوعي والتنظيم والنشاط.
2. أن تكون الأولوية خلال هذه الفترة للقضايا التالية:
- سياسات الأجور والحد الأدنى للأجور.
- الحق في التعليم والصحة والإسكان.
- التوسع في العمالة المؤقتة.
- لتوسع في الفصل من العمل.
3. دعوة القوى الاشتراكية خلال المرحلة التمهيدية لمناقشة هذه الرؤية وتحديد مكوناتها والاتفاق على الأولويات، وكيفية بناء الكيان المقترح للتنسيق، وتحديد مقوماته الأساسية ومهامه وكيفية تمثيل هذه القوى فيه.
4. تعقد اجتماعات دورية للكيان المقترح لمتابعة النشاط وتقييمه وتطويره أولاً بأول.
5. الاتفاق حول هذه الصيغة للعمل المشترك مع العمال لا يمنع حق كل طرف في ممارسة نشاط مستقل خاص به.
إننا نلتقي جميعا حول أهمية دور الطبقة العاملة في التغيير الشامل الذي تتطلع إليه البلاد على كافة الأصعدة، وذلك بحكم حجمها و موقعها من عملية الإنتاج، ودورها في إنتاج الثروات والخيرات، وقدراتها النضالية في مواجهة الرأسمالية الكبيرة التي تحتكر السلطة والثروة ويفرض هذا علينا الارتقاء بمطالب الطبقة العاملة المصرية ووعيها بذاتها وثقتها بقدراتها وربط نضالها بنضالات الفلاحين وسائر الكادحين وكل القوى الديمقراطية في المجتمع.





