بيان الاشتراكيين الثوريين
مبادرات الإصلاح ومهام النضال
شهدت الساحة السياسية طوال الشهور الماضية مبادرات عديدة تتحدث عن الإصلاح السياسي في مصر. خرجت هذه المبادرات من روافد عدة، منها ما أطلقته الإمبريالية تحت عنوان “الشرق الأوسط الكبير” لاستكمال فرض وصايتها على المنطقة بهدف استنزاف ثرواتها واستغلال شعوبها. ومنها ما أسفر عنه المؤتمر شبه الحكومي الذي عقد في الإسكندرية لمناقشة قضايا الإصلاح، ومنها أيضا ما أعلنته الأحزاب والتيارات السياسية المعارضة، من أجل التغيير السياسي الديموقراطي. وإذا كانت القوى الوطنية والديموقراطية في مصر تقف بصلابة في مواجهة مشاريع “الإصلاح” الإمبريالية، كما أنها لم تعد تأبى لوعود الديكتاتور مبارك وأتباعه وخطط النظام لتحقيق إصلاحات شكلية تحافظ في جوهرها على حالة الاستبداد السياسي في مصر، فإن هذه القوى والتيارات لم تبلور بعد مشروعا عمليا للتغيير قادر على إنجاز تحول ديموقراطي حقيقي لصالح الجماهير المصرية. ومن وجهة نظرنا ـ نحن الاشتراكيون الثوريون ـ فإن جميع مشاريع الإصلاح المطروحة من قبل القوى الوطنية والديموقراطية غير قادرة على التحول إلى أداة لتعبئة الجماهير من أجل انتزاع الديموقراطية. ذلك بسبب قصور أساسي بها هو فصلها ما بين المطالبة بالإصلاح السياسي وبين مهام النضال الواجبة اليوم لتحقيق إصلاحات اجتماعية، وأيضا بسبب اقتصار مطالبها السياسية على ما يحقق تداول السلطة دون النظر إلى الديموقراطية كأداة لانتزاع وحماية مصالح الجماهير الفقيرة.
لن يتخلى النظام عن استبداده طوعا، ولن ينزل الديكتاتور مبارك عن عرشه بإرادته، ولا سبيل لتحقيق تحول ديموقراطي حقيقي إلا عبر حركة من أسفل وتعبئة الجماهير لانتزاع الديموقراطية. لهذا السبب فإن المعركة من أجل الديموقراطية لا يمكن أن تكون إلا معركة من أجل الإصلاحات الاجتماعية ومواجهة كافة صور الاضطهاد، فالجماهير الفقيرة (الأغلبية العظمى من شعبنا) لن تناضل لمجرد أن تحقق للنخب الاجتماعية الفرصة في تداول السلطة، لكنها تناضل حثيثا اليوم وسوف يتسع نضالها في المستقبل القريب من أجل انتزاع حقوقها وحماية مصالحها، هذا ما يجعل لقضية الديموقراطية بعدا اجتماعيا واضحا لا يمكن إغفاله أو تجاهله. صحيح أن تحولات محدودة في طبيعة السلطة قد تحدث تحت ضغوط الإمبريالية أو الحركة الجماهيرية أو النخب السياسية، إلا أن هذا لن يؤدي بأية حال إلى وجود سلطة ديموقراطية تعبر عن مصالح الجماهير وتحميها، والأمثلة على ذلك حولنا عديدة في كل النظم التي تسمح بتداول السلطة بين النخب الاجتماعية في بلدان العالم الأكثر تخلفا كحالة مصر.
إذن فالمعركة من أجل تعديل الدستور وإطلاق الحريات وإسقاط دولة الاستبداد والقمع يجب أن تعني بشكل مباشر: أولا، النضال من أجل سلطة شعبية وديموقراطية على كافة مستويات الإدارة السياسية والاقتصادية. وثانيا، النضال ضد كافة صور وأنماط الاضطهاد والاستبداد والقهر. وثالثا، العمل على تنظيم أوسع تعبئة جماهيرية في كل المواقع للنضال من أجل إسقاط النظام ومواجهة الاضطهاد وانتزاع تلك السلطة الشعبية. هذه المعركة من وجهة نظرنا لا يمكن أن تتجاهل المهام التالية:
أولا: إسقاط الديكتاتور مبارك ونظامه، وإحالة جميع أفراد هذا النظام بدءا من رموزه وحواريه ومسئوليه الحكوميين وضباط أمنه إلى محاكم شعبية لمحاسبتهم على فسادهم واستبدادهم وجرائمهم في حق الشعب، وإلغاء حالة الطوارئ، وتشكيل حكومة ديموقراطية من أوسع تحالف بين القوى والتيارات المعبرة عن مصالح الجماهير الفقيرة والطبقات الشعبية.
ثانيا: إطلاق كافة الحريات السياسية بما تشمله من حق تأسيس الأحزاب والنقابات والجمعيات والاتحادات والروابط، وحق إصدار الصحف، وحق التنظيم والتظاهر والإضراب، وحق التعبير عن الرأي والدعاية السياسية بكل ما هو متاح من وسائل.
ثالثا: تأسيس جهاز دولة ديموقراطي يقوم على برلمان ديموقراطي منتخب بحرية ودون وصاية ويمثل أعلى سلطة في الدولة، ومجالس شعبية منتخبة مسئولة عن الإدارة السياسية في كافة المواقع المحلية بدئا من القرى والأحياء والمدن والمحافظات، وإخضاع كافة الموظفين الحكوميين والأجهزة الإدارية لوصاية وإشراف المجالس الشعبية، وانتخاب جميع المسئولين الإداريين بدئا من الوزراء والمحافظين ورؤساء المدن والعمد ومأموري الأقسام بواسطة البرلمان الديموقراطي والمجالس الشعبية، وإخضاع جميع هؤلاء المسئولين المنتخبين لوصاية وإشراف البرلمان والمجالس بما يشمله ذلك من حق عزلهم وتغييرهم.
رابعا: تعديل المنظومة القانونية بما يؤدي إلى إلغاء كافة القوانين وبنود القوانين واللوائح الإدارية المقيدة للحريات، أو التي تفرض وصاية على حقوق التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية، أو التي تميز بين المواطنين على أساس الأصل الطبقي أو العرقي أو الدين أو الجنس أو العقيدة أو الفئة العمرية أو الميول الجنسية. وإلغاء كافة المحاكم الاستثنائية، وإقامة نظام قضائي شعبي مستقل كليا يديره مندوبون منتخبون من الشعب.
خامسا: تصفية كافة مؤسسات وأجهزة القمع، وتشكيل شرطة نظامية مدنية تخضع بالكامل لوصاية وإشراف المجالس الشعبية. وإخضاع الجيش لوصاية البرلمان الديموقراطي بما يشمله من اختيار قادته وعزلهم وتغييرهم، وإخضاع الأجهزة الإدارية داخل الجيش لإشراف لجان ديموقراطية منتخبة من الجنود.
سادسا: إلزام كافة المؤسسات الإنتاجية والخدمية والأجهزة الحكومية بأن يمثل مندوبون منتخبون من العاملين بأجر بها في مجالس إدارتها، وإطلاق حق العمال في تشكيل جمعيات عمومية ولجان مندوبين في كافة المؤسسات والمصانع والعنابر والورش.
سابعا: التصدي بحزم لكافة الأنماط الاجتماعية التي تؤدي إلى الاضطهاد والتمييز على أساس الأصل الطبقي أو العرقي أو الدين أو الجنس أو العقيدة أو الفئة العمرية أو الميول الجنسية، بما يشمله ذلك من إصدار قوانين تحمي المضطهدين وتعاقب من يمارسون الاضطهاد، ودعم وتشجيع كافة أشكال التضامن بين الجماعات المضطهدة التي تناضل ضد الاضطهاد ومن أجل القضاء على التمييز الاجتماعي.
ثامنا: إطلاق حرية التفكير والإبداع الفني والعلمي بكافة صورها وأشكالها، وإلغاء جميع أدوات الرقابة على الإبداع والفنون والبحث العلمي من أجهزة وقوانين ولوائح إدارية، ودعم وتشجيع كافة المواطنين على ممارسة حقهم في التفكير والإبداع، وإلغاء جميع القيود القانونية التي تعوقهم عن ذلك، وحماية المبدعين والباحثين ومنتجات عملهم من أي اضطهاد يتعرضون له بسبب أفكارهم أو معتقداتهم أو نتائج أبحاثهم أو ميولهم الإبداعية. وتشكيل كافة المؤسسات الفنية والعلمية والبحثية على أسس ديموقراطية، تكفل إدارتها بواسطة مديرين منتخبين من بين المبدعين والباحثين العاملين بها.
إن كل ما سبق من مهام للنضال من أجل تحول ديموقراطي حقيقي لا يمكنها أن تتحقق بانفصال عن النضال من أجل إصلاحات اجتماعية واسعة، تضمن للجماهير الفقيرة من العمال والفلاحين والمهمشين والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى (الغالبية العظمى من الشعب المصري) دخول ومستوى معيشة يوفران حد أدنى مقبول من الحياة الكريمة.
لهذا فإن برنامج الإصلاح المطلوب يجب أن يشتمل على النضال من أجل:
- إلغاء الخصخصة، والتوقف عن طرد العمال، وتعديل قوانين العمل لحماية الحق في العمل.
- تحقيق إصلاح زراعي جذري، وتوزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين المعدمين، وتشجيع التعاونيات الزراعية.
- تأميم المصانع والشركات الخدمية الكبيرة، وجميع الشركات المتعثرة.
- مصادرة المساكن الخالية والتي لا يشغلها أصحابها، وتمكين الذين بلا سكن من السكنى بها.
- توفير جميع الخدمات الأساسية: التعليم، والعلاج، ووسائل المواصلات، وغيرها بالمجان لجميع المواطنين، وتعديل ميزانية الدولة لدعم الخدمات الاجتماعية، مع فرض ضرائب تصاعدية على الأغنياء لتوفير هذا الدعم.
- مضاعفة جميع الأجور إلى الحد الذي يضمن مستوى معيشة مقبول لجميع المواطنين، والربط بين الأجور والأسعار، وفرض تسعيرة إجبارية على جميع السلع الأساسية.
- توفير التأمينات الاجتماعية والمعاشات والتأمين الصحي لجميع المواطنين، وحماية أموال التأمينات، ودعم الضمانات الاجتماعية.
- التصدي بحزم للفساد المستشري في النظام الحالي والدوائر الحكومية وأصحاب الأعمال، ومصادرة أموال جميع من يثبت عليهم تهم الفساد.
إن الديكتاتور مبارك ونظامه الحاكم أصبحا على حالة من الشيخوخة والعفن تدفعهما إلى حافة النهاية. ومما لاشك فيه أن أي تغيير محتمل لا يضمن حقوق ومصالح الجماهير الفقيرة لن يغير شيئا، وأن برنامج الإصلاح الوحيد الجدير بالنضال من أجله هو ذلك الذي يتصدى بحسم للاستغلال والقهر، ويوفر لجميع الفقراء والمضطهدين ما يحتاجونه من خبز وحرية.
الاشتراكيون الثوريون
مايو 2004





