بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ورقة سياسية من مركز الدراسات الاشتراكية

التعديلات الدستورية والإصلاح الزائف: مستقبل النضال من أجل التغيير في مصر

في سلسلة مقالاته الشهيرة في جريدة العربي، تلك المقالات التي نشرت في 2005 والمعنونة “أدعوكم للعصيان”، أكد المستشار طارق البشري أن أي تعديل دستوري في ظل التوازن السياسي الراهن سيُنشئ لا محالة دستورا أكثر عوارا وسوءا من الدستور الحالي.

لم تخب توقعات المستشار البشري. ذلك أن التعديلات الدستورية الأخيرة – التي تمت تحت عنوان “الإصلاح والمقرطة” – تكرس “دستوريا” سلطة النظام الديكتاتوري الراهن، وتجد مخارجا لتوريثه بأقل قدر من الاحتكاكات والمشاكل.

أسئلة
قبل السؤال عن مضمون أي تعديلات دستورية، أو حتى قانونية، يتوجب السؤال عمن يقوم بالتعديلات ولماذا وفي أي لحظة من الصراع الطبقي والسياسي.

نلحظ أن التعديلات الراهنة في الدستور المصري لا تختلف عما سبقها من دساتير وإعلانات دستورية وتعديلات دستورية في التاريخ السياسي المصري خلال القرن العشرين. كل هذه الوثائق تم إنشاؤها أو تعديلها للتعبير عن تطورات حاسمة (أو على الأقل هامة) في الصراع السياسي والطبقي في هذا البلد.

دستور 1923 على سبيل المثال، وهو واحد من أفضل الدساتير في مصر البرجوازية، كان يعكس نتائج ثورة 1919 – نصف انتصار ونصف هزيمة! حيث أعطى لمصر استقلال شكليا، ونظاما يشبه الأنظمة الديمقراطية، ولكنه حافظ على الملكية، وسلطة السراي والاحتلال، ووضعية الارستقراطية وكبار الملاك.

أما دستور 1964، فقد جاء ليعدّل أوضاع قننتها الإعلانات الدستورية والدساتير التي جاءت بعد الثورة في اتجاه التوافق مع الميثاق والاشتراكية العربية التي أعلنها عبد الناصر في 1961.

في المقابل، كان دستور 1971 وثيقة ملتبسة كسابقيه. حيث أنه عكس رغبة السادات توظيف بعض الرتوش الديمقراطية في معركته ضد منافسيه في الطبقة الحاكمة (من أسماهم بمراكز القوى)، لكن دون أن يكون قادرا على التخلي عن أسس التركيبة السياسية التي ورثها عن عبد الناصر.

السؤال إذن هو: ما السبب في التعديلات الدستورية الحالية؟ وما هو سياقها؟

سياق التعديلات
من الأكيد أن التعديلات الدستورية بالجملة التي أعلنها مبارك، 34 مادة، لا علاقة لها بأي عملية إصلاح سياسي على يد الطبقة الحاكمة.

كان النظام الحاكم قد قام بحركة بهلوانية في مطلع 2005 وأعلن، تحت ضغط أمريكي وفي إطار بعض التنافس بين أجنحة الحكم، عن تعديل المادة 76 من الدستور كبداية لعملية إصلاح أشمل سوف تتم في الشهور اللاحقة. لكن بمرور الوقت ظهرت الحقائق الآتية:

أولا: أن نوايا نواة نظام الحكم (الرئيس وحوارييه المباشرين) في الإصلاح كاذبة ومخادعة.. فقط لذر الرماد في العيون وللهروب من الضغط الإمبريالي الذي كان (حين اعتقد المحافظون الجدد في واشنطن أن الإصلاح السياسي ستأتي نتائجه على هواههم).

ثانيا: أن معركة الأجنحة داخل النظام الحاكم تم حسمها بكل سهولة وبلا خسائر تذكر، وتضّمن الحسم تسوية جوهرها هو إزاحة كثير من الوجوه القديمة في الحزب والإدارة الاقتصادية والخدمية، مع الاحتفاظ بعدد من الوجوه القديمة في الأمن والدفاع والشئون الخارجية (أي في الشئون السيادية).

ثالثا: أن الضغط الأمريكي تراجع تماما بعد الفزع الذي تسبب فيه فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، والنتائج المذهلة التي حققها الإخوان المسلمون، وبعد تفاقم أزمة الإمبريالية في الشرق الأوسط مما حدا بالمحافظين الجدد إلى تغيير سياستهم إزاء الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة، من الضغط من أجل الإصلاح أو الإزاحة، إلى الضغط من أجل التواطؤ في السياسة الإقليمية مع غض الطرف عن الملف الإصلاحي.

رابعا: أن ما سُمي بالجناح الإصلاحي في الحزب الحاكم (تحت قيادة جمال مبارك) فهم تماما أن أي جنوح ناحية إصلاح حقيقي لأوضاع التواطؤ والفساد الداخلي سوف يفتح صندوقا للشرور قد يقضي على الأخضر واليابس. بعبارة أخرى: فهمت شلة جمال مبارك أنها تحتاج إلى العصا الغليظة للعادلي حتى تستمر في الحياة وتقوم بتنفيذ مخططاتها الاقتصادية (الليبرالية الجديدة) والسياسية (التوريث).

إذن فقد تغيرت التوازنات من 2005 إلى 2006-2007، وأصبحت الطبقة الحاكمة ونظامها السياسي في وضع الهجوم بعد أن كانت – على الأقل – في وضع بلبلة (ولن نقول دفاع).

مضمون التعديلات
هذا التغير دفع الطبقة الحاكمة إلى استثمار وضعية الحديث عن الإصلاح، وإلى استثمار وعودها الإصلاحية، لتطبيق أجندة سياسية تختلف عن الأجندة السياسية الإصلاحية التي تمناها كثير من المعارضين الواهمين أنه كان من الممكن حدوث إصلاح بدون إسقاط نظام مبارك.

الأجندة الجديدة تمت ترجمتها دستوريا من خلال ثلاثة محاور:

المحور الأول هو إحكام السيطرة على العملية السياسية من خلال: 1. إقصاء الإخوان (المنافس الأهم) ونفيهم سياسيا باستحداث بنود تمنع أي نشاط سياسي (وليس فقط حزبي) على أساس ديني؛ 2. السيطرة على الانتخابات وتصفية الإشراف القضائي على الانتخابات (تغيير المادة 88)، وهو ما سيفيد طبعا في إقصاء الإخوان المسلمين المنافس الانتخابي الأهم.

المحور الثاني هو التعديل في التوازنات فيما بين مؤسسات الحكم، ويقوم على: 1. إعطاء مجلس الوزراء بعض السلطات؛ 2. إعطاء مجلس الشعب بعض السلطات؛ 3. إعطاء المحليات بعض السلطات.. وهنا فبالرغم من صحة ما يقال عن شكلية هذه التعديلات من زاوية أن السلطات الاستثنائية لرئيس الجمهورية تجب كل السلطات الأخرى، إلا أنه بالنظر إلى هذه التعديلات من وجهة نظر تحالف رجال الأعمال الصاعد سياسيا واقتصاديا، سنرى أنها تعكس ضغوط من جانبهم لتوسيع إدارتهم في مجالات وبوسائط متعددة، ولكنها تعكس أيضا قبولهم لاستمرار الديكتاتورية (في صورة التوريث) كصمام أمان لمصالحهم وكبديل وحيد مطروح الآن.

المحور الثالث هو التأسيس الدستوري للسياسات الليبرالية الجديدة قدر المستطاع، وذلك من خلال: 1. حذف كلمات كاشتراكية وقوى الشعب العامل من كامل المواد الدستورية؛ 2. حذف أي إشارة للقطاع العام كقطاع قائد للاقتصاد.. وهنا ينبغي القول أن هذه أقل التعديلات أهمية من حيث أنها تكريس لوضع قائم وحتى مقنن دستوريا بحكم المحكمة الدستورية التي أرست شرعية الخصخصة خلال التسعينات في واحد من أغرب الأحكام وأكثرها تناقضا مع الدستور.

في الإجمال إذن يمكن القول أن هذه التعديلات لها معنى ودور، ولكن لا هذا المعنى ولا هذا الدور لهما أي علاقة بالإصلاح السياسي (حتى في أي طار برجوازي محدود). هذه الإصلاحات على العكس تعكس رغبة الطبقة الحاكمة، تحت قيادة جماعة جمال مبارك، في “تضبيط” بعض الأوضاع في مرحلة الانتقال من مبارك إلى جمال مبارك، وفي مرحلة السيطرة الكاملة لتحالف الرأسماليين الاحتكاريين على مؤسسات الاقتصاد والسلطة في مصر.

أي معركة؟
بالنظر إلى تطورات الصراع السياسي والطبقي في مصر خلال السنوات الأخيرة يمكننا اكتشاف عدد من المفاتيح الأساسية:

1. إن وضعية الأزمة التي استفحلت مع مطلع الألفية الثالثة فتحت الباب لإنهاء عصر الركود الذي ساد في التسعينات، والذي سمح لنظام مبارك بتحطيم أو تدجين أو تفتيت كل حركات المعارضة الرئيسية. فمع نهاية التسعينات تراكمت عوامل متداخلة، منها الأزمة الاقتصادية التي حطمت وهم الليبرالية الجديدة والخصخصة في عيون قطاعات واسعة من الجماهير، ومنها انهيار عملية السلام وتأزم الوضع الإقليمي، ومنها المخططات الجديدة للإمبريالية بعد 11 سبتمبر.

2. تراكم هذه العوامل أدى إلى عودة الحركة الجماهيرية إلى المشهد بعد طول انتظار، وذلك بتفجر مظاهرات التضامن مع الانتفاضة في أواخر عام 2000. وهي المظاهرات التي تخيل البعض، وربما تمنى البعض، أنها قد تكون حدثا عابرا، فثبت أنها نقطة بداية لعملية سياسية مركبة ومتناقضة وطويلة، عنوانها يمكن أن يكون “عودة السياسة، وعودة الحركة الجماهيرية في مصر”.

3. الأزمة المركبة فتحت الباب لانطلاق حركة جماهيرية.. هذا صحيح. لكن الحركة أخذت خطوة مهمة إضافية عندما تطورت الأمور وبدأت تظهر بوادر إصلاحية (زائفة) على من يحكمون البلد. فتحت ضغط الإمبريالية، وفي إطار ضغط رجال الأعمال والليبراليين الجدد، طرح النظام أجندة “إصلاحية”، وأعلن رأسه – مبارك – في مبادرة بهلوانية افتتاح عملية الإصلاح بإعلان مشروع لتعديل المادة 76 من الدستور. هذا المسعى الإصلاحي للنظام الحاكم، بالرغم من ضيقه وزيفه، أنعش الحركة السياسية في مصر، وأعطى فرصة هائلة لبلورة حركة تغيير ديمقراطي كانت إرهاصاتها قد بدأت تظهر في أعقاب غزو العراق ومع درس “حفرة صدام” وفتح ملف الديمقراطية في المنطقة العربية.

4. إلا أنه للأسف أظهرت مسيرة حركة التغيير الديمقراطي في مصر عددا من الأمور، أهمها أن الحركة فشلت في أن تمثل تحديا، ثم بديلا، لمبارك. والسبب في ذلك، على مستوى مشاكل الحركة الداخلية، أنها لم تنجح في توحيد روافدها (إذ ظلت منقسمة بين ثلاثة أجنحة: الإخوان المسلمون، كفاية، وأقسام من اليسار)، بل تعاظمت الصراعات بين تياراتها. سبب آخر هو أنها لم تنجح في كسر حاجز عزلتها الجماهيرية، ولو نسبيا، مما يمكنها من التعبئة والحشد.

5. هذه العيوب في صميم بنيان حركة التغيير الديمقراطي كان لها أثرها. فالولايات المتحدة، حتى قبل فوز حماس وتزايد رعبها من الإسلاميين، رأت أنه لا أيمن نور ولا كفاية يمكن أن يمثلا بديلا قويا لمبارك. والرأسماليون المصريون (حتى بعض غير المستفيدين من مبارك) رأوا أن استمرار مبارك هو البديل الأنسب والأقل خطرا. من هنا تقلصت أرضية الصراعات في معسكر الأعداء، وسمح هذا للنظام الحاكم بالتحول من الهجوم إلى الدفاع. وهو الأمر الذي زاد من الحصار حول حركة التغيير الديمقراطي الضعيفة البنيان والجذور.

6. لكن القضية المهمة في هذا كله أن هجوم السلطة، المتمثل في ضرب الإخوان وتعديل الدستور، وقبل ذلك في ضرب حركة القضاة، لم ينجح في أن يعيد العفريت الذي ساهم في استحضاره إلى القمقم. فلم تعد الأمور أبدا إلى ما قبل 2005، وبالقطع لم تعد إلى ما قبل سبتمبر 2000.

7. ذلك أن استعادة جبهة الأعداء لتماسكها ووحدتها لم يكن قائما على أساس خروجها من أزمتها، وإنما على أساس “قلقها” من تطورات الأمور. فقد فتح من يحكموننا الباب لبعض الإصلاحات، فظهر لهم أن هذا الباب ستندفع منه حركة سياسية واجتماعية ومطلبية مناهضة لهم أو لمصالحهم، فقلقوا ثم سعوا (بالتوافق بينهم) إلى إغلاقه. لكن إغلاقه لا ألغى المظالم ولا المطالب ولا الغضب، وهو حتى لم يكن بالقوة والحسم الكافيين لتصفية جذور الحركة المعارضة.

8. الأهم من ذلك كله أن هذه العملية المركبة التي شهدناها في العامين أو الثلاثة الماضيين أنعشت، إلى جانب حركة التغيير الديمقراطي والحركة السياسية بعامة، حركة مطلبية واجتماعية تتجاوز حدود الساسة والنشطاء: المدرسون والصيادية والأطباء وأطباء الأسنان، الصيادون والعمال والفلاحون وسكان العشوائيات، الأقباط والنوبيون والبهائيون.. حركات ومطالب ومواقف وصدامات على كل الأصعدة وفي كل الملفات. بالفعل “عفريت خرج من قمقم” وحبسه مجددا أمر يبدو مستحيلا.. ثم أن شكل الحركة ومضمونها والمجال الذي تنفجر فيه يتغير من يوم إلى يوم ومن مكان إلى آخر.

9. هذا الوضع الجديد هو القاعدة الاجتماعية-الطبقية لمواصلة المعركة ضد الظلم وضد النظام السياسي الذي يدعمه. فالمرحلة الهجومية التي يعيشها النظام حاليا لتصفية منافسيه، بالأخص الإخوان، ولتثبيت قواعد جديدة للحكم بعد مبارك وفي ظل الوريث، هي مرحلة مؤقتة ومتناقضة. فالهجوم كما قلنا لم يقض على الحركة، بل أننا نجد أن النظام ورجاله يتعاملون بكل اللين مع النضالات المطلبية والاقتصادية (العمالية بالذات) لعزلها ومنع تسييسها وخوفا من انفجار واسع النطاق، وهو ما يغري الجماهير بالمواصلة والتوسيع. ثم أن الهجوم – بعد زيف الحديث الإصلاحي – يكشف أكثر وأكثر عزلة النظام ويدفعه إلى تصرفات هوجاء مؤسسة فقط على منطق القوة. ثم أن مشروع التوريث الذي لم يكتمل حتى الآن، بما يعنيه من تبديل في المواقع داخل أروقة الحكم، سيعني في المستقبل إمكانية توترات وأزمات لا أحد يمكنه أن يعلم كنهها. ثم أخيرا هناك الأوضاع الاقتصادية التي دخلت في مرحلة انتعاش في العامين الأخيرين، إلا أنها مرشحة قريبا للتدهور مجددا، خاصة على خلفية أوضاع الاقتصاد العالمي.

10. كل هذا معناه أن الحركة المطلبية والاقتصادية التي تتشكل أمام أعيننا لها مستقبل وقابلة للتوسع. وهذا معناه أيضا أنها ينبغي أن تكون هي أساس المرحلة الجديدة للنضال من أجل التغيير. الأجنحة الجذرية من حركة التغيير، تلك الحركة التي فشلت في تحقيق وحدتها وفي تعميق جماهيريتها، عليها امتحان الارتباط بالنضالات الاقتصادية والاجتماعية وتسييسها. مبارك ونظامه ليسوا أقوياء كما يبدون. المشكلة الحقيقية هي أن خصمهم – أي نحن وغالبية هذا الشعب – ضعيف ومنقسم وبلا رؤية.

11. الآن لدينا فرصة جديدة (أصعب وأكثر تعقيدا) للمواجهة. فالتحدي الرئيسي الذي يواجهه مبارك ورجاله، إلى جانب مشاكل الانتقال وأزمات الوضع العالمي والإقليمي، هو نضالات اقتصادية ومطلبية متسعة. لذلك أي مناضل من أجل التغيير في ظروف كتلك عليه أن يطرح على نفسه أسئلة من نوع: كيف يمكن توسيع تلك الحركة؟ كيف يمكن ربط أجزائها ببعضها البعض؟ كيف يمكن تحقيق الانتصار لها حتى تثق بنفسها وتتسع؟ كيف يمكن تسييسها أي دفعها لتطرح مطالب أوسع من المطالب الفئوية؟ هذه الأسئلة هي أسئلة المستقبل.. هي أسئلة البناء للمرحلة المقبلة من النضال.

12. ولا شك أن الاشتراكيين، إن قاتلوا بكفاحية وثبتوا في مواقعهم، لهم دور هام فيما سيأتي من أحداث. ففي هذه المرحلة – الأصعب – من الكفاح.. ستحتاج المعركة إلى من يفهم أن أساس الانتصار هو نضال العمال والجماهير العريضة، ولكن أيضا من يفهم أن ربط نضال العمال بالنضال السياسي هو أساس الانتصار في معركة صعبة ضد نظام حكم ومجتمع شاخ وأصبح يلح في طلب من يزيحه.

مركز الدراسات الاشتراكية
29 مارس 2007