بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بيان الاشتراكيين الثوريين

حول 25 أبريل: الاحتمالات مفتوحة.. والوقت عدونا

قمع عنيف، وحملات أمنية، ومداهمات للمنازل للقبض على النشطاء والثوار، واعتقالات عشوائية من الشوارع والمقاهي في القاهرة وعددٍ من المحافظات الأخرى، طالت أكثر من 200 شاب. لا تثبت هذه الهجمة المسعورة التي يشنها نظام الديكتاتور المخبول قوة هذا النظام أو تماسكه، بل رعبه الشديد من عودة الروح إلى الشارع وإمكانية اتخاذ خطوات أكثر جدية في الطريق الطويل لاستعادة الثورة. لكن القمع الهمجي للنظام لا يزيد الثوار والمعارضين إلا إصرارًا على التحرك ضده لتحرير المعتقلين ولرفض قرار التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة السعودية.

برغم تحديات القمع الوحشي، وبقدر ما تمثله عودة الروح على خلفية مظاهرات الجمعة 15 أبريل وما تلاها من فعاليات احتجاجية واسعة من أمل في إمكانية استعادة الثورة المصرية، بعدما تلقت من هزائم قاسية بالقتل والقمع والتنكيل، بقدر ما تطرح بعض الإشكاليات والتحديات، وأيضًا التساؤلات حول أزمة السلطة وسيناريوهات المستقبل وآفاق هذه المعركة ودور الثوريين فيها، هذه الأمور التي لابد من تناولها بما يلزم من الوضوح والحسم لتجاوزها والانطلاق إلى الأمام.

سياسات النظام وأزماته
يأتي قرار التنازل عن الجزيرتين كتكثيف شديد لمشروع الثورة المضادة، اقتصاديًا وسياسيًا، وأيضًا على مستوى علاقات النظام إقليميًا ودوليًا. وربما لم تتقاطع اتجاهات النظام في كل هذه النواحي مثلما تتقاطع الآن في هذه القضية.

هذا القرار، أولًا، يأتي في سياق سياسات النظام الاقتصادية القائمة على النهب والإفقار، وبيع ممتلكات الشعب المصري. وتأتي الأزمة الاقتصادية العنيفة للنظام لتدفعه إلى المضي قُدمًا في هذه السياسات، بالمزيد من التقشف، والمزيد من النهب والبيع، والمزيد من إجراءات التقشف القاسية والإفقار المتزايد للملايين من الناس.

ثانيًا، يبدو القرار متسقًا مع سياسات السيسي القائمة على ترسيخ الديكتاتورية والاستبداد ودهس حق الشعب في اتخاذ قراره، وكأن الجزيرتين ملكًا لهذا النظام الفاسد، وليس ملكًا للمصريين، في انتهاك واضح حتى لدستور الثورة المضادة الذي وضعه هذا النظام بنفسه منذ أكثر من عامين.

ثالثًا، ياتي القرار في إطار العلاقات المعادية للجماهير والثورة بين نظام السيسي والسعودية وممالك الخليج. هذه الدول، وعلى رأسها مملكة الرجعية والاستبداد – السعودية، هي الداعم الرئيسي لقوى الديكتاتورية والثورة المضادة في المنطقة. لم يكن نظام السيسي ليثبت أركانه منذ البداية لولا الدعم الهائل الذي كانت دول الخليج تغمره به منذ انقلابه العسكري في صيف 2013، ماليًا وسياسيًا، وقد وصل الدعم المالي في مجمله إلى 30 مليار دولار في صورة قروض يجد السيسي الآن صعوبة في تسديد فوائدها. وبعد توقف هذا الدعم لفترة من الوقت، عاد مرة أخرى بدعمٍ طارئ بقيمة 4 مليار دولار من الإمارات للسيسي بالأمس.

لكن دول الخليج هي الأخرى تعاني أزمة كبيرة بسبب تراجع إيرادات النفط، وقد وصلت تلك الأزمة إلى درجة اقتراض السعودية 10 مليارات دولار من تحالف البنوك العالمية، وذلك في أول عودة لها لسوق الديون العالمية منذ 25 عامًا.

يعاني نظام السيسي من أزمة دولية، مع الهجوم الأوروبي عليه بعد فتح ملف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، على خلفية قضية قتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني تحت التعذيب، وهو الأمر الذي أيضًا يدفع النظام إلى البحث عن أي طريقة يوطد بها صلته مع حلفائه، بل مع أسياده في الخليج – وفي هذا السياق يأتي التنازل عن الجزيرتين للسعودية – ليضمن سندًا له يطرق له أبواب أوروبا مرة أخرى. وفي هذا الإطار أيضًا ينفق السيسي المليارات لشراء الأسلحة من أوروبا لشراء مشروعيته لديها وسعيًا لاعترافها به.

على خلفية هذه السياسات، والأزمات، ننتقل إلى تناول التحديات والإشكاليات السياسية التي تواجهها الحركة على الأرض الآن.

أزمة الإطار الوطني
بالرغم من أن التحركات ضد قرار التنازل قد فتحت بالفعل أبوابًا لم يكن من السهل فتحها، وكانت لدى الكثيرين بمثابة القشة التي سحبوا بعدها تأييدهم وثقتهم في السيسي، إلا أن من المضر للغاية بالنسبة لها أن يتم احتواءها واستيعابها داخل إطار أيديولوجي وطني صرف.

إن احتواء هذه القضية في الإطار الوطني، مع فصلها عن بقية قضايا الحريات والتجريف والنهب الاقتصادي الذي يمارسه نظام السيسي، لن يؤدي إلا إلى نزع المضمون السياسي والاقتصادي عنها. هذا الفصل بين القضايا المختلفة وقضية الجزيرتين ليس ضارًا فقط لأن السياسة والاقتصاد يتداخلان بشدة في قضية الجزيرتين، كما أوضحنا أعلاه، بل أيضًا لأن النضال ضد قرار التنازل من المستحيل أن يتوَّج بالنصر، أو أن يحقق تقدمًا ملموسًا على الأرض دون ربطه بالنضال من أجل الحريات والنضال ضد النهب الاقتصادي وسياسات الإفقار وبيع ممتلكات وثروات الشعب المصري.

يتناسب هذا الإطار الوطني الصرف، بالطبع، مع توجهات الكثير من الأحزاب والقوى السياسية التي تعارض قرار التنازل عن الجزيرتين، بينما تؤيد معظم سياسات نظام السيسي، أو على الأقل تعارض بعض القرارات والانتهاكات التي يرتكبها النظام، لكنها في الوقت نفسه لا تعارض النظام في مجمله، بل تؤيد – مثلًا – سياسات “الحرب على الإرهاب” التي يبني عليها النظام شرعيته المزعومة من الأصل. وبالتالي من مصلحة هذه القوى أن يظل النضال حبيسًا داخل الإطار الوطني الذي يعارض قرار التنازل عن الجزيرتين شريطة ألا يشكل خطورة على النظام الذي تؤيده بعضها ضمنيًا وتسعى فقط إلى إدخال بعض الإصلاحات فيه.

أما التطور السريع للتحركات على الأرض، على الأقل على مستوى الشعارات التي تحوَّلت الجمعة الماضية 15 أبريل إلى “يسقط حكم العسكر” و”ارحل”، فيضع هذه القوى في موقف محرج، حيث تبدو الفرصة قائمة بالفعل للخروج من الإطار الضيق الذي ترسمه هذه القوى والأحزاب والذي ترفض الخروج عنه، وتبدو الفرصة قائمة أيضًا لترسيخ الترابط بين النضال ضد قرار التنازل والنضال ضد ديكتاتورية السيسي وقمعه بشكل عام، والنضال ضد سياسات الاقتصادية التي تجلب الوبال على الفقراء. وهنا لابد على الثوريين الجذريين أن يناضلوا في طريق الربط بين هذه القضايا المختلفة، هذا الطريق الذي ربما تقف بعضٌ من القوى والأحزاب “الوطنية” عقبةً فيه.

يفترض الإطار الوطني أيضًا أن هذه القضية قضية “كل المصريين”، بمن فيهم بعضٌ من كبار رجال الأعمال بالطبع، وبعض أجهزة ومؤسسات الدولة التي ربما تكون غير راضية عن التنازل عن الجزيرتين. هذه بالتأكيد فرضية خاطئة، فمفادها هو أن مصلحة العمال والفقراء والطلاب في التراجع عن قرار التنازل عن الجزيرتين، هي نفس مصلحة كبار رجال الأعمال، وربما بعض مؤسسات الدولة أيضًا. هذه الفرضية تذيب الانقسامات الطبقية الموجودة بالفعل في المجتمع، وتضع المصالح المتناقضة للطبقات المختلفة في نفس السلة؛ مصلحة بعض مؤسسات الدولة القمعية مع من تقهرهم وتقمعهم، ومصلحة كبار رجال الأعمال مع من يستغلونهم ويمعنون في إذلالهم بالإفقار. هذه الفرضية تغض البصر عن السياق الاقتصادي والاجتماعي، وعن سياق العلاقات السوداء بين مصر والخليج التي ترسِّخ نظام السيسي، تلك السياقات التي أتى قرار التنازل عن الجزيرتين فيها، وهي نفس السياقات التي تصب في مصلحة كبار رجال الأعمال وتضرب مصالح العمال والفقراء في مقتل.

إبقاء النضال داخل هذا الإطار الوطني الصرف، الذي يتجرد من السياسة والاقتصاد، يخنق النضال نفسه ويضع أمامه العراقيل ويمنعه من التقدم للأمام ضد نظام السيسي. بينما تطوير المعركة الراهنة لن يتم إلا بالتمدد خارج هذا الإطار الوطني وربطه بالنضال من أجل التحرر الشامل من الديكتاتورية والتقشف الاقتصادي والإفقار.

الأمر الخطير أيضًا أن هذا الإطار الوطني، بما أنه يفترض أنها معركة “كل المصريين”، يفتح الباب أمام استدعاء القوات المسلحة المصرية وتوجيه النداء لها، باعتبارها مؤسسة “وطنية محايدة”، للتدخل من أجل الضغط للتراجع عن القرار. وهذا خطأ قاتل.

استدعاء المؤسسة العسكرية
ظهرت النداءات في المرة الأولى في بيانٍ لحركة شباب 6 أبريل، الثلاثاء 12 أبريل، كرسالة موجهة إلى “القوات المسلحة المصرية”. ثم علت الهتافات في مظاهرات يوم الجمعة الماضية لبضع دقائق “واحد اتنين، الجيش المصري فين؟”، وكأنه هتافٌ موجه للجيش بالتدخل وسحب قرار التنازل عن الجزيرتين.

لكن ما من أمرٍ أثبتته ثلاث سنوات من الثورة، وثلاث سنوات بعدها من الثورة المضادة الكاسحة، بقدر ما أثبتت العداء المتأصل لدى قيادات المؤسسة العسكرية للثورة وللتغيير بيد الجماهير من أسفل. لقد أثبتت قيادات هذه المؤسسة عبر مخاض الثورة والثورة المضادة أنها بالفعل القلب الصلب للدولة، وخط الدفاع الأخير والأكثر شراسة عنها. لم تتدخل قيادات المؤسسة العسكرية يومًا طيلة هذه السنوات إلا لإجهاض الثورة والقضاء عليها، تارة بالقمع العنيف للاعتصامات والمظاهرات والمحاكمات العسكرية، وتارة أخرى بجذب قوى إصلاحية مترددة وانتهازية للتحالف معها وتفتيت وحدة الجماهير على الأرض.

وحتى إن تدخلت قيادات المؤسسة العسكرية في المشهد، من وراء ظهر السيسي، فلن يكون ذلك سوى لإرساء المزيد من القمع والاستبداد الذي يجتث الحراك الجماهيري من جذوره، ويزرع بدلًا منه نبتة كراهية الثورة والثوار. فبدلًا من توجيه الغضب الجماهيري تجاه أعداء الثورة الحقيقيين، حيث أجهزة الدولة وكبار رجال الأعمال وحلفاء الاستبداد والرجعية في الخليج، يُسدد هذا الغضب إلى صدر الثورة وجباه الثوار.

استدعاء المؤسسة العسكرية للتدخل أمرٌ خطير لأنه لا يؤدي إلا إلى فقدان جمهور الثورة ثقته بنفسه وانتظاره المدد والعون والحسم من أعداء ثورته أنفسهم. لابد أن يتخذ الموقف من المؤسسة العسكرية في الحراك المتصاعد حاليًا شكلًا أكثر وضوحًا برفض تدخلها رفضًا قاطعًا، وبالرهان على قدرة الثوار على جذب المزيد من القطاعات الجماهيرية شيئًا فشيئًا في المعركة الطويلة الشاقة المحفوفة بالمخاطر ضد نظام السيسي. هذا هو الطريق الوحيد، بدلًا من ضياع المجهودات الثورية في حلقة مفرغة تقود في كل مرة إلى الحكم العسكري الاستبدادي المُعادي للديمقراطية وللثورة.

انقلاب قصر أم استعادة للحالة الثورية؟
تأتي التحركات ضد قرار التنازل عن الجزيرتين بهذا الاتساع، تتويجًا لغضب متراكم نتيجة مجمل سياسات السيسي القمعية والتقشفية، حيث إطلاق يد الداخلية في الاختطاف والاعتقال والتعذيب والقتل بدمٍ بارد، والقضاء في القوانين الاستبدادية والأحكام الجزافية للتنكيل بالمعارضين، وسياسات الإفقار التي تهبط بمستويات معيشة أغلب المصريين إلى الحضيض. لم تكن شعارات المظاهرات في جمعة الأرض لتتطور بهذه السرعة إلى هتاف “يسقط حكم العسكر”، إلا على خلفية الغضب المتراكم من سياسات النظام من ناحية، والتصاعد التدريجي في الاحتجاجات، من أهالي الأقصر إلى الأطباء إلى أهالي الدرب الأحمر، إلى الحركة العمالية التي تتصاعد تدريجيًا بدرجة من الثبات.

نتيجة لسياسات النظام، أصبح السيسي يفقد شعبيته يومًا عن الآخر، حتى وسط القطاعات الجماهيرية التي كانت في الماضي تؤيده وتمنحه ثقتها “على بياض” كمخلصٍ لها. لم يعد الناس – على الأقل أغلبهم – يحتملون الحياة على “النمط القديم”، إذا جاز التعبير، الذي ساد على مدار ما يقرب من ثلاثة أعوام. لكن أغلب أجهزة الدولة ودوائر السلطة لم تعد هي الأخرى راضية عن الاستمرار على هذا “النمط القديم”، والأمر نفسه ينطبق على بعضٍ من كبار رجال الأعمال.

السبب الرئيسي لعدم الرضا هذا بين أجهزة الدولة، إلى جانب أسباب أخرى، هو الفشل الذريع في كافة نواحي الاقتصاد، حيث انهيار السياحة وضعف الاستثمارات، والانخفاض الرهيب في قيمة الجنيه أمام الدولار، مما يهدد أرباح كبرى الشركات ورجال الأعمال، والمشاريع الوهمية التي أُنفقت مليارات الجنيهات عليها دون طائل.

وقد خلقت هذه الحالة منافسات وصراعات بين أجهزة الدولة خلال الأشهر القليلة الماضية. ظهرت هذه الصراعات جليًا في إقالة الزند، وزير العدل السابق، الذي طالما كان مخلصًا للنظام، ثم إقالة هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات سابقًا، لتجنب أي درجة من الرقابة على الأداء الاقتصادي وغيره. ومن قبل ذلك في تناقض الموقف بين الداخلية التي اتهمت حماس باغتيال النائب العام، والمخابرات العامة التي استضافت وفدًا من حماس بعد ذلك بأيام قليلة في القاهرة.

القوى “المدنية” التي كانت تدعم سلطة السيسي، والتي كانت هي نفسها تستدعي تدخله من قبل باسم “جبهة الإنقاذ” في النصف الأول من عام 2013، تحوَّلت منذ فترة طويلة إلى انتقاده ومعارضته لحفظ ماء وجهها، على خلفية القمع الذي لم يعد حصريًا على الإخوان المسلمين، كما كانت تريد هذه القوى، الأمر الذي صار السكون عنه فضيحة، وأيضًا على خلفية الفشل الاستثنائي في جميع المجالات.

أما كبار رجال الأعمال، فقد صاروا أيضًا غير راضين عن أداء السيسي وحكوماته المتعاقبة، فالارتفاع الصاروخي للدولار أمام الجنيه يهدد أرباحهم كما أشرنا، والقمع العنيف والاضطرابات السياسية التي يتسبب فيها هذا القمع تخلق حالة منفرة للاستثمارات الأجنبية. فتوجه بعضٌ من رجال الأعمال هؤلاء للضغط على السيسي بمطالبات مثل تعويم الجنيه، الذي كان مطلبًا أساسيًا لنجيب ساويرس مثلًا منذ شهور عديدة. وبالفعل قدم السيسي بعض التنازلات لهم في إطار حالة الشد والجذب ولعبة عض الأصابع الجارية بينهم. صدر القرار بتعويم الجنيه، وتشكلت حكومة تضم بعضًا من رجال الأعمال أنفسهم ببرنامج اقتصادي نيوليبرالي صريح يرعى مصالحهم بينما يسحق حياة الملايين، برنامج اقتصادي أكثر إجحافًا حتى من برنامج حكومة نظيف (2004 – 2011)، بما يتضمنه من خصخصة ورفع للدعم عن السلع الأساسية والخدمات، إلخ. ناهيكم عن المصالحة الإجرامية مع بعضٍ من رجال الأعمال الفاسدين، أمثال حسين سالم، للسماح لهم بالاستثمار في مصر مرة أخرى.

بالطبع من مصلحة الحركة الجماهيرية ألا تكون أجهزة الدولة وداعموها، من القوى السياسية ورجال الأعمال، على نفس درجة الوحدة التي كانوا عليها في الأشهر التي تلت الانقلاب العسكري في صيف 2013. فكلما زادت حدة الصراعات بين أجهزة الدولة، وتعمقت أزمتها، زاد ارتباكها في مواجهة التحركات الجماهيرية المتصاعدة، وانفتحت الشقوق في الجدران الصلبة التي بناها السيسي في طريقها لتسير قُدمًا.

لكن هذا السيناريو ليس مسارًا حتميًا أو وحيدًا للتطورات السياسية في مصر. السيناريو الآخر، والمظلم، هو تجهيز بديل سياسي من داخل الدولة قادر على توحيد الأجهزة ولم شمل الطبقة الحاكمة ككل مرة أخرى، فيما يشبه “انقلاب قصر” يقطع الطريق أمام تقدم الحركة الجماهيرية ويجهض عملية استعادة الثورة. في هذه الحالة ربما نشهد موجات أكثر عنفًا ووحشية مما نحن فيه، لفرض استقرار النظام ومخططاته السياسية والاقتصادية بمزيدٍ من القوة.

الاحتمالات مفتوحة، والوقت عدونا.

جبهة ثورية الآن
لقد أثبتت الثورة المصرية في فترات ذروتها، منذ بداية 2011 وحتى منتصف العام 2013، الحاجة الملحة لبناء جبهة ثورية تجمع أكبر قطاعات ممكنة من الثوار على استراتيجية هدفها توحيد الاحتجاجات الجماهيرية وبناء الجسور بين المطالب السياسية والاقتصادية والوطنية في برنامج جذري واحد يصب مباشرةً ضد السلطة. بل وتثبت الثورة المضادة أيضًا هذه الضرورة، بمزيدٍ من التشديد، فالحاجة إلى الوحدة تزداد إلحاحًا في حالة الدفاع والتصدي للهجمات الشرسة التي يشنها النظام على الحقوق والحريات.

ربما تهدينا المعركة الجارية لاستعادة جزيرتي تيران وصنافير، إذا استمرت رغم القمع العنيف الذي تتعرض له، فرصة أخرى لبناء مثل هذه الجبهة، لما تسببت فيه من عودة الروح إلى الشارع بشعارات جريئة تتحدى الحكم العسكري وسلطة السيسي، ولارتباطها الوثيق بسياسات النظام بشكل عام. أولًا، لتسييد رؤية سياسية تربط بين سياسات النظام المعادية للجماهير والثورة في كافة المجالات، تلك السياسات التي جاء قرار التخلي عن الجزيرتين في سياقها. ثانيًا، لضمان ألا تذوب هذه المعركة أو تذبل إذا ما انحصرت فقط في الإطار الوطني المجرد. وثالثًا، لملء الفراغ السياسي الذي لن ينتظر طويلًا في ظل سرعة التطورات على الأرض، وتصاعد حدة الصراعات في أروقة السلطة.

رغم القمع وهجمات النظام، أمام الثوريين فرصة حقيقية يمكن اغتنامها، ولابد من ذلك الآن وفورًا، لتطوير المعركة الجارية ولفتح قضايا النضال الأخرى للتعبئة في مواجهة هذا النظام المجنون والمأزوم، حتى تتحول عملية استعادة الثورة من الأمل إلى الواقع، ولا تتبدد روح الإصرار وتحدي النظام في الهواء.

الاشتراكيون الثوريون
23 أبريل 2016