بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بيان الاشتراكيين الثوريين

من يكتب الدستور؟

الاشتراكيون الثوريون

يوم 17 ديسمبر 1994 أصدرت المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار الدكتور عوض المر حكما هذا نصه: “إن الوثيق الدستورية تخلق سلطات الدولة بما فيها مجلس الشعب والحكومة وتقرر مسئولياتها والقواعد التي تحكمها، وبالتالي لا يجوز لسلطة هي من خلق الدستور أن تخلق الدستور…”

لكن ما يجري الآن لا علاقة له بما صدر عن المحكمة الدستورية العليا من أحكام. ما يجري الآن هو حصاد استفتاء 19 مارس الهزلي على تعديلات دستورية صاغتها مجموعة مختارة للمجلس العسكري دون معايير ودون مشاركة شعبية لتمهد الأرض لبقاء المجلس العسكري متحكما في بزمام الأمور رغم كل ما قيل وقتها من أن الاستفتاء إنما يسعى إلى الانتهاء السريع من المرحلة الانتقالية وتسليم الحكم لسلطة مدنية. عام مضى على هذه التعديلات الدستورية التي اتسعت بإرادة المجلس العسكري وتواطؤ القوى الإسلامية إلى دستور لا يختلف كثيرا عن دستور 71 سوى من حيث استبدال سلطات رئيس الجمهورية بسلطات المجلس العسكري، جنينا منه برلمانا بدأ جلساته ببرقية شكر للمجلس العسكري ورئيسه على حمايته للثورة مخالفا ما وعد به الناخبين من تحقيق القصاص من قتلة الشهداء، وتسلم السلطة، وسحب الثقة من حكومة إفقار الشعب، وإقرار حد أدنى وأقصى للأجور ورفع الطوارئ الخ

ولم تكتف الأغلبية البرلمانية بمعاداة الثورة والثوار، ومقايضة القصاص بالأموال، والتراجع عن كل ما توقعه الناخبون منها فحسب بل تسعى اليوم إلى أن تسيطر كذلك على كتابة الدستور، تلك الوثيقة التي تمثل عقدا اجتماعيا بين الدولة والمواطنين، فتصر على أن تمثل 50% من اللجنة التأسيسية إضافة إلى اختيار ال 50% الباقية لتضمن سيطرة كاملة على مستقبل البلاد. عشرات الأشخاص، جميعهم من النخبة، سوف يجلسون معا ليقرروا علاقة الدولة بملايين العمال والفلاحين والنساء والأقباط والطلاب والكادحين بعيدا عن مشاركة هؤلاء العمال والفلاحين والنساء والأقباط والطلاب والكادحين الذين يتجاوزون أغلبية البرلمان لأنهم يمثلون أغلبية الشعب.

في هذه اللجنة التأسيسية سوف يحدد صاحب رأس المال قواعد العلاقة مع العامل في غياب العامل، وصاحب المستشفى الخاص حقوق المريض الفقير وأصحاب المدارس الخاصة حقوق التعليم وصاحب الأرض حقوق فقراء الفلاحين، والإسلامي الأصولي حقوق الأقباط وسوف يتحدث عن المساواة من يؤمن بأن النساء عورة. في هذه اللجنة سوف يقرر ممثلو المجلس العسكري دورهم في الفترة القادمة بما لا يمس سلطتهم السياسية أو هيمنتهم على نصف اقتصاد البلاد.

فأي دستور سوف تصدره هذه اللجنة، إن لم يكن دستورا معدوم الشرعية بحكم من كتبه قبل أن يصدر؟

هذه النخبة التي اختارت نفسها واختارت حلفائها سوف تقرر ما لهذه الأغلبية من حقوق.. سوف تقرر إمكانية حصول فقراء هذا البلد على خدمات الصحة والتعليم والسكن، سوف تقرر حقوق العامل لدى صاحب العمل، سوف تقرر نسبة مشاركة العمال والفلاحين في المجالس التمثيلية.. باختصار سوف تقرر حقوق الكادحين على الدولة في غياب أي تمثيل لهؤلاء الكادحين وسوف تكتب هذا الدستور بما يحقق مصالح من كتبه، حتى وان تعارضت مع مصالح أغلبية الشعب، حتى وإن دفعت بمزيد من الملايين إلى ما تحت خط الفقر، حتى ولو قسمت البلاد طائفيا، الأمر الذي ظهرت بوادره في اقتراحات تعديل المادة الثانية من الدستور بحيث يصبح للمسلمين قانون وللمسيحيين قانون فيما يتعلق بأحوالهم الشخصية!

قد نحتاج إلى خبراء قانونيين وحقوقيين للصياغة القانونية الصحيحة للدستور.. لكن إقرار مبادئ الدستور لا تحتاج إلى خبراء، بل تحتاج إلى مشاركة الأغلبية المطحونة في البلاد في تحديد المبادئ التي تحكم علاقتهم بالدولة من حيث حقوقهم عليها.. تحتاج إلى من يتحدث عن سيف البطالة المسلط على رقاب العاملين بدون عقود، وعن الطرد الذي يهدد الملايين من صغار الفلاحين، وعن حقوق الطلاب في تعليم مجاني وجامعة مستقلة، وعن حقوق الأقباط بالمساواة لحقوق المسلمين، وعن حقوق النساء في مجتمع ذكوري وبرلمان إسلامي يتحدث عن فرض الطاعة بالقوة وتزويج الفتيات متى بلغن، وعن حقوق الأطفال في طفولة إنسانية على كراسي المدارس بدلا من قسوة العمل في الورش.

الدستور ليس شأنا نخبويا.. بل هو شأن شعبي، يحتاج إلى لجنة تمثل كافة فئات الشعب لتتفق على مبادئه أولا. بعدها يمكن للجنة خبراء أن تعكف على صياغة هذه المبادئ.

إن دستورا تكتبه منفردة لجنة نصفها من البرلمان والنصف الآخر ممن يختاره البرلمان لن تكتب سوى ما يحفظ لهذه النخب مصالحها وسيطرتها على مقاليد السلطة والثروة في البلاد. إنه دستور سوف يولد محكوما عليه بالموت، مطعونا على شرعيته، لا يلزم سوى من كتبوه، ويبقى للثورة أن تكتب دستورها.

المجد للشهداء.. والنصر للثورة.. والسلطة والثروة للشعب

الاشتراكيون الثوريون
22 مارس 2012