بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بيان مركز الدراسات الاشتراكية

مش كفاية!

جاء اليوم الذي نشهد فيه حسني مبارك يعلن على الملأ أنه يطلب تغيير الدستور ليسمح بانتخاب رئيس الجمهورية انتخابا مباشرا بين أكثر من مرشح! جاء اليوم الذي ينزل فيه الديكتاتور عن خيلاءه وعنجهيته ليقر بأن تعديل الدستور ضرورة وأن الانتخابات التنافسية تطور مطلوب!

ما هذا الذي يحدث؟ هل انتهت معركة التغيير الديمقراطي في مصر؟ هل استسلم العدو قبل أن يبدأ القتال الحقيقي؟ هل كسبنا المباراة من جولتها الأولى؟

الحقيقة أن ما حدث بالأمس في المنوفية له دلالة وله مضمون لابد أن نعيهما جيدا قبل أن نشرب أنخاب النصر ونضع السيوف في الأغماد.

دلالة ما حدث هي أن السلطة الحاكمة في مصر في وضع مهترئ ومأزوم. أن يصرح رئيس الجمهورية في صبيحة أحد الأيام أن من يريد تغيير الدستور يعادي الاستقرار ويعبث بأمن البلاد.. ثم أن يصرح بعد ذلك بأسابيع قليلة بكلام يناقض تصريحاته السابقة مائة في المائة.. هذا هو بالضبط الوقت الذي تكون فيه السلطات الحاكمة في قمة تخبطها وتناقضها.. حتى مع نفسها.

المهم هنا أن ندرك أن أزمة النظام الحاكم مرتبطة ارتباطا وثيقا بأزمة الطبقة الحاكمة في مجملها. من يملكون الثروة في مصر – من يملكون خيرات هذا البلد وموارده – وصلوا إلى درجة من الاختناق ومن الإحساس بانسداد الآفاق إلى الحد الذي دفعهم إلى تبني نهائي وشامل لسياسات الليبرالية الجديدة في أردأ صورها. الأزمة الاقتصادية دفعت الطبقة الحاكمة إلى هجوم شامل على كل الفقراء. ومن ثم انقطع آخر خيط من الأكاذيب التي كان يتم تصديرها إلى الجماهير.. ولم يتبق سوى فساد النخبة الحاكمة وإفسادها.

وعلى مستوى آخر أدت أزمة السياسية الخارجية المصرية – أزمة عملية السلام الأمريكي الصهيوني – إلى استسلام نهائي للنظام المصري. السلام البارد أصبح ساخنا إلى درجة لا تحتمل، وشارون الذي لا يمكن صناعة السلام معه أصبح الشريك الوحيد في عملية السلام!!

في ظل الأزمة الداخلية والخارجية.. وفي ظل إحساس الرأسماليين بفشل النظام على كل الأصعدة.. ارتفعت الأصوات المطالبة بالتغيير.. حتى من داخل الطبقة الحاكمة ذاتها. الرأسماليون يشعرون بأن الديكتاتور المريض لم يعد قادرا على توفير طلباتهم أو حماية مصالحهم. وكل خيار يتبناه النظام السياسي يؤدي إلى مردود عكسي. في الصباح يكون القرار هو القمع حتى نحمي أنفسنا من غضب الجماهير .. وفي المساء (عندما ينقلب السحر على الساحر) يكون القرار هو أننا نحتاج إلى انفتاح ديمقراطي!

كثير منا ربما قد سمعوا مقولة (الكسي دي توكفيل) أن النظام السيئ والمستبد يبدأ مسيرة انهياره بالضبط عندما يقرر إصلاح نفسه. يبدو أن توكفيل كان يقرأ حاضرنا. نظامنا – تحت ضغوط خارجية وداخلية – قرر إصلاح نفسه. كلنا يعلم أن إصلاح النظام لن يكون له مضمون حقيقي. سيتغير الدستور لتكون انتخابات الرئاسة تنافسية .. ولكن سيقذف في السجن بالمتنافسين، وسيطاح بكل قوة سياسية حقيقية لديها قدرة على دخول المنافسة. سيتغير الدستور لتكون الانتخابات تنافسية.. لكن ستظل كل السلطات في يد رئيس الجمهورية وستظل قوانين الطوارئ وستظل الصحافة مقيدة والإعلام في يد الدولة. باختصار: سيفتح النظام شهيتنا وشهية الجماهير للتغيير، ولكنه لن يفعل شيئا حقيقيا..

أمامنا خياران اليوم. إما أن نشرب الأنخاب ونعتبر أن المعركة قد انتهت.. أو أن تصلنا الرسالة ونفهم أن النظام يتخبط في احتضاره.. ومن ثم نشدد هجومنا وحصارنا ونضالنا في وسط الجماهير لتعبئتها لدق المسمار الأخير في نعش سلطة فقدت مبرر وجودها وفاحت رائحة تعفنها في الآفاق.

من ينظر بدقة يمكنه أن يرى الضوء في نهاية النفق. يمكنه أن يرى الديمقراطية تلوح في الأفق. فقط نحتاج إلى توسيع النضال وجمهرة الكادحين حتى نسقط من يترنحون في عروشهم. فقط نحتاج إلى تحويل المعركة الديمقراطية إلى معركة من أجل “ديمقراطية الجماهير”.. ديمقراطية توفير رغيف الخبز لكل الفقير.. لا ديمقراطية حكم الرأسماليين والأثرياء.

الضوء ظهر في نهاية النفق.. فلنسير بصلابة وقوة وبلا تردد حتى نكسب المستقبل.