بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحركة الطلابية.. بين انتهاكات الأمس وآمال الغد

منذ انطلاق ثورة 25 يناير، كان للطلاب دوراً هاماً ومحورياً بالحراك الثوري في الشارع المصري، وكانت الحركة الطلابية جنباً إلى جنب مع الحركة العمالية في مراحل الثورة ضد النظام في ظل حكم المجلس العسكري ثم مرسي ثم أخيراً في ظل حكم السيسي.

ولكن اختلفت الأوضاع كثيراً خلال الفترة الأخيرة، فبعد الانقلاب العسكري على مكتسبات ثورة 25 يناير منذ الثالث من يوليو، أصبح هجوم الثورة المضادة بقيادة الجنرال السيسي شرساً وممنهجاً يهدف إلى القضاء على مطالب الثورة وتبديل الأدوار، فيصبح العسكر هو حامي الحمى وقائد الثورة المجيدة، ضارباً بمطالب جماهير 30 يونيو عرض الحائط، فيضع خارطة طريق لا تمت بصلة في محتواها لمطالب الشعب في تلك الموجة الثورية.

منذ ذلك الحين أصبحت لغة السلطة هي لغة الرصاص والاعتقالات، وبدأ اعتقال الطلاب مع بدء تزايد قمع الدولة الأمنية، حيث تم إلقاء القبض على العشرات من الطلاب وسط المتظاهرين في مجزرتي رابعة العدوية والنهضة، ثم في أحداث رمسيس، ومن أبرز المستجدات في تلك الفترة هو اعتقال الطلاب الذين يذهبون إلى أقسام الشرطة للبحث عن ذويهم أو أقاربهم المعتقلين، حتى لو لم يكونوا من نفس التوجه السياسي، كما لعب بلطجية الحزب الوطني المنحل دوراً بارزاً في ما أسموه باللجان الشعبية في إلقاء القبض على العديد من الطلاب وتسليمهم لقوات الداخلية، حيث تم إلقاء القبض على محمد أحمد الطالب بكلية الهندسة جامعة القاهرة بإحدى تلك اللجان وهو ذاهب مع المحامي للبحث عن أبيه المعتقل بالرغم من عدم انتمائه للإخوان المسلمين وعدم دعمه يوماً لمواقفهم.

هجمة شرسة
ومع بدء الفصل الدراسي الأول من هذا العام بدأت الحركة الطلابية في تنظيم فعاليات طلابية واضحة وقوية، وذلك بالرغم من صدور قرار بمنح الضبطية القضائية للأمن الإداري مما لا يجعل فارقاً بينهم وبين تواجد الداخلية داخل الجامعات، وتوالت تلك الفعاليات من معارض وسلاسل بشرية ووقفات ومظاهرات، ومع تزايد شراسة الهجمة الأمنية اقتحمت قوات الأمن الجامعات منتهكةً حرمتها على مرأى ومسمع من الجميع دون أدنى اهتمام بأقل حق للإنسان في التعبير عن الرأي، وقتلت ثلاثة طلاب داخل حرم جامعة القاهرة، طالباً في كلية الهندسة كان يشاهد الاشتباكات في محيط الجامعة من داخل أسوار كليته المقابلة للحرم الجامعي إثر إصابته بخرطوش في الرأس، وآخر قُتل إثر إصابته بطلق ناري حي أثناء اقتحام جامعة القاهرة.

ويغلب على اقتحام الجامعات الاعتقال العشوائي للطلاب سواء كانوا مشاركين في تلك التظاهرات أم لا. ففي اقتحام جامعة القاهرة اعتقلت قوات الشرطة اثني وأربعين طالباً من بينهم طلاب تم اعتقالهم من محطة المترو المجاورة للجامعة، تم إحالتهم إلى نيابة الجيزة في صباح اليوم التالي، ولفقت لهم جميع الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الداخلية، فاتهمتهم بقتل الطالب عمر أسامة -والذي قتلته قوات الأمن- والشروع في قتل ثمانية وعشرين طالباً والذين أصيبوا بطلقات الداخلية من الخرطوش والرصاص الحي، بالإضافة إلى التهم الملفقة الجاهزة لديهم كالتجمهر وحيازة سلاح والبلطجة و”الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين”، التهمة التي باتت ملصقة بكل من عارض النظام مهما كانت توجهاته، وذلك بالحجة الواهية والتي باتت محط سخرية العديد من المواطنين وهي “محاربة الإرهاب”.

أما في جامعة الأزهر وفروعها في المحافظات، فالوضع أكثر مأساوية، لم تقتحم قوات الأمن جامعة الأزهر مرةً فحسب، بل عشرات المرات، قتلت خلالها حوالي تسع طلاب داخل الحرم الجامعي، واعتقلت حوالي ستين طالباً وطالبةً، و عندما سُحلت الطالبات، واعترضت الطالبة آيات حمادة منسقة طلاب حركة مقاومة في جامعة الأزهر على ذلك تم اعتقالها، ولسوء المعاملة داخل السجون أضربت آيات عن الطعام مع عدد من زميلاتها المعتقلات، وحالتهن الصحية تزداد تدهوراً.

ولا ننسى أيضاً اقتحام جامعة الزقازيق والذي قامت به قوات الأمن مع مئات البلطجية الذين قاموا بتخريب منشآت الجامعة، كما قاموا بمهاجمة الطلاب عشوائياً وبكل وحشية داخل كلياتهم بالأسلحة البيضاء، ولفقوا تلك الانتهاكات لمن قاموا باعتقالهم من الطلاب كما اعتادوا، والعديد من الجامعات التي تم اقتحامها، تسعة جامعات لم تتردد الداخلية في اقتحامها وقمع كل من فيها من طلاب وعاملين وأعضاء هيئة التدريس في صورةٍ واضحةٍ تعبر عن مدى دموية وإرهاب حكم العسكر.

الدولة تهاجم الطلاب من إدارة كلياتهم
ولكي يتسنى للدولة التبرير لكل تلك الاقتحامات، فقد أصدرت قوانين بمنح الحق لرئيس الجامعة بطلب دخول الجامعة للحفاظ على الأمن، أي أمنٍ الذي يتحدثون عنه والذي يُقتل لأجله عشرات الطلاب، ويُصاب المئات، ويُعتقل الآلاف!

وبالتزامن مع القتل والإصابات الخطيرة بالرصاص الحي والخرطوش واعتقال الطلاب، لم تتأخر إدارات الكليات والجامعات التي لا تزال تحمل توجهات دولة مبارك عن قمع الطلاب، فمجالس التأديب التعسفية كانت الوجه الإداري لإرهاب الطلاب، تهديد مستقبلهم وجعل البعض منهم عبرةً للبقية كانت إحدى وسائل الثورة المضادة لمواجهة الحركة الطلابية، في هذه المرة كانت تتمثل الثورة المضادة في صورة وكلاء وعمداء ورؤساء للجامعات، مئات الطلاب في جامعة الأزهر تم فصلهم لمشاركتهم في المظاهرات المناهضة لحكم العسكر.

وفي جامعة القاهرة وتحديداً في كلية الهندسة، بعد الإضراب الكلي الذي نظمه الطلاب مع اختلاف توجهاتهم السياسية؛ احتجاجاً على مقتل زميلهم محمد رضا داخل أسوار الكلية على يد قوات الشرطة وعلى تلفيق التهمة بطلاب الإخوان داخل الكلية، مطالبين بالقصاص لدم زميلهم من وزير الداخلية، وبإقالة وزير التعليم العالي، وبالإفراج عن تسع طلاب من الكلية تم اعتقالهم منذ مجزرة رابعة، وبرحيل قوات الداخلية والجيش من محيط الجامعة، وإلغاء مجالس التأديب التعسفية التي فُصل على إثرها ثلاث طلاب، وبعد أن أعلن الطلاب اعتصامهم داخل الكلية لحين تحقيق تلك المطالب، قامت قوات الداخلية بمهاجمة الكلية مرة أخرى بقنابل الغاز المسيل للدموع، حتى أنه لم يعد مكاناً بالكلية خالياً من ذلك الغاز، فقامت إدارة الكلية بتقديم الاستقالة لرئيس الجامعة لعجزها عن تأمين الطلاب، فقرر رئيس الجامعة د. جابر نصار تعليق الدراسة في الكلية حتى بداية الامتحانات وإرجاء النظر في الاستقالة وتكليف الإدارة بتسيير الأعمال في الكلية، وما أن بدأت الامتحانات وهدأت الأوضاع، قامت تلك الإدارة بتحويل خمسة عشر طالباً ممن نظموا تلك الفعاليات إلى مجالس التأديب، تم فصل طالبٍ لمدة فصل دراسي، وآخر لمدة عامين، ولم تظهر نتائج التحقيقات لبقية الطلاب، هذه هي سياسة الدولة في مواجهة الحراك الطلابي، قتلى وجرحى ومعتقلين ومفصولين!

وتتويجاً لمجهودات الدولة في قمع الحراك الثوري بما فيه الطلابي، كانت الهجمة الأقوى للسلطة على الثورة في الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير، قامت فيها قوات الشرطة والجيش بفض جميع التظاهرات في أنحاء الجمهورية باستخدام الخرطوش والرصاص الحي والجرينوف، واعتقلت حوالي مائة وأربعة عشر طالباً، وكالمعتاد يتم تلفيق التهم المجهزة لديهم، ويتم التجديد خمسة عشر يوماً، ثم خمس وأربعين، وفي بعض الأحيان يظل الطلاب رهن الاعتقال رغم انقضاء فترة التجديد ودون صدور أي قرار في حقهم!

لم تعهد الثورة المصرية ولا الحركة الطلابية هجمةً كتلك التي نواجهها الآن، ولذلك علينا إعادة تنظيم صفوفنا والتحرك بدقة متناهية وبحذر شديد؛ حرصاً على القوة الطلابية الفعالة من أن تُقتل أو تُعتقل، فالنضال الحقيقي هو أن تحافظ على نفسك في مثل هذه الظروف؛ لتتمكن من كسب الآخرين إلى صفوف الثورة، حينها تستطيع مواجهة تلك الهجمة وبضراوة.

كما يجب علينا الدفاع بكل ما أوتينا من قوة عن حقوقنا في التعبير عن الرأي وحرية ممارسة النشاط السياسي داخل الجامعات وخارجها، وعلينا ألا نكلّ أو نملّ حتى يتم الإفراج عن كل زملائنا الطلاب المعتقلين، مهما كانت توجهاتهم السياسية، وهنا تقع مسؤولية كبيرة على عاتق الاتحادات الطلابية وخاصةً الثورية منها، عليها أن تستمر فيما بدأته في الفصل الدراسي الأول، عليها – وبدعم الحركة الطلابية – أن تفاجئ الدولة بأنها لاتزال قادرة على تنظيم الفعاليات بشتى أنواعها، بالرغم من شدة القمع، علينا أن نتحلى جميعاً بالصبر والمثابرة والإصرار على استكمال طريق ثورتنا التي بدأناها، فالإحباط في مثل هذه اللحظات رفاهيةٌ لا يجدر بنا أن ننالها، واليأس خيانةٌ لدماء زملائنا الشهداء، فالثورة معارك، تنهزم تارةً وتربح الأخرى، وعلينا في كل تلك المعارك أن نتعلم من النصر والهزيمة على حد سواء.