بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحركة الطلابية وتحديات المستقبل

منذ بدأ العام الدراسي الجاري، والحركة الطلابية مثقلة بالمهام الضرورية للصمود في مواجهة الهجمة الإجرامية التي يشنّها النظام على الجامعات، والتي خلّفت على مدار الفصل الدراسي الماضي ما يزيد على عشرة شهداء سقطوا داخل أسوار جامعاتهم، ومئات المصابين والمعتقلين عشوائياً، كما فُصل المئات من جامعاتهم ومن مدنهم الجامعية، فضلاً عن آلاف غيرهم ينتظرون قرارات لجان التحقيق ومجالس التأديب.

هذا المقال هو محاولة لرسم معالم الطريق أمام الحركة الطلابية خلال ما تبقى من العام الدراسي، وما بعده، عبر تفكيك الوضع المركب الذي وصلت إليه الحركة في الوقت الراهن، والنظر في طبيعة القوى الفاعلة على الساحة، وتكتيكاتها، والأهداف التي تسعى إليها.

الدولة
مع بداية العام الدراسي أعلن النظام الحرب على الحركة الطلابية مستغلاً دعاية حربه المزعومة على الإرهاب، ونزلت الدولة بكل ثقلها إلى ساحة المعركة، وأعطت الضوء الأخضر لعملية قمع ممنهجة، هي الأكثر عنفاً ودموية في تاريخ الحركة الطلابية المصرية، فالشرطة صارت تقتحم الجامعات ومساكن الطلاب بشكل شبه يومي، وتمطرهم برصاصها وقنابلها، وتقتلهم وتصيبهم داخل المعامل ومدرجات الدراسة، والمعتقلات (سلخانات التعذيب والمهانة) فُتِّحت أبوابها أمام المئات من الطلاب ضمن عشرات الآلاف من المعتقلين عشوائياً الذين تتواطئ عليهم النيابة فتكيل لهم الاتهامات الباطلة وتقنن عملية اعتقالهم وتحرمهم من أبسط حقوقهم القانونية، ويصورهم الإعلام كإرهابيين ويحرض عليهم، ويكمل القضاء الشائخ المشهد بأحكامه المغلّظة التي لم نرها يوماً تصدر لمصلحة الشعب أو ثورته، وإنما كانت على الدوام عوناً وغطاءً للمجرمين الحقيقيين أعداء الشعب والثورة.

أما عن الجامعات نفسها فقد تحولت إلى ما يشبه الثكنات العسكرية بفضل حزمة القرارات التي تُنفذ بالتوازي مع القمع المسلح؛ فالساحات وأماكن تجمع الطلاب صارت مُراقبة بالكاميرات، والأمن الإداري يكشر عن أنيابه معتمداً على ما تلقاه من تدريب في وزارة الداخلية، والشرطة تعيد تأسيس الحرس الجامعي وتفرض حصاراً دائماً على الجامعات بموجب بروتوكول مع وزارة التعليم العالي، والجامعات نفسها تشن أوسع حملة تعسف إداري في تاريخها؛ حيث فُصلَ مئات الطلاب من جامعاتهم ومن المدن الجامعية على مدار ما مضى من العام الدراسي الجاري، وينتظر آلاف غيرهم نصيبهم من التعسف بعد تحويلهم للتحقيقات ومجالس التأديب، ويبدو أن ذلك كله لم يكن كافياً فتقرر أن يكون لرئيس الجامعة أن يصدر قراراً مباشراً بفصل أي طالب-ة يريد فصله-ا دون الحاجة أصلاً إلى تحويله-ا لمجلس تأديب، وتقرر أن يكون للشرطة الحق في اقتحام الحرم الجامعي متى شاءت دون الحاجة للرجوع إلى أي جهة، بل أن مجلس عمداء جامعة القاهرة قرر استدعائها للتواجد داخل ساحات الجامعة “للتأمين”! وذلك بعد أن تم استهدافهم خارجها بهجوم تافه بثلاث قنابل بدائية الصنع، صرعت ضابطاً وأصابت عدد من رجال الشرطة.

يعلم نظام السيسي ودولته الأمنية أن الجامعات يمكن أن تشكّل تهديداً مباشراً على مشروع تصفية ثورة يناير وإعادة تدوير عجلة النهب، ولذلك يوجه كل أدوات قمعه إليها هادفاً إلى كسر شوكة الحركة الطلابية وتصفيتها تماماً حتى تخلو له الساحة بعد ذلك للانقضاض على الحراك الاجتماعي الصاعد.

“طلاب ضد الانقلاب”
بدأ العام الدراسي الجاري بعد أسابيع معدودة من فض اعتصامي رابعة والنهضة اللذين ارتكب الجيش خلال فضّهما أكثر المجازر دموية في تاريخ مصر الحديث، وتشكلت مع بداية العام حركة “طلاب ضد الانقلاب” كذراع طلابي لتحالف دعم الشرعية الذي أدار اعتصامي رابعة والنهضة ويهدف إلى إعادة مرسي للسطة، وتعتمد استراتيجيته في ذلك على التصعيد المستمر وإنهاك “الانقلاب” واستنزافه وفضحه بشكل متواصل. وعلينا هنا أن ننتبه إلى أمرين غاية في الأهمية: الأول هو أن لا نعمم فنقول أن كل من يشاركون في تحركات “طلاب ضد الانقلاب” هم حصراً من طلاب الإخوان، والثاني هو أن نفرّق جيداً بين ما يعنيه هؤلاء حين يتحدثون عن “الانقلاب”، وبين ما نعنيه نحن.

صحيح أن القلب الصلب لكتلة “ضد الانقلاب” يتكون من طلاب الإخوان المسلمين وحلفائهم الأقل شأناً في “دعم الشرعية” كحزبي الوسط والعمل، إلا أنهم نجحوا على مدار الشهور الماضية في اجتذاب دوائر دعم واسعة نسبياً في أوساط الطلاب، وذلك رغم القمع الوحشي الذي تتعرض له تحركاتهم، بل وبسببه.

وجاء ذلك نتيجة طبيعية لغياب بديل جذري جاد يشق طريقاً مستقلاً للثورة، ناهيك عن ارتباك القوى “الإصلاحية” منذ انقلاب العسكر على الثورة في 3 يوليو، بل وخيانة بعض رموز هذه القوى واصطفافهم بشكل صريح مع دولة الثورة المضادة وخريطة طريقها الدموية وزعيمها العسكري/الرأسمالي وحربه المزعومة على الإرهاب. إضافة إلى الطرح الانتهازي لبعض المجموعات التافهة التي تنسب نفسها إلى “الثورة” والتي ترى أن المعركة الدائرة ليست سوى حرب تكسير عظام بين “طرفي الثورة المضادة” لا مكان فيها “للثوريين!”، وهذ الطرح لا يصب إلا في مصلحة الثورة المضادة العسكرية حتى وإن رفض أصحابه الاعتراف بذلك.

ورغم الاتساع النسبي، تظل كتلة طلاب ضد الانقلاب تمثل أقلية نشطة (ومعزولة) في الجامعات، شأنها شأن كتلة قوى استكمال الثورة، كالاشتراكيين الثوريين وطلاب مصر القوية و6 إبريل و مقاومة و”ثوار” وغيرها، إلا أن هناك فارقان مهمان بين الكتلتين: الأول هو فارق الحجم الذي ترجح فيه كفة “ضد الانقلاب”، والثاني هو اختلاف التكتيكات التي يتبعها الفريقان؛ فبينما تحاول قوى استكمال الثورة توسيع قاعدتها الطلابية عبر تطوير أدوات عملها الدؤوب لتتماشى مع معطيات الظرف الراهن، والنقاش بصبر مع جموع الطلاب وكسب ثقتهم، يعمد “طلاب ضد الانقلاب” إلى التصعيد بشكل مستمر دون الأخذ في الاعتبار معطيات الوضع الجديد، ويتجاهلون مسألة الارتباط بجموع الطلاب معتمدين على كفاحية ومثابرة المئات من طلابهم الذين ينظمون المظاهرات ويشتبكون مع الشرطة باستمرار ويدفعون الثمن غالياً.

يراهن طلاب ضد الانقلاب على انهاكهم للسلطة بالاشتباكات المتكررة ودفعهم لها باستمرار للكشف عن طابعها الدموي القمعي، متصورين أن كتلتهم (الكبيرة نسبياً بالمقارنة بباقي القوى والمحدودة للغاية مقارنة بجمهور الطلبة في الجامعات) وحدها قادرة على قلب موازين القوى وإسقاط حكم العسكر، وإعادة مرسي إلى السلطة! والواقع أن تطرف واستبدالية التكتيكات التي تتبعها الحركة يصب في مصلحة الدولة بشكل مباشر وله تبعات كارثية، ليس فقط على “طلاب ضد الانقلاب” وإنما على مجمل الحراك الطلابي في الجامعات؛ حيث يؤدي العنف والقمع الدموي (الذي تتحمل مسئوليته الدولة بالطبع) إلى إحجام جمهور الطلاب عن المشاركة في الحراك الطلابي والسياسي عموماً، وتتسع الدوائر المؤيدة لقمع المظاهرات وحصار الجامعات بينهم، وتسوّق الدولة مشاهد العنف في كل مناسبة لتكريس وهم حربها على الإرهاب التي هي في الأصل حرب على الثورة.

معسكر استكمال الثورة
لا ينكر عاقل أن الحركة الطلابية، والثورة عموماً، قد تلقت على مدار الشهور الماضية ضربات هي الأشد وطأة منذ انطلاقها قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات، إلا أن هذه الضربات، على قسوتها، لم تتمكن حتى الآن من تصفية الثورة ولم تنجح في تركيع الجامعات، وإن تسببت في زلزلة الأرض تحت أقدام القوى الطلابية، وخلقت الشروط الجديدة للصراع موجة واسعة من الفرز بين صفوفهم. وقد شكّل الانقلاب العسكري في يوليو والمذابح التي ارتُكبت باسم خارطة طريقه في أغسطس وما بعده نقاط فرز جوهرية، قسّمت صفوف القوى المحسوبة على “الثورة” إلى ثلاثة أقسام:

– معظم مجموعات الإصلاحيين والقوميين تحالفت بشكل صريح مع الدولة وباركوا مذابحها وحربها المسعورة على “الإرهاب”.
– بعض المجموعات الانتهازية رأت أن المعركة أكبر منها فقررت التبجح بمساواة إرهاب الدولة بتطرف الإخوان ومؤيديهم، وإعلان الانسحاب من المعركة.
– عدد من القوى الطلابية والمستقلين الجذريين في الجامعات رأوا أن المعركة معركتهم، وأن العدو الأساسي هو الدولة العسكرية وأن الحرب ليست على الإرهاب وإنما على الثورة، وبالتالي لم تنسحب من المشهد، وأدانت مذابح السلطة العسكرية وخارطة طريقها، وأصرت على تحدي قهر الظروف الأمنية والسياسية، وخوض المعركة ضد الدولة المجرمة وضد عودة الإخوان في نفس الوقت، بشعاراتها المستقلة وضمن أوسع جبهة ممكنة.

وقد انخرط القسم الأخير في محاولات حثيثة لخلق بديل ثوري في الجامعات عبر بناء جبهة “ثوار” التي لا تفصل النضال السياسي ضد إرهاب الدولة العسكرية ونهبها وبين النضال المطلبي المباشر للطلاب والعمال والمهنيين، وتتبنى مشروعاً للتغيير يعتمد على الارتباط بمعارك الجماهير وتنظيمها وتطويرها لتصبح قوة دافعة على طريق استكمال الثورة، وتقوم على التوازي بدعم مبادرات كـ”الحرية للطلاب” و”الحرية للجدعان” و”الجامعة للطلاب” وغيرها من الحملات المعنية بتوثيق إجرام السلطة العسكرية، وتقديم العون القانوني والإعلامي لضحاياه من المعتقلين والمفصولين والمهددين بالفصل بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية.

إلى أين؟
أوشك العام الدراسي على الانتهاء، ومع اقتراب نهايته تبدو الصورة شديدة القتامة؛ حيث يستعد السيسي، سفاح الثورة المضادة، لتولي الحكم بشكل رسمي، ويفرض نظامه حصاراً محكماً على الجامعات، ولا يتورع عن اقتحامها وقتل طلابها وإصابتهم داخل مدرجات الدراسة، فضلاً عن حملات الاعتقال العشوائي والفصل ومجالس التأديب.

المعركة صعبة والطريق طويل، والكتلة الثورية في الجامعات لازالت صغيرة الحجم وضعيفة النفوذ ولا تشكل ضغطاً حقيقياً على النظام حتى الآن والإحباط يضرب قطاعات مهمة منها. هذه حقائق ينبغي علينا أن ندركها وأن نتقبلها ونتعامل معها في فترة الجزر الشديد التي تمر بها ثورتنا حالياً، وبالرغم من ذلك ومن وحشية الهجمة التي تشنها الدولة بكل مؤسساتها على الجامعات والحركة الطلابية، إلا أن الكيانات الثورية أمامها فرص حقيقية للنمو في الجامعات وخارجها والضغط والتأثير على المدى القريب والمتوسط، بشرط أن تتعامل مع الواقع بشكل عقلاني، دون إحباط ودون توقعات خيالية، وأن تطور أدوات عملها وخطابها بشكل يربط من ناحية بين مطالب الطلاب والنضالات السياسية ضد مجرمي الثورة المضادة ودولتهم وقوانينهم، ويربطها من ناحية أخرى بالنضالات الاجتماعية للعمال والمهنيين والأحياء العشوائية.

هذه الفرص لن تدوم طويلاً وعلى قوى الثورة في الجامعات الاستفادة منها بشتى السبل، وأن تنتبه إلى أن وجودها واستمرارها مرهون بتنظيم صفوفها كي تتمكن من مواصلة العمل بكل الوسائل المتاحة خلال ما تبقى من العام الدراسي وخلال شهور الإجازة الصيفية، التي ستشهد الانتخابات الرئاسية وتشير التوقعات إلى أن الدولة ستشن بعدها هجوماً أشد وطأة على الحقوق والحريات عامة، والطلابية خاصة، وذلك تمهيداً لعام دراسي قادم يأمل نظام العسكر أن يكون قد انتهى فيه من صداع الحركة الطلابية.