بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحقوق والحريات الطلابية في العام الأول للسيسي

مر عام على تنصيب عبد الفتاح السيسي رئيسا للجمهورية. مر أول عام بسرعة فائقة ولم يُخيب السيسي الظنون في توجهات نظامه المباركية، فتعرض المجال العام لإغلاق تام وساد التضييق على كل شيء وكل نشاط سياسي أو اجتماعي أو ثقافي، وعادت السلطات الأمنية لتتحكم في كل شيء من جديد. أما الوضع الاقتصادي فلم يتطور خطوة واحدة ولم نر سوى مجموعة من المشاريع الوهمية والوعود المستقبلية، التي لا ندري عن تفاصيلها أي شئ مثل مشروع المليون وحدة سكنية الذي أُغلق تماما، والمؤتمر الاقتصادي الذي لم تطلعنا الحكومة على ما تم فيه من صفقات وتعاقدات بشكل حاسم وشفاف حتى نستطيع أن نقيّم ونحاسب ونراقب خطوات الحكومة أو الشركات في التنفيذ، بالإضافة للتسهيلات المستمرة لرجال الأعمال في مقابل غلاء الأسعار ورفع الدعم عن الفقراء.

هذا بخصوص الشأن العام أما بخصوص الشأن الجامعي – شأننا اليوم – فلم يختلف الأمر كثيرا فالجامعة ليست بمعزل عن المجتمع وعما يدور فيه، وسنفرد في هذا المقال كشف حساب للسيسي ونظامه، وسياساتهم وممارساتهم نحو الطلاب وما أصاب حقوق الطلبة في هذا العام، وعلاقة هذا كله بكفاءة الجامعة ومنتجها الأساسي “الطالب”.

قبل الحديث عن حقوق الطلبة وما يتعلق بها سنتحدث عن التعليم الجامعي بشكل عام وعن رؤية النظام له، في الحقيقة لم يطرح نظام السيسي تطوير التعليم الجامعي والنهوض به من حالة الانحدار التي يستمر فيها، فلا رؤية، ولا تصورات، ولا خطط استراتيجية، ولا مشاريع للتطوير، وبالتالي النتيجة النهائية أن التعليم كما هو في حالته التي يرثى لها، لتُدار الجامعات بالبركة ويتم التعامل مع المشكلات بالقطعة في مشهد خال تماما من أي رؤى وأفكار، وعليه لا عجب من استمرار التعليم الجامعي في الانحدار أكثر وأكثر.

ومع غياب الرؤية يغيب كل شيء آخر فلا يعلم النظام ماذا يريد من الجامعة، وكيف يريد خريجوها، وكيف سيستفيد منهم!، ناهيكم عن المستوى الرديء للتعليم ما قبل الجامعي الذي لم يحدث فيه أي تغيير هو الآخر، والذي بالتأكيد يؤثر على مستوى الجامعة بشكل أساسي.

وقبل الحديث عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحقوق السياسية والمدنية، سنتطرق للحق في الحياة والحق في جامعة آمنة، هذا الحق الذي استمر سحقه في عام السيسي الأول بجدارة، امتدادا للممارسات القمعية لقوات الداخلية في الجامعات والتي أدت إلى مقتل 18 طالبا داخل الحرم الجامعي في السنة السابقة لحكم السيسي، تلك السنة المحسوبة على النظام الحالي أيضا.

أما في عهد السيسي، فقُتل طالبين داخل الحرم الجامعي وهما الطالب “عمر شريف” الذي توفي برصاص الداخلية بعد اقتحامها لجامعة الإسكندرية في الأحداث التي عرفت باسم “مجزرة هندسة”، حيث توفى عمر بطلقات نارية في الصدر وانفجار في مقلة العين وتهتك في الرئة، والطالب الآخر هو الطالب “أنس المهدي” الذي تم قتله بأيدي الأمن الإداري لجامعة القاهرة ولقى حتفه بعد غيبوبة استمرت 27 يوم إثر إصابته بارتجاج في المخ نتيجة تعرضه للضرب داخل الحرم الجامعي على أيدي رجال الأمن الإداري الذي من المفترض وظيفتهم حماية المنشآت وتأمين الطلبة لا قتلهم.

هكذا أصبحت الجامعة مكان غير آمن يقُتل فيه الطلاب بدم بارد ولا يُحاسب القتلة فيزداد الأمر سوءا يوما بعد يوم. وفي سلسلة طويلة من الانتهاكات اُختطف “إسلام عطيتو” الطالب بهندسة عين شمس، والذي وُجد مقتولا في الصحراء برصاص الداخلية التي زعمت قتله خلال مطاردة الشرطة له أثناء اختباءه في الصحراء، بدعوى تورطه في قتل العقيد وائل طاحون، في نفس الوقت أكدت كاميرات الكلية حضور الطالب الامتحان في اليوم السابق من العثور على جثته، فكيف يحضر الامتحان إذا كان هاربا ومن ثم يذهب للاختباء في الصحراء مرة أخرى؟!

ومع إصرار الطلاب وعدد من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة على تقديم ما يثبت اختطاف الطالب بعد أداء امتحانه للنيابة، اضطرت الداخلية للتراجع وأخذت تصريحاتها الصحفية تتضارب لتفتح أخيرا التحقيق في مقتل الطالب إسلام.

ودون القتل توجد كمية هائلة من الانتهاكات في حق الطلاب، فقد بلغ عدد الطلاب المعتقلين حوالي 1900 طالبا وفقا لإحصاءات المنظمات الحقوقية، وحوالي 833 حالة فصل للطلاب – وفقا لحصر مؤسسة حرية الفكر والتعبير – نصفهم تم فصله فصلا نهائيا من الجامعة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد حيث زاد الاختفاء القسري للطلاب إلي أماكن مجهولة، آخرهم الطالب أحمد خطاب أمين اللجنة السياسية والثقافية بهندسة حلوان.

أما عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فحدث ولا حرج، فمع بداية العام الدراسي الحالي تم رفع مصاريف المدن الجامعية للضعف تقريبا، بالرغم من عدم حدوث أي تغيير في البنية التحتية المتهالكة لهذه المدن التي يعلم أي طالب مصري مدى قبحها وعدم ملائمتها كسكن آدمي. في هذه المدن تجد كل شئ غير نظيف سواء مياه أو تغذية أو غرف النوم أو قاعات المذاكرة، ومازالت المدن على هذه الحالة بالرغم من تأجيل بدء العام الدراسي الحالي بحجة “التطوير” كما زعم وزير التعليم العالي.

وعن الحق في الرعاية الصحية، فمازالت المستشفيات الجامعية لا تقدم أي رعاية صحية بالمستوى المطلوب، ومَن يدخلها بمرض واحد قد يخرج بالعديد من الأمراض، ومازالت أغلب الجامعات لا يتوفر بها عيادة صحية للإسعافات الأولية أو حتى سيارة إسعاف، وقد شاهد طلاب هندسة القاهرة في شهر أكتوبر الماضي زميلهم “محمد عمرو عبد الوهاب” يلقى حتفه بعد أن سقط من سلالم كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وبالطبع لم تسعفه العيادة الصحية الوهمية الموجودة في الكلية والتي لا تحتوي على أي تجهيزات أو معدات.

وعن الحق في التعليم المجاني الذي يكفله الدستور، سنجد أن المجّانية مجرد كلمة في دستور يخالفه النظام في كل يوم وفي كل ساعة، فالطلاب يدفعون المصروفات الدراسية وينفقون الكثير من الأموال على وسائل وأدوات للتعليم – خصوصا الكليات العملية – والتي من المفترض أن توفرها الجامعة، بالإضافة لمصروفات يدفعها الطلاب في كورسات وتدريبات خارج الجامعة بسبب تدني المستوى العلمي المقدم في الجامعة، ولا زالت الكتب الجامعية لا تخضع لمعايير واضحة لقياس مدى جودتها، كما أن سعر الكتاب الجامعي لازال بدون رابط ولا حاكم بالرغم من وجود تسعيرة وضعها المجلس الأعلى للجامعات للكتب الجامعية.

أما عن الحقوق السياسية والمدنية، فالحديث عنها أشبه بالكوميديا السوداء؛ فالحق في التنظيم وتكوين الأسر الجامعية تم نسفه قبل بداية العام الدراسي الحالي من خلال قرار حظر كافة الأسر ذات الطابع السياسي في كل الجامعات، وبالطبع الحق في التظاهر – الذي يكفله الدستور – لا يحتاج للذكر فما من مظاهرة تخرج في الجامعة إلا وتتدخل الشرطة لفضها واعتقال المشاركين فيها وفي الأغلب يكون الاعتقال عشوائيا فيطول غير المشاركين أيضا، وصار الحق في التعبير جُرما في الجامعة وأصبح المخبرين والأمن في كل مكان لرصد أي طالب يتحدث في السياسة – ولو على مواقع التواصل الاجتماعي – وتعقبه بشكل مهين حتى إسكاته أو فصله أو اعتقاله.

انتخابات الاتحادات الطلابية، الممثل الشرعي للطلاب، لم تجر هذا العام بلا سبب، حيث قامت الوزارة بالمماطلة في وضع لائحة طلابية بمعزل تام عن الطلبة حتى انتهى الفصل الدراسي الأول، لتعلن البطلان القانوني لإجراء الانتخابات في الفصل الدراسي الثاني، لأن اللائحة تنص على إجرائها في بداية العام الدراسي.

إضافة مادة انتقالية في اللائحة نظرا للظرف الاستثنائي، كان كفيلا بحل الأزمة القانونية الخائبة التي تحدثت عنها الوزارة إن كانت لديها الرغبة في إجراء الانتخابات، بل كان من الأولى عدم المماطلة وتضييع فصل دراسي كامل في وضع لائحة تقلص من صلاحيات الاتحاد – غير الموجود أصلا – وتضعه تحت رحمة الإدارة في كل كبيرة وصغيرة.

وبناء على كل ماسبق تعاني الجامعة والحياة الطلابية من حالة ركود وخمول شديدة، فلا توجد اتحادات طلاب ولا توجد أُسر، وحتى الأسر الموجودة تذوق الأمرين لإقامة أي نشاط بسبب الروتين الإداري البغيض والتضييق المحكم من قبل إدارات الجامعات للسيطرة الكاملة على الحياة الطلابية داخل الجامعة.

مع مرور عام على انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيسا للبلاد، تبدو المحصلة واضحة وضوح الشمس، فقد فشل السيسي فشلا ذريعا في التعامل مع التعليم والجامعات كغيرها من الملفات والقضايا التي تفضح فشل النظام يوما بعد يوم، هذا النظام الذي لا يجيد سوى النهب والإجرام الأمني ويسعى بكل جهده لإخراس الجامعات وطلابها وحرمانهم من أبسط حقوقهم، لن يتطرق أبدا لتحسين أوضاع الطلبة أو تطوير التعليم العالي أو غيرها من القضايا المُلحة، وستستمر الجامعات والعملية التعليمية برمتها على حالها المزري طالما استمر الحال على ما هو عليه، وسيتواصل انضمام  مئات الآلاف من الخريجين سنويا إلى صفوف البطالة ودائرة الحلم الضائع والمستقبل الضبابي، إضافة إلى أن استمرار السياسات الأمنية وغلق كافة مساحات العمل السياسي يُكرّس إحساس الملايين من الشباب والطلاب باليأس من أي مستقبل في مصر، لتصبح أقصى أمانيهم الهجرة منها بأي وسيلة ممكنة، ويدفع قطاعات منهم في اتجاه ممارسة العنف أو مباركته على الأقل، بدافع التشفي في الجهات التي تقمعهم.