من الجامعة كأداة للدولة إلى فضاء خاضع للسيطرة

لم تكن لحظة 1952 مجرد انقلاب على النظام السياسي القديم، بل لحظة إعادة تعريف جذرية لدور المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها الجامعة. فبينما كانت الجامعات قبل يوليو فضاءً مفتوحًا للصراع ضد الاحتلال والملكية، تحولت في الحقبة الجديدة إلى مجال يجب احتواؤه وتوجيهه لخدمة مشروع الدولة الوليدة. هذا المقال يتتبع التحولات التي مرت بها الجامعة: من ساحة تعبئة سياسية، إلى مركز مقاومة، ثم إلى فضاء للقمع، وصولًا إلى الخضوع الكامل لآليات السيطرة.
من التعبئة إلى الانفجار: الجامعة في عهد عبد الناصر والسادات
مع وصول “الضباط الأحرار” إلى الحكم، لم تعد الدولة ترى الطلاب كقوة معارضة، بل ككتلة يجب إدماجها في الجبهة الوطنية. جرى تفكيك التنظيمات المستقلة واستبدالها باتحادات رسمية خاضعة للسلطة، وعلى رأسها الاتحاد الاشتراكي. حُصرت أنشطة الطلاب في الفعاليات الثقافية والرياضية، بينما أُفرغت الانتخابات من مضمونها عبر قوائم موالية. الهدف كان واضحًا: تعبئة وحشد الطلبة لدعم النظام السياسي، وإنهاء أي تحالف محتمل بين الطلاب والعمال، بعدما أثبت هذا التحالف أنه قادر على تهديد السلطة.
لكن مشروع الاحتواء حمل تناقضًا داخليًا. فالنظام رفع شعارات التحرر ومقاومة الإمبريالية، في الوقت الذي فرض قيودًا صارمة على الحريات داخل الجامعات. جاءت هزيمة يونيو 1967 لتكشف هشاشة هذا التناقض، فانهار الخطاب الرسمي، وتحولت قاعات المحاضرات إلى ساحات نقاش سياسي مفتوح حول الحرية والمحاسبة. تصاعدت الحركة الطلابية مع احتجاجات فبراير 1968 واعتصامات يناير 1972، ثم بلغت ذروتها بمشاركتها الفعالة في انتفاضة الخبز عام 1977. هنا أثبت الطلاب أنهم قادرون على لعب دور طليعي يربط الجامعة بالسياسة.
السيطرة المؤسسية وصعود الإسلاميين: الجامعة في عهد مبارك
مع تراجع اليسار في الثمانينيات، ملأت الحركات الإسلامية الفراغ، مهيمنةً على اتحادات الطلاب عبر الجمع بين العمل الدعوي وتقديم الخدمات. كان ذلك نتيجة مباشرة لسياسات النظام التي استهدفت تفكيك اليسار وتجفيف أي حراك سياسي.
لم يكن النظام ليسمح بترك الجامعة لهذا النفوذ، فابتكر إستراتيجية جديدة: السيطرة المؤسسية. أُدخل “الحرس الجامعي” التابع لوزارة الداخلية إلى الحرم، في خطوة جسدت رؤية الدولة للجامعة كتهديد أمني. عُدّلت اللوائح لتجريم أي نشاط مستقل، وتحول الحرم إلى فضاء مراقَب أمنيًا.
ورغم هذه القبضة، فجرت أحداث إقليمية مثل الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، وغزو العراق عام 2003 موجات احتجاجات واسعة، كسرت تدريجيا جدار الخوف. وفي منتصف العقد الأول من الألفية، التقت الجامعات مع حركات معارضة جديدة كـ”كفاية”، لتجدد دور الطلاب كقوة سياسية. بلغ هذا الزخم ذروته مع حكم القضاء عام 2010 بإلغاء الحرس الجامعي، فتنفست الجامعات حرية. جاءت ثورة يناير 2011 لتفتح الباب على مصراعيه: انتخابات طلابية حقيقية، ندوات سياسية، وحرم جامعي استعاد مكانته كساحة للتفكير والتعبئة.
من الانفراجة إلى الحصار: منظومة السيطرة الشاملة (2011–الآن)
انطفأ هذا “الربيع القصير” سريعًا. فبعد 2013، انتقلت الدولة من سياسة الاحتواء إلى سياسة التفكيك الشامل. عادت الشرطة بقوة إلى الجامعات، وتعاقدت الدولة مع شركات أمن خاصة مثل “فالكون”، ما أدى إلى مواجهات دامية واعتقالات بالجملة. شُرعت قوانين تسمح بمحاكمة الطلاب أمام القضاء العسكري وتجريم أي تجمع غير مصرح به. وشهد العام الدراسي 2013 -2014 الذي تالي الانقلاب مقتل 14 طالب داخل حرم جامعتهم، وبين أكتوبر 2014 وأغسطس 2015 حُكِم 223 طالًب عسكريًا.
تزامن ذلك مع تفكيك الأطر المؤسسية للحركة الطلابية. أُلغي انتخاب القيادات الجامعية ليُستبدل بالتعيين الرئاسي، وأُطيح بنتائج انتخابات اتحاد طلاب مصر عام 2015 قبل أن يُلغى الاتحاد القومي كلية. بهذا أُجهضت أي إمكانية للتنسيق الطلابي على مستوى وطني.
الهدوء الظاهر داخل الجامعات اليوم ليس انعكاسًا لغياب السياسة من وعي الطلاب، بل نتيجة منظومة محكمة من السيطرة المؤسسية والأمنية، وتفكيك كل الكيانات السياسية. ولقي هذا التفكيك اليوم بالأثر الكبير على الجامعات المصرية التي كانت دائمًا منبع للقيادات والكوادر في المختلف القوى السياسية المعارضة، تاريخ الجامعة في مصر يظل في جوهره تاريخ صراع على الشرعية: من فضاء للتفكير النقدي والعمل العام، إلى فضاء مُصادر بالكامل، ما يفتح الباب لتساؤلات جادة حول مستقبلها كحاضنة لأي تغيير ديمقراطي.





