بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حصاد العام الجامعي

انتقلت المواجهة الحاسمة بين الدولة والجماعات الإسلامية إلى ساحات الجامعات. فقد شهدت الجامعات المصرية خلال العام الماضي تصاعدا في المواجهة بين السلطة والتيارات الإسلامية أسفر عن إنهاء سيطرة الإسلاميين على أغلب الاتحادات الطلابية، ومن ناحية أخرى استمرت الدولة في محاولاتها لرفع المصاريف بشكل مباشر إلى خمسة أضعاف قيمتها الحالية إلا أن الرفض الطلابي كان سببا في تأجيل التنفيذ الفعلي لزيادة المصاريف. كيف تمكنت الدولة من القضاء على احتكار الإسلاميين لقيادة الطلاب ولماذا تراجعت عن زيادة المصاريف؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

قبل بداية العام الدراسي بأسابيع قررت جامعة عين شمس زيادة المصروفات إلى خمسة أضعاف قيمتها الحالية، وفى بعض الكليات كان يجب دفع تأمين للمعامل والورش يبلغ 100 جنيه بجانب المصروفات. بينما لم تتغير كثيرا المصروفات في جامعة القاهرة حيث تبلغ بالفعل خمسة أضعاف المصروفات في جامعة عين شمس، وأثار هذا القرار استياء معظم الطلاب وتأخر الكثيرين في سداد المصروفات، وفى كلية الهندسة دعا اليسار الطلاب لعدم دفع المصاريف، وفى النهاية ألغى القرار قبل أن تتطور الأحداث. ويبدو أن الدولة كانت تستعد لمواجهة أصعب جعلتها تؤجل تنفيذ القرار.

وجاءت المواجهة سريعا، في الانتخابات الطلابية خلال شهر نوفمبر، ولأول مرة تنفذ السلطة شطب واستبعاد المرشحين بهذه الدرجة المذهلة، فقد تم استبعاد ليس فقط كل مرشحي الجماعات الإسلامية والأعداد الضئيلة من اليسار، بل تم استبعاد معظم طلاب النشاط وكل من كانوا مجهولين للإدارة، والنتيجة انه في بعض الكليات تبقى أعداد من المرشحين أقل من مقاعد اتحاد الطلبة، وبلغت الأرقام شطب 700 مرشح في جامعة القاهرة، وأكثر من 900 في جامعة عين شمس وأعداد مماثلة في باقي الجامعات. ولجأ عدد من المستبعدين للمحكمة، وبالفعل صدر حكم بوقف إجراء الانتخابات في جامعة القاهرة، وحكم آخر ببطلان نتيجة الانتخابات في جامعة عين شمس. ولكن نجحت الإدارات في الحصول على حكم استئناف بإجراء الانتخابات في القاهرة، وصحة نتيجة الانتخابات في جامعة عين شمس. وكانت انتخابات عين شمس قد أجريت قبل صدور الحكم، وفيها لم يكن هناك أي مظهر من مظاهر الانتخابات لعدم وجود أي مرشحين غير من اختارتهم الإدارة والأمن.

وفى جامعة القاهرة كانت المواجهة أعنف، حيث تبقى بعض مرشحين للجماعات الإسلامية، التي نظمت حملات انتخابية تضمنت تشهيرا بالإدارة والأمن واستبعاد المرشحين، بينما جندت السلطة كل أسلحتها بعد الشطب، من تدعيم عناصرها المرشحة والتضييق على العناصر الإسلامية، وتجنيد أجهزة الإعلام وخاصة الصحف للتشهير بالمرشحين الإسلاميين تحت دعوى مواجهة الارهاب. وبالفعل نجح مرشحي الأمن في السيطرة على نسبة كبيرة من الاتحادات وأنهوا سيطرة الإسلاميين على اتحاد الجامعة، وتكرر المشهد والنتيجة في معظم الجامعات.

ولعل أبرز دلائل الانتخابات هو وضوح اصرار الحكومة على “تطهير” الاتحادات من أي عناصر سياسية وخاصة الإسلامية. وفى سبيل ذلك تم التضحية بالاستراتيجية السابقة، وهى تجهيز تجمعات طلاب موالية للنظام مثل “حورس” وتم استبعاد حتى طلاب النشاط العاديين.

الظاهرة الثانية هي ضعف تماسك التيار الإسلامي، تحت ضغط الضربات الأمنية المتواصلة، وعلى الرغم من استمرار هيمنة التيار الإسلامي على الجامعات، وانه لا يزال القوة الرئيسية وسط الطلاب وخاصة معقلهم الرئيسي في جامعة القاهرة، إلا أن هذه الهيمنة بدأت تضعف على مستوى التنظيم والقدرة على تحريك الطلاب للتصدي للتدخلات الأمنية في الانتخابات.

كما شهد هذا العام زيادة في الحركات المطالبة بمطالب تمس مصالح الطلاب مباشرة، فإضافة إلى تحركات بداية العام الخاصة بزيادة المصروفات، قام طلاب كلية العلاج الطبيعي بتنظيم مظاهرة داخل جامعة القاهرة، احتجاجا على قرار الجامعة بقبول طلاب حاصلين على درجات في الثانوية العامة أقل من الحد الأدنى للكلية مقابل دفع 6000 جنيه، واعتبر الطلاب ذلك تضحية بمستقبلهم لصالح من يملكون المال وتبيع لهم الجامعة الشهادة.

كما شهدت نهاية العام تكرارا لمحاولة رفع المصروفات ولكن هذه المرة لطلاب الانتساب، حيث قررت جامعة عين شمس مساواتهم بطلاب الانتساب الموجه وبذلك ترتفع مصروفاتهم إلى 350 جنيه، وأثار هذا القرار استياء الطلاب وبدأت محاولات لتنظيم أشكال للاحتجاج على ذلك، ولكن مرة أخرى تراجعت الجامعة ووزارة التعليم وقامت بسحب القرار. ولعل أهم دلائل هذه المحاولات، هو اصرار الحكومة على خصخصة التعليم ورفع قيمة المصروفات الدراسية، والمؤكد أنها ستكرر ذلك في العام الدراسي القادم.

كما أن هذه التحركات تعلن بوادر اتجاه لتطوير مطالب مباشرة للطلاب خاصة بالعملية التعليمية ذاتها. من ناحية أخرى شهدت جامعتي عين شمس والقاهرة محاولات للتظاهر احتجاجا على مشاركة إسرائيل في معرض القاهرة الصناعي الزراعي قبيل انتهاء العام الدراسي، وتصدى لتنظيمها الطلاب اليساريين والناصريين. ولم تحقق نجاحا كبيرا في جذب اهتمام وتضامن الطلاب حيث اقتصرت على عشرات في جامعة عين شمس وربما مئات في بعض الأيام، وأعداد أقل في جامعة القاهرة، وانتهت الأحداث باعتقال أعداد من الطلاب لفترة أسبوعين، ولم تنجح محاولات تنظيم حملات تضامن طلابية مع المعتقلين، ربما لفشل اليسار حتى الآن لبلورة ارتباط حقيقي بالطلاب وتطوير أشكال تنظيمية ديمقراطية قادرة على حشد الطلاب وقيادتهم.

ولا شك أن التحركات المطلبية الطلابية وان كانت لا تزال مكبلة إلا أنها في ازدياد، إذا أضفنا لذلك المحاولات المتكررة من السلطة لإحكام سيطرتها على الجامعات واستبعاد كل التيارات السياسية، وتصفية التيار الإسلامي، تبدو احتمالات المواجهة العام القادم ساخنة، وبها العديد من المواجهات المحتملة بين الطلاب والسلطة حول القضايا الطلابية الديمقراطية والسياسية العامة.