بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحركة الطلابية ومعركة التغيير

بعد صيف ساخن لحركة التغيير في مصر، صيف كثرت فيه المظاهرات والحركات الاحتجاجية التي جذبت مجموعات من الشباب من خلفيات سياسية مختلفة وغيرهم من غير المسيسيين يرغبون في تغيير الواقع ويبحثون عن دور لهم في المجتمع. وبعد شهور من مناقشات واجتماعات وخلافات، تطلع الجميع مع بداية العام الدراسي إلى الجامعة وكثر الكلام عن أهمية لدور فاعل للطلبة في معركة التغيير التي أعلن نشطائها أنها لم تنتهي بعد.

فماذا حدث في الجامعات المصرية بعد أن قارب الفصل الدراسي الأول على الانتهاء؟ هل قام الطلبة بالدور المنتظر في معركة التغيير؟ هل جذبت حركة التغيير وجبهة المعارضة جموع الطلبة بمطالبها؟ هل تبنت حركة التغيير مطالب الطلاب والتحمت بحركتهم؟

لقد شهدت الجامعة عدة مظاهرات وفعاليات قام بها أساساً طلاب الإخوان المسلمون الذين قرروا النزول إلى ساحة الجامعة ليس فقط بقوة، لكن بشكل مختلف. فبدءا من تغيير الاسم من طلبة التيار الإسلامي لطلبة الإخوان المسلمين، وتغيير الشعار إلى (جامعة حرة في وطن حر) ذلك الذي كان تاريخياً ولعقود هو شعار التيارات اليسارية المختلفة. وحتى تغيير مطالبهم التي أصبغت سابقاً بصبغة دينية لا تمت لمشكلات الجامعة اليومية بصلة حقيقية إلى مطالب من نوعية: (إسقاط لائحة 79- رفع يد الأمن عن الجامعة- الحديث عن المصروفات وسعر الكتاب). ويعتبر ذلك انعكاس لموقفهم خارج الجامعة كنزول المظاهرات الإخوانية للشارع ورفعهم شعارات تطالب بإسقاط قانون الطوارئ، ودخولهم في تحالفات مع قوى أخرى مطالبة بالتغيير. منذ الأيام الأولى لبداية الدراسة وحتى الآن نظم طلبة الإخوان مظاهرات عديدة في جامعات مختلفة يستعرضون فيها قوتهم ويثبتون أنهم بلا منازع أكبر وأقوى فصيل سياسي في الجامعة وخارجها. كان أقوى هذه التحركات هي مظاهرة 11 أكتوبر في جامعة القاهرة، حيث حشدوا ما يقرب من 15 ألف طالب في الكليات المختلفة، يهزون أرض جامعة القاهرة بشعاراتهم المطالبة بالديمقراطية والمنددة بالأمن.

ولكن أين التيارات السياسية الأخرى وما هو موقف جموع الطلبة من هذه التحركات؟

إذا ما سلمنا بالحقيقة القائلة أن الحركة الطلابية هي ذلك الترمومتر الذي يعبر عن مدى الحراك الاجتماعي والسياسي في المجتمع ككل، فإن دخول الجامعة بعد 7 سبتمبر وفوز مبارك في انتخابات الرئاسة وأفول نجم حركة التغيير هو التعبير الأمثل عن فشل حركة التغيير في ربط المطالب الديمقراطية بالمطالب الاجتماعية, وهو أيضاً تعبيراً منطقياً عن عدم ارتباطها بالجماهير ومشاكل واقعهم اليومي.

فإلى الآن، ورغم كل التوقعات، لازالت الأغلبية العظمى من الطلبة يقفون موقف المتفرج السلبي وينظرون إلى التيارات السياسية في الجامعة كأنهم يشاهدون مشهداً تليفزيونياً لا ينتمون له ولا يهتمون بما يطرحه من رؤى سياسية تربط أوضاع الجامعة بما هو خارجها وتطالب بالتغيير الجذري لهذه الأوضاع.

تلك المطالب التي ظلت مقصورة على الطلبة المسيسيين. أما عن باقي التيارات السياسية، فحجمها قزمي بالمقارنة بالإخوان المسلمين، وهم يحاولون أن يجدوا لهم مكان في الساحة السياسية في الجامعة باستخدام الأدوات والفعاليات التي تتناسب مع حجمهم (معارض أسبوعية- بيانات- نشرات- الخ).

ولكن هل الوضع في الجامعة بهذه القتامة؟

برغم كل ما ذكرنا عن سلبية الطلبة وعدم مشاركتهم بفاعلية في ما يجري حولهم في الجامعة لا يمكننا تجاهل ذلك التغير الملحوظ عن العامين السابقة. أول هذه التغيرات هو تلك التشكيلات الطلابية الوليدة مثل “طلاب من أجل التغيير” التي خرجت من حركة “كفاية” و”شباب من أجل التغيير” في محاولة للعمل المشترك في الجامعة. ورغم الصعوبات التي تواجهها لقلة عدد نشطائها ونتيجة لبعض الميول لعصبوية والخلافات التكتيكية والأيديولوجية بين التيارات السياسية المشاركة بها، لكنها ما زالت لديها إمكانيات ضخمة للعمل داخل الجامعة وجذب عدد من الطلاب لها. وبالطبع لن يفوتنا التذكير بأن مستقبل “طلاب من أجل التغيير” مازال مرتبطاً بمستقبل حركة التغيير خارج الجامعة وقدرتها على خلق جذور لها في المجتمع.

الشكل الثاني من أشكال التنسيق هي “اللجنة التنسيقية للعمل الطلابي” التي قامت بمبادرة من الإخوان المسلمين وضمت حتى الآن العديد من التيارات (الطلاب الاشتراكيون – حزب العمل – حزب الوفد – الإتحاد الوطني لطلاب مصر) هؤلاء شاركوا معاً في فعاليات محدودة حتى الآن (مؤتمرين في نقابة المحاميين- مظاهرة أمام جامعة عين شمس ضد تدخل الأمن في المدن الجامعية – مظاهرة أمام وزارة التعليم العالي إحتجاجاً على شطب الطلبة في الانتخابات الطلابية) لكن يعيب هذه اللجنة التفاوت الكبير في الأعداد بين مختلف التيارات.

الميزة الأساسية لهذه المجموعات واللجان التنسيقية هي وحدة الحركة من أجل مطالب محددة، تتميز بأنها مطالب تخص القضايا الجامعية، وتحاول ربطها بقضايا المجتمع.

كما تميز هذا العام الدراسي بنشاط بعض من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات من أجل مساندة مطالب الطلاب، واحتجاجا على الانتهاكات الأمنية ضد الطلبة. هذا الشريك الغائب في الجامعة الذي طالما أخذ مواقف سلبية أو في معظم الأحيان معاديا لهم، بدأ أفراد منهم يدركون أن الجامعة لن يصلح حلها، ولن تتحقق الحريات الأكاديمية التي يصبون إليها إلا بتكاتفهم ومساندتهم لحقوق الطلبة ولحرية النشاط الطلابي، لن ترفع يد الأمن عنهم إلا بوقوفهم جنبا إلي جنب مع الغالبية العظمى من أهل الجامعة أي طلابها.

تميزت دائما الحركات الطلابية في مصر والعالم بفترات صعود وهبوط متعاقبة، وخلال عقود طويلة سابقة في مصر، ارتبطت الحركة الطلابية بالقضايا الوطنية (الصراع العربي الإسرائيلي, مناصرة الانتفاضة، الحرب على العراق). فهل سينتفض الطلبة الآن منادين بالديموقراطية داخل الجامعة، بتعليم أفضل، بمصاريف وأسعار كتب تناسب دخول أسرهم المحدودة؟ هل ستمتد رياح التغيير في المجتمع إلى الجامعات؟ الإجابة على هذه الأسئلة تنقسم إلى جزأين، الأول نجاح حركات التغيير في الارتباط بالمطالب والمشاكل الجماهيرية، والثاني هو استمرار حركة التنسيق بين الفصائل السياسية المختلفة سويا مع الاحتفاظ بتمايزهم داخل الجامعة، في محاولة لنيل مكاسب ضد الإدارة والأمن، وجذب أكبر عدد من الطلبة لمطالبهم وحركتهم.