بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحرية للطلاب.. بين الحملة والحلم

لم يكُن إعادة الحراك للأوساط الطلابية التي جُرِّفَت ومُيِّعَت وأُفرِغَت من كل كوادرها أمراً يسيراً بعد سقوط نظام مبارك وانكشاف الغمة (أو هكذا ظننا)، ولكن بعض المؤشرات – مثل رحيل الحرس الجامعي واستبداله بالأمن الإداري –  كانت تؤكد أن شيئاً ما قد تغير، فدفعتنا تلك المؤشرات إلى أن نبذل ما بذلناه خلال عامين، انصهرنا جميعاً خلالهما في بوتقة البحث عن الحقوق الطلابية التي أصبح سلبها عادة لأي سُلطة حاكمة، مُتناسين في تلك الأثناء انتماءاتنا الحزبية وحتى الفكرية في بعض الأحيان، وأنتجنا معانٍ جديدة للعمل الطلابي لم يعرفها تقريباً أي من أجيال ما بعد السبعينيات.

خاض الطلاب معارك ضارية في ملفات عدة، كان ملف الحريات أهمها، وتجلَّى ذلك واضحاً في أحداث عديدة، كان أبرزها اعتصام طلاب كلية الإعلام من أجل إقالة سامي عبد العزيز عميد الكلية، وآخِر أمين للإعلام بالحزب الوطني، هذا الاعتصام الذي اعتدت عليه قوات الجيش في 23 مارس 2011، ولكن انتصر الطلاب في نهايته.

كان انتشار حملات الدعاية لمرشحي الرئاسة  تجلياً واضحاً للمجهود المبذول في الأشهر التي تلت الثورة مباشرة، ورغم ما واجهته تلك الحملات من تضييق، إلا أن أذرع الدولة العميقة في الجامعات بدَت مُنهَكة غير قادرة على الصمود في وجه الحراك الطلابي الهادر، وبدا أن الثورة قد بدأت تتمكَن من كل ركن في الجامعة، في ظل تزايُد واضح في معدلات تأييد المرشحين المحسوبين على الثورة ـ حينها – على حساب مرشحي النظام السابق.

تباينت الآراء والتوقعات مطلع العام الجامعي 2012 – 2013 حول موقف النظام ـ الإخواني – الحاكم من القضايا الجامعية المختلفة، والتي كان من بينها قضية الحريات الطلابية، وكانت صياغة اللائحة الطلابية هي أول معركة بين جموع الطلاب والاتحاد العُرفي لطلاب الإخوان المسلمين، الذين بدت رغبتهم واضحة في الإبقاء على لائحة أمن الدولة التي ثاروا هم أنفسهم ضدها مراراً وتكراراً، وعدم المساس بها إلا في أضيق الحدود.

حققت اللائحة الجديدة ـ بعد الضغوط التي مورِسَت من القوى الطلابية ـ تقدماً طفيفاً في مساحة الحريات، مثل جعل تأسيس الأُسر بالإخطار، وإعطاء الحق في إلغاء بعض الأنشطة لاتحادات الطلاب، فأخرجت بذلك إدارات رعاية الشباب من المعادلة، وجعلت المعركة طلابية – طلابية.

وكان الفصل الدراسي الثاني من العام المُنصرِم هو الأبرز في الحراك الطلابي، كرد فعل على انتهاكات مثل مقتل الطالبة جهاد موسى دهساً بسيارة إحدى أساتذة الجامعة، وتسمُّم المئات من طلاب جامعة الأزهر بوجبات المدينة، وهجوم بلطجية على مدينة طالبات جامعة القاهرة، وتهديد إحدى طالبات جامعة عين شمس بالقتل، وغيرها من الكوارث التي زادت من حالة الاستنفار في ظل وجود اتحادات طلابية مُنتخبة، كانت على قدر المسئولية في كثير من الجامعات، وخذلت مُنتخبيها في جامعات أخرى.

لم تكُن أيضاً احتجاجات هذه الفترة بمنأى عن الاعتقالات الطلابية الموجودة في حينها، فشهدت كلية هندسة القاهرة اعتصاماً لمدة 10 أيام من أجل الإفراج عن 3 من طلابها المعتقلين على إثر مشاركتهم في فاعلية احتجاجية بجامعة المنصورة، نُظِّمت للتنديد بعدم معاقبة المخطيء في قضية جهاد موسى.

بدأت انتهاكات الحُكم العسكري في ظل العطلة الصيفية للطلاب، الذين لم يكونوا بمنأى عن احتجاجات 30 يونيو وما بعدها، وراح كثير من الطلاب ضحايا للأدوات القمعية الوحشية، وصعدت أرواحهم للقاء ربهم، وبقي آخرون على فُرُش المرض في المستشفيات، ناهيك عن مئات المعتقلين في كل محافظات مصر من شتى الانتماءات السياسية.

قامت مجموعة من الزملاء ذوي الانتماءات المختلفة والمستقلين بتدشين حملة الحرية للطلاب، لأجل الحفاظ على القدر الضئيل من الحريات الطلابية الباقية من مكتسبات ثورة يناير، ومحاولة المُضي قدماً في طريق الإفراج عن الزملاء المعتقلين، وعانت الحملة مثلما يُعاني كل من رفض استبداد أمس وأول أمس، ويرفُض استبداد اليوم، وتعرضت لاعتداءات لفظية قوية في أول محاولاتها للخروج إلى الشارع في مظاهرة طلابية حاشدة أمام دار القضاء العالي، ولكن الزملاء ما زالوا يُصرون على استكمال الطريق وتطوير أداءاتهم، من احتجاج إلى توعية إلى تسجيلات مع معتقلين مُفرَج عنهم.

إن قضية الحريات عامةً، والطلابية منها خاصة، هي غاية وحلم يستحق أن تُفنَى لأجله أعماراً، وأحسب اليوم الذي ينتصر فيه الطلاب على إدارات وأمن الجامعات، هو ذاته اليوم الذي تقف فيه الثورة على أعتاب النصر.

حرية الطلاب ليست مجرد حملة يقوم بها بضعة أشخاص، ولكنها عقيدة يجب أن تترسخ داخل وجدان كل طالب جامعي، وأن يناضل لأجلها، وأن يُقنِع بها المحيطين في الأوساط الجامعية وغير الجامعية.

يا حكومة إصحي وخليكي سامعة .. الثورة جاية من الجامعة.