بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لماذا يجب أن نقاطع مهزلة الانتخابات الطلابية؟

لكي نبدأ في الإجابة على هذا السؤال ينبغي علينا أن نستعرض، من ناحية، جزءاً مما حققته الحركة الطلابية -في سياق الموضوع- على مدار الشهور التي مرت منذ اندلاع ثورتنا العظيمة، كما ينبغي علينا، من ناحية أخرى، أن نضع في اعتبارنا تطور الصراع في الجامعات مع قوى الثورة المضادة من معركة إلى أخرى، وأن نضع في سياق هذا الصراع تلك الانتخابات الطلابية المفاجئة التي تجرى فعالياتها حالياً في جامعات مصر بلائحة 2007 المشئومة، مع ربط كل هذا بما يجري حالياً من أحداث مهمة في مسار ثورتنا المستمرة.

رجعوا التلامذة!

بعد نحو شهرين من اندلاع الثورة، وتحديداً في الخامس من مارس 2011، بدأت الدراسة في الجامعات من جديد، بعد تأجيلها لعدة مرات. وصاحب ذلك انطلاق أكبر موجة من الحراك الطلابي في تاريخ مصر الحديث من حيث أعداد المشاركين فيها أو من حيث اتساع رقعتها؛ فقد شارك عشرات الآلاف من طلاب معظم الجامعات المصرية في اعتصامات وتظاهرات ترفع شعار تطهير الجامعات. وبالرغم من ان المعركة لم تحقق مطلبها الأساسي، نتيجة التفاف النظام على المحتجين، إلا أن الحركة الطلابية نجحت خلالها في انتزاع عدد من الانتصارات كان من أهمها إجراء أول انتخابات طلابية حرة منذ عقود، بعد أن أجبرت وزير التعليم العالي ورؤساء الجامعات على إجراء الانتخابات وفق بروتوكول موحد وضعه الطلاب بديلاً عن لائحة أمن الدولة. وتكونت الاتحادات الطلابية التي تم انتخابها وقتها من طلاب الإخوان المسلمين وطلاباً ثوريين ترشحوا لأول مرة ونجحوا، بالإضافة إلى عدد كبير من طلاب الاتحادات السابقة التي كان يشرف على تشكيلها أمن الدولة.

وقتها نادت الحركات الطلابية كلها بما فيها طلاب الإخوان بحق الطلاب في صياغة لائحتهم الجديدة. وما أن بدأ الطلاب في التحرك لانتزاع ذلك الحق، حتى تم الالتفاف عليهم بتشكيل اتحاد طلاب مصر، وتصعيد الطلاب المتعاونين مع السلطة ليسيطروا على مكتبه التنفيذي، الذي ارتمى في أحضان وزارة التعليم العالي والعسكر، وتجاهل الطلاب في صياغته لمقترح اللائحة خلال أجازة الصيف، وهو الأمر الذي أدى فيما بعد لانسحاب عدد كبير من الطلاب الثوريين، بالإضافة إلى انسحاب اتحادات طلابية بالكامل من المؤتمر الذي عقده المكتب التنفيذي في بداية العام الدراسي بجامعة القاهرة للإعلان عن المقترح، بعد أن تم إقصاؤهم من اجتماعات صياغة المقترح.

قام الوزير بإصدار قرار ببدء العمل بتلك اللائحة -التي هي نسخة منمقة من لائحة 2007- في بداية الفصل الدراسي الجاري، ثم تراجع عن قراره تحت ضغط الطلاب الذين رفضوا أن يتم إقرار اللائحة دون طرحها في الجامعات للاستفتاء أولاً. وبناءً على ذلك تم تأجيل الانتخابات الطلابية على أن يتم إجراؤها في موعدها الطبيعي مع بداية العام الدراسي المقبل. وتوجت القوى الطلابية نضالها بمسيرة حاشدة -لم يشارك فيها الإخوان- إلى مجلس الشعب في 21 فبراير للمطالبة بمجانية التعليم وبالتمثيل في تأسيسية الدستور، ضمن عدد كبير من المطالب التي تضمنت القصاص للشهداء، ووضع حدين أقصى وأدنى للأجور، ورحيل العسكر ومحاكمتهم على المجازر التي حدثت في عهدهم وعلى نهب ثروات البلاد لسنوات طويلة.

الحزب الوطني الجديد

بعدها تظاهر طلاب الإخوان من جامعات مختلفة وحدهم أمام مجلس الوزراء يوم الأربعاء 14 مارس مطالبين بإجراء الانتخابات على اللائحة القديمة (2007)، ليستجيب لهم الوزير ويصدر تعليماته لرؤساء الجامعات بالبدء فوراً فى إجراءات انتخابات الاتحادات الطلابية. ينبغي أن أشير إلى أن طلاب الإخوان قاموا يومها ببناء منصة وتشغيل مكبرات صوت أمام مجلس الوزراء داخل الثكنة العسكرية المحيطة بالمنطقة، مما يؤكد الشكوك حول أن المسألة كلها من تدبير النظام بالتعاون مع الإخوان المسلمين، الذين يستخدمون طلابهم في قطع الطريق على طلاب مصر ومنعهم من انتزاع حقهم في صياغة لائحة تكسر القيود التي فرضتها لوائح أمن الدولة طويلاً على أنشطتهم.

تقتضي الأمانة هنا أن أذكر أن إخوان جامعة القاهرة لم يشاركوا في تلك المظاهرة، وأعلنوا أنهم ضد إجراء الانتخابات الآن ولكنهم سيشاركون فيها إن تمت! وهو موقف رغم اختلافه مع موقف طلاب الإخوان عموماً إلا أنه لا يغير من الأمر شيئاً؛ حيث أنهم يعتبرون أن إجراء الانتخابات قدر لا مفر منه، وبدلاً من أن يناضلوا مع باقي الحركات الثورية لوقف تلك المهزلة اختاروا المشاركة فيها بانتهازية واضحة يؤكدها اعترافهم بهزليتها!!

مات الملك .. عاش الملك

تطلبت المؤامرة أن يعتمد طلاب الإخوان على الجهاز الإداري الذي عانوا منه الأمرين في السابق، وكان من الطبيعي أن يحول ذلك الجهاز ولاءه إلى الإخوان بعد أن صار واضحاً أنهم يحضرون أنفسهم لاعتلاء سدة الحكم.
وعلى طريقة أمن الدولة، تم تعليق صور من القرار في الجامعات على استحياء ابتداءً من عصر الخميس 15 مارس، بعد أن غادر معظم الطلاب كلياتهم، وأيضاً بعد أن تم خداع الطلاب المعتصمين ضد القرار أمام المجلس الأعلى للجامعات بنشر إشاعة تقول أن اجتماع المجلس قد تم تأجيله، وبالتالي سيتم تأجيل فتح باب الترشح، وهو ما علق الطلاب اعتصامهم على أساسه، ليفاجأوا -بعدها بساعات- بالقرار الذي نص على فتح باب الترشح بشروط لائحة 2007 ولمدة يومين فقط، بداية من اليوم الدراسي التالي، الأحد 18 مارس.

ورداً على ذلك نظمت نحو 15 حركة طلابية من جامعات مختلفة مسيرة إلى وزارة التعليم العالي، يوم السبت 17 مارس، للمطالبة بوقف تلك المهزلة وتعطيل العمل بلائحة 2007، وقابل الوزير ومستشاره القانوني وفداً من الطلاب وقالوا لهم بصريح العبارة: “الانتخابات ستتم” (يعني اخبطوا دماغكم في الحيط!!). وبناءً على ذلك انسحب الوفد الطلابي من المقابلة وعادت المسيرة إلى جامعة القاهرة ومن يومها والطلاب معتصمون داخل الحرم قرب مقر المجلس الأعلى للجامعات، مطالبين بإقالة وزير التعليم العالى وإلغاء قراره بإجراء الانتخابات الطلابية على لائحة 2007، وما ترتب عليه من آثار، وتم رفع عدد من الدعاوى القضائية المستعجلة في هذا الشأن. كما دخل عدد من الطلاب في اعتصام مماثل في جامعة عين شمس، وانخرط طلاب عدد من الجامعات الأخرى في حملات جمع توقيعات لوقف الانتخابات وحملات تدعو لمقاطعتها ورفض لائحة 2007، وأي لائحة لم يشارك الطلاب في صياغتها ولم يستفتوا عليها.

وفي محاولة جديدة للالتفاف على الحركة، قامت الجامعات التي تشهد حراكاً طلابياً قوياً بتعديل بعض شروط الترشح المجحفة، وقامت بمد فترة الترشح سعياً لإقناع الطلاب بالمشاركة؛ حيث قامت جامعة القاهرة بمد فترة الترشح ثلاثة مرات دون إبداء أسباب، وتم مد فترة الترشح يوماً واحداً في جامعات أخرى كعين شمس وسوهاج والإسكندرية وجنوب الوادي، فيما اكتفت بعض الجامعات كجامعة الزقازيق بفترة اليومين، وكأن الأمر متروك لاجتهاد كل جامعة.

مِن الآخر!

لا يمكننا فهم التحرك الفردي المفاجئ من جانب طلاب الإخوان، واستجابة الوزير الفورية لهم، ودعم لجنة التعليم في مجلس الشعب ذي الأغلبية الإخوانية لمطالبهم، والمحاولات الحثيثة لاستيعاب احتجاجات الطلاب في الجامعات المنتفضة، إلا في سياق محاولات معسكر الثورة المضادة ومن يقتسمون معه السلطة لفرملة قطار الثورة وإعادة إنتاج نظام مبارك بشكل جديد.

لم يكتفِ الإخوان بالحصول على أغلبية برلمانية بررت الجرائم التي ارتكبت في حق الثوار منذ تم انتخابها، وغضت الطرف عنها كأن لم تكن، بل يحاول نوابهم الآن اغتيال أحلام الشعب في دستور ينحاز إلى الكادحين منه ويصون الحريات العامة والخاصة ويضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكافة المواطنين على حد سواء. وعلى نفس المنوال، لم يكتفِ طلابهم بالاستيلاء على تمثيل الطلاب في تأسيسية الدستور عن طريق اختيار طالب إخواني عبر آلية غامضة وغير ديمقراطية، بل يحاولون أيضاً السيطرة على الاتحادات الطلابية كمقدمة لاستئثارهم وحدهم بكتابة اللائحة التي ستتحكم في النشاط الطلابي في الجامعات خلال الفترة المقبلة. وهم في سبيل ذلك لا يخجلون من استحضار لائحة وأساليب انتخابات أمن الدولة التي طالما استخدمت لإقصائهم وحرمانهم مع غيرهم من الشطاء من التمثيل في الاتحاد قبل بداية الثورة.

والعمل؟؟

من هنا تظهر أهمية مقاطعة وفضح تلك المؤامرة الرخيصة رديئة الإخراج، وعدم الاعتراف بالاتحادات التي ستأتي بها أي انتخابات تتم بذلك الشكل التآمري، أو أي لائحة تقوم تلك الاتحادات بإعدادها.

وقبل أن تتعالى الأصوات متهمة المقاطعين بأنهم يخشون الديمقراطية، أو أنهم يتخوفون من حصول طلاب الإخوان على أغلبية الاتحادات الطلابية ولذلك يستسهلون مسار المقاطعة، تؤكد مواقف الحركات التي تتبنى الدعوة للمقاطعة أنها على أتم استعداد للمشاركة إن توفرت شروط الشفافية والمساواة في الفرص في العملية الانتخابية، فبالرغم من أن التجربة قد أثبتت أن انتخاب اتحاد الطلاب قبل أسابيع معدودة من نهاية العام الدراسي هو أمر فاشل بامتياز، فإن جبهة المقاطعة تطرح مساراً بديلاً لعملية الانتخابات وصياغة اللائحة الطلابية الجديدة، وتتلخص شروط المشاركة لديهم فيما يلي:

1. إقالة وزير التعليم العالي وإلغاء قرار إجراء الانتخابات بلائحة 2007 وكافة الإجراءات المترتبة عليه في كافة الجامعات.
2. اعتماد لائحة 1976 التي صاغها الطلاب بأنفسهم كلائحة مؤقتة بقرار وزاري جديد مع تسهيل شروط الترشح فيها، وفتح باب الترشح بعد أسبوعين أو ثلاثة من تاريخ اعتمادها لإتاحة وقت كافٍ لتشكيل القوائم وصياغة البرامج لضمان انتخابات جادة.
3. تكون المهمة الرئيسية لاتحادات الجامعات واتحاد طلاب مصر، في الفترة من تاريخ تنصيبهم وحتى بداية العام الدراسي القادم، هي صياغة مقترح للائحة طلابية جديدة ،وذلك بالتنسيق مع كافة القوى والأسر الطلابية في الجامعات المختلفة.
4. ينشر المقترح فور الانتهاء منه على الإنترنت وفي جريدة جماهيرية، ويطرح على الطلاب في كافة الجامعات للنقاش، ويلتزم اتحاد كل جامعة بتنظيم ثلاثة مؤتمرات طلابية واسعة في كل جامعة خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من العام الدراسي الجديد
5. يطرح المقترح للاستفتاء خلال الأسبوع الرابع، وإن أقره الطلاب يصدق عليه رئيس الجمهورية الذي سيكون موجوداً وقتها وتجرى انتخابات طلابية جديدة على أساسه بداية من الأسبوع الخامس من العام الدراسي الجديد.

هذا المسار من وجهة نظري هو المسار الديمقراطي الوحيد الذي يمكن أن يلبي الحد الأدنى من طموحات الطلاب في اتحادات قوية مستقلة ولائحة حرة تعبر عنهم فعلاً وفي تمثيل حقيقي في المجتمع. وبالرغم من صعوبة القرار؛ إلا أن الحركة الطلابية في الحقيقة لا تملك اختياراً واقعياً بخلاف مقاطعة وفضح المسرحية التي تجري حالياً والإصرار على الطرح البديل، فمشاركة أي من القوى الثورية في مسرحية كهذه لن تصب إلا في مصلحة من يريدون إعادة إنتاج نظام مبارك مرة أخرى باسم جديد. وعلى القوى الثورية أن تتحد الآن وتركز على بناء الحركات واللجان المستقلة تحضيراً لمعركة سوف تطول وستزداد شراسة، وسنحتاج فيها إلى تنظيم الصفوف أكثر من أي وقت مضى ضد محاولات الانقلاب على ثورتنا، سواءاً كانت تلك المحاولات من العسكر أومن الإخوان أو من كليهما.