بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التعليم الجامعي في خدمة رأس المال

لم يكن توسع الدولة في التعليم الجامعي من أجل سواد عيون الجماهير، ولا لأنها مقتنعة بأن التعليم كالماء والهواء، ولكن لأنها تسعى لتحيق مصالح الرأسماليين ورجال الأعمال الذين يريدون قوة عمل مدربة ماهرة ليستغلوها في مصانعهم وشركاتهم ولا يدفعون لها إلا الفتات.

تدعي الدولة أن التعليم هو مشروعها القومي، وأنها ناجحة في إصلاح التعليم الجامعي والعالي. وتروج الدولة لوهم أنها تصرف على التعليم الجامعي أموالاً طائلة ترهق ميزانيتها، وأن ما تنفقه على التعليم الجامعي يقارب ما تنفقه الدولة المتقدمة ـ إن لم يزد. وتؤكد الدولة ـ على لسان وزير تعليمها حسين كامل بهاء الدين ـ أنها لم ولن تتخلى عن مجانية التعليم الذي لا يزال ـ كما يقول الوزير ـ كما أراده طه حسين كالماء والهواء! ولكنها تعلن بحزم ـ على لسان الوزير أيضًا ـ أنها فقط لن تسمح للطالب الفاشل بأن يحمل الدولة تكاليف تعليمه، وأنها فقط ستسمح للقطاع الخاص أن يساعدها في “الحفاظ على مجانية التعليم” عن طريق السماح له بفتح جامعات خاصة يدخل فيها القادرون ـ ليخلوا مكانًا للفقراء في الجامعات الحكومية.

كل ما تدعيه الدولة هو محض أكاذيب صحيح أن الدولة تدفع 1.5% من ناتجها المحلي الإجمالي في الإنفاق على التعليم الجامعي والعالي، وهي نسبة تقارب السائد في الدول الصناعية المتقدمة، ولكن صحيح أيضًا ـ وهذا ما تخفيه دولتها المستغلة والكاذبة ـ أن هذه النسبة كانت تساوي في مصر في عام 93/94 525 مليون دولار بينما كانت تساوي في فرنسا ـ التي تسعى أيضًا كأختها الرأسمالية المصرية إلى الهجوم على حق الطلاب الفقراء في التعليم المجاني ـ في نفس العام أكثر من 35 ضعف هذا الرقم (18780 مليون دولار)! هذا بالرغم من أن عدد الطلاب المتفرغين بالجامعات في فرنسا لا يزيد كثيرًا عن عدد الطلاب في جامعات ومعاهد مصر.

وصحيح أن الدولة في السنوات الأخيرة توسعت في التعليم الجامعي والعالي ـ حتى أن عدد المقبولين هذا العام وصل إلى حوالي 400 ألف وعدد إجمالي طلاب الجامعات والمعاهد إلى حوالي مليون و 300 ألف وهي أرقام غير مسبوقة في تاريخ التعليم ـ ولكننا جميعًا نعلم أن هذا ترافق مع تدهور في المرافق والإمكانيات والمعدات. هناك أعداد غفيرة من الطلاب لا تجد لها مكانًا في المدينة الجامعية، والجامعات أصبحت مزدحمة، والطلبة يقفون في المحاضرات، والمعامل والورش متهالكة… ألخ ألخ. و لذلك فتباهي الدولة بتوسعها في القبول وادعاءها بأن هذا نجاح وبأنه لا يوجد طالب واحد لم يجد له مكان في الجامعات والمعاهد هو كذب في كذب. فهذه الدولة نفسها ترفض أن تدفع مليمًا لتمويل هذا التوسع. وهذا لأنها تسعى ـ في إطار محاولتها لتكثيف استغلال العمال والفقراء ـ إلى تخفيض الإنفاق على كل الخدمات الاجتماعية للجماهير ـ من صحة إلى إسكان إلى تعليم والنتيجة هي أنه برغم زيادة عدد طلاب الجامعات إلا أن حصيلة الطالب الواحد في سن التعليم في مصر 117 دولار بينما ينفق عليه 2471 دولار في إسرائيل 10837 في سويسرا).

وصحيح أن نسبة المنتظمين في التعليم العالي والجامعي كانت منذ عامين حوالي خمس من هم في الشريحة السنية من 18 ـ 22 سنة (سن التعليم العالي) وهي نسبة تهلل الدولة بأنها تقارب تلك السائدة في الدول الصناعية المتقدمة (22.7%) وكأنما هذا هو غاية المنى، وكأن هذه الدول لا تسعى هي الأخرى لتكثيف الهجوم على الحقوق الاقتصادية للمستغلين وبينهم الطلاب.

الأهم من ذلك أن توسع الدولة في التعليم العالي والجامعي ليستوعب خمس من هم في سن هذا التعليم لم يكن من أجل سواد عيون الجماهير، ولا لأنها مقتنعة بأن التعليم كالماء والهواء، ولكن لأنها تسعى لتحقيق مصالح الرأسماليين ورجال الأعمال الذين يريدون قوة عمل مدربة ماهرة ليستغلوها في مصانعهم وشركاتهم ولا يدفعون لها إلا الفتات فيستطيعون بذلك أن يتفوقوا على منافسيهم العالميين في غزو الأسواق. هذا يتضح بسهولة من دعاوى ربط الجامعة باحتياجات التنمية (يقصدون باحتياجات الرأسماليين)، ومن اتجاه دولتنا المستغلة إلى تحويل الجامعات إلى معاهد تكنولوجية تقذف بالعاملين إلى المصانع.

وعلى الرغم من هذا نجد أن خريجي الجامعات لا يجدون عملاً مناسبًا ـ هذا إن وجدوا عملاً من الأصل. فالجامعة التي تمثل بالنسبة للشباب محاولة للهروب من طابور العاطلين ومنفذًا للنجاة من الجوع والبطالة (التي زادت عن 17%) لم تعد كذلك بعد الآن. الآن نجد مهندسين يعملون في أكثر الأعمال مشقة وأقلها تطلبًا للمهارة، ونجد الدكاترة الصغار الفقراء يعملون الساعات الطوال بجنيهات قليلة. صحيح أن معدلات بطالة الجامعيين هي أقل معدلات في أوساط المتعلمين إلا أن البطالة تتفشى وتتزايد بينهم، وتحكم الرأسماليين فيهم وصل إلى حدود الاعتصار.

من منا يصدق الدولة حين تقول أنها متمسكة بمجانية التعليم؟ صحيح أنها لم تلغ المجانية صراحة حتى الآن ـ اتباعًا لسياسة النفس الطويل في الهجوم على حقوق ومصالح المضطهدين والمستغلين ـ إلا أن جميعنا يعلم أن تكلفة التعليم العالي أصبحت لا تطاق بالنسبة للقادمين من أسر عمالية أو فلاحية أو غيرها فتكلفة التعليم ليست فقط مصروفات دراسية، وإنما كتب وملازم ومذكرات (وهذه أصبحت تجارة رائجة)، ومواصلات، وكشاكيل وأدوات دراسية (خاصة في الكليات العملية)، ودروس خصوصية… ألخ. كل هذه أعباء لا تطاق، ولا تستطيع أن تتحملها أسر الكادحين في وقت ينخفض فيه دخل الأسر الفقيرة بشكل مرعب ويزيد فيه عدد الأسر التي تحت خط الفقر عن 50% وهكذا يضطر عدد كبير من الطلاب إلى الخروج من التعليم الجامعي لعدم القدرة على تحمل تكاليفه، أو إلى الدخول مبكرًا لسوق العمل أثناء الدراسة ليصبحوا عمالة رخيصة، مؤقتة وبدون حقوق ـ لدى الرأسماليين. والنتيجة هي أن نصيب أبناء الكادحين (وهم غالبية المجتمع) من كعكة كليات القمة في التعليم العالي لا يزيد عن 20% بينما تشير بعض الإحصاءات إلى أن ظروف تكثيف الاستغلال والإفقار أدت إلى أن انخفضت نسبة طلاب الجامعات من الفقراء إلى 10%.

وفي بحث على عينة من الطلبة والخريجين أجرى في عام 1973 اتضح أن البرجوازية الكبيرة تصيبها ثلاثة أخماس المهندسين ونصف طلبة الهندسة وثلث طلبة الحقوق، وأن الفئات الوسطى في المجتمع نصيبها ربع المهندسين وخمس طلبة الهندسة وأقل من خمس طلبة الحقوق، بينما لا تحصل الطبقة العاملة الحضرية إلا على 2.8% من المهندسين وأقل من عشر طلبة الهندسة والحقوق. إذا كان هذا هو الوضع في 1973… فكيف يكون الحال الآن؟

والدولة التي تدعي الحفاظ على المجانية تتبع سياسة الخطوة خطوة في إجبار الطلاب الفقراء الذين يحاولون بالتعليم الجامعي الهروب من شبح البطالة، على دفع تكاليف تعليمهم (بالعمل أو الاقتراض أو الموت جوعًا) أو الخروج من هذا التعليم. والتطبيق العملي لسياسة الخطوة خطوة يظهر في تسريب التعليم بمصروفات الباهظ التكاليف إلى داخل الجامعات الحكومية ومن حولها في عام 93/94 كان أكثر من 20% من المقبولين بالجامعات مقبولين بالانتساب الموجه وهو نظام استحدث لإرغام الطلاب ذوي المجاميع الأقل على دفع مصاريف عالية للتعليم الجامعي وفي نفس هذا العام كان 30% من المقبولين بالمعاهد مقبولين بالمعاهد الخاصة ذات المصاريف الباهظة (وهي مشاريع رأسمالية تدر لأصحابها ربحًا وفيرًا).

هذا بالطبع عدا هوجة الجامعات الخاصة (4جامعات حتى الآن و 12جامعة بانتظار الموافقة) التي يدافع عنها وزير التعليم وحسني مبارك والتي أنشئت ليس بغرض رفع مستوى التعليم وإنما بغرض تحقيق الربح لمستثمرين يبحثون عن مشاريع ذات ربح وفير (المصاريف تصل إلى 26 ألف جنيه). فحتى الوزير نفسه اعترف أن هذه الجامعات بها كليات ليس بها إمكانات تسمح بقبول الطلاب. هذه الجامعات هي خطوة في اتجاه تعميم التعليم بمصروفات كاملة وفي اتجاه إجبار الفقراء على دفع تكاليف تعليمهم. وعدا الأقسام الخاصة بمصروفات (من ألفين إلى ثلاثة) في كليات الاقتصاد والحقوق والتجارة ـ والبقية تأتي. وعدا الجامعة المفتوحة.. ألخ.

إن الطبقة الحاكمة المصرية ـ ممثلة في حكومة مبارك ـ ماضية على عزمها في سياسات “الإصلاح” الاقتصادي. وهي تحاول في هذا الإطار أن تعيد بناء سياسات التعليم لتتكيف مع متطلبات واحتياجات الرأسمالية المصرية. واحتياجات الرأسمالية هي عمالة رخيصة ماهرة ومدربة وبدون حقوق. احتياجاتها أيضًا هي أن لا تدفع مليمًا إضافيًا في تكاليف هذه العملية. والنتيجة هي ما نراه الآن من هجوم اقتصادي وأيديولوجي على التعليم الجامعية ومن حصار للطلاب القادمين من أسر كادحة.

هذه الدولة وسياساتها لا تستحق إلا ردًا واحدًا: الهجوم المضاد. هؤلاء المستغلين القذرين لن يتراجعوا عن اعتصارهم لنا إلا إذا أجبرناهم، بمقاومتنا العنيدة، على الرضوخ لمطالبنا. علينا ألا نترك هؤلاء الرأسماليين يحطمون ـ من أجل مصالحهم الأنانية والضيقة ـ حياة الملايين من الكادحين. علينا أن نعلمهم ن الطلاب يقفون في صف التحرر من الاستغلال والاضطهاد.. يقفون في صف الاشتراكية.