بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نضال طلاب الجامعة الألمانية بين الأمس واليوم (2)

اعتصام الجامعة الألمانية بالقاهرة

في الحلقة الأولى من هذا المقال، تناولنا المراحل التي مر بها نضال طلاب الجامعة الألمانية بالقاهرة قبل اعتصامهم الأخير. أما في هذه الحلقة، فنتناول أهم ملامح اعتصام طلاب الألمانية، الذي دام ثمانية عشر يوماً مليئة بالخبرات التي قد تفيد الطلاب الثوار والمناضلين في الجامعات المصرية.

القصاص لكريم خزام
بعد مذبحة بورسعيد التي نفذها جنرالات مبارك بالاستعانة بالبلطجية لمعاقبة الألتراس علي مشاركتهم في الثورة، دعا طلاب الجامعة الألمانية لوقفة حداداً علي روح الزميل الشهيد كريم خزام يوم 18 فبراير الماضي. وما أثار العجب آنذاك أن إدراة الجامعة قد تبنت تلك الدعوة، في محاولة منها للسيطرة علي غضب الطلاب، لكنها في نفس الوقت هددت الطلاب من الهتاف ضد العسكر.

لكن ماحدث كان مختلفاً عما كانت تتمناه الإدارة؛ كانت الوقفة كبيرة بحق، وانفجر غضب الطلاب في هتافاتهم ضد العسكر. حاولت الإدارة احتواء الموقف لكنها فشلت، وسرعان ما صعد الطلاب إلى مقر الإدارة وطالبوا بإزالة النصب التذكاري لمبارك ووضع نصب تذكاري للزميل كريم خزام. رضخت الإدارة بالفعل وقامت بتغطية النصب التذكاري لمبارك بعلم مصر، لكنها وبعد مرور ثلاثة أيام قامت بإرسال أمر بالمثول للتحقيق إلى خمسة من زملائنا (منهم الزميل عمرو عبد الوهاب، رئيس اتحاد الطلاب المنتخب)، ووجهت لهم عدة تهم هزلية منها “التأثير علي الطلاب ودفعهم للتخريب وتعريض حياة زملائهم للخطر”. وبعد يومين قامت بفصل أحد المعيدين الذي شارك مع الطلاب في المظاهرة.

وحين حضر رئيس اتحاد الطلاب للتحقيق وطلب من رئيس لجنة التحقيق أن يعرض عليه اللائحة التي تم بموجبها تعريضه للتحقيق، قام رئيس لجنة التحقيق بطرده. ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن رئيس لجنة التحقيق هو إبراهيم الدميري، عضو الحزب المنحل ووزير قطار الصعيد.

بعد التحقيق مباشرة نزل الطلاب في مظاهرة للتضامن مع رئيس اتحاد الطلاب وبقية الطلاب الذين تم التحقيق معهم، هاتفين ضد العسكر وضد إبراهيم الدميري. وبعد أيام قليلة، فوجئ الطلاب بإيميل بفصل رئيس اتحاد الطلاب عمرو عبد الوهاب والطالب حسن عثمان فصلاً نهائياً، وثلاثة طلاب أخرين لمدة أسبوعين. وبعد اجتماع سريع مساء نفس اليوم حضره عدد من الكوادر النشطين في الجامعة بالإضافة إلى بعض الزملاء من حركة “يسار الجامعة الأمريكية”، تم الاتفاق على عدة تحركات، أهمها تنظيم مظاهرتين كبيرتين صباح اليوم التالي، إحداهما داخل الجامعة والأخرى أمام بوابة الجامعة يشارك فيها الطلاب المتضامنين من جامعات أخرى.

وفي صباح اليوم التالي شهدت الجامعة الألمانية أكبر مظاهرة منذ إنشائها، وكان تعاطف الطلاب واضحاً مع زملائهم المفصولين، كما تظاهر الطلاب من بعض الجامعات الأخرى أمام أسوار الجامعة ثم نجحوا في الدخول للجامعة.. وبدأ اعتصام طلاب الألمانية حتى عودة المفصولين.

الحركة والوعي
أثناء الاعتصام، نظم عدد من الأكاديميين، من معيدين وأساتذة، أكثر من وقفة صامتة للتضامن مع الطلاب المعتصمين، لكن الموقف العام كان يبوح بتخاذل معظم الأكاديميين عن التضامن، حتى أن إدارة الجامعة أرسلت إيميل لكل الطلبة بإسم أكاديميي كلية الصيدلة تؤيد فيه مواقفها دون علم معظمهم. لكن وعي المعتصمين بقيمة وقوة الحركة الطلابية كان هائلاً، حيث كانوا على يقين بأن اتحادهم أمام سلطة الإدارة القمعية هو طريق النصر.

وفي نفس الوقت، عندما لجأنا لرفع دعوى قضائية ضد إدارة الجامعة، راهن الكثير من الطلاب بشكل كامل على القضاء في انتظار حكماً بعودة الزملاء المفصولين. إلى درجة أن بعض الطلاب ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حيث تساءلوا “إذا كنتم تراهنون على القضاء، لماذا تعتصمون؟”. لكن المعركة لم تكن داخل قاعة المحكمة، بل على أرض الجامعة وفي ساحة الحركة الطلابية، وكان على المعتصمين ألا ينجرفوا وراء التعويل الكامل على القضاء؛ فلقد كان الغرض من القضية هو استخدام آداة جديدة للضغط على الإدارة، بالإضافة إلى محاولة توسيع دائرة التضامن الطلابي خارج المحكمة.

لقد ساهم الاعتصام في رسم الصورة بشكل أكثر اتساعاً ونقاءاً أمام الطلاب، وقد أوضح أن الأزمة بين الثورة المتمثل في الطلاب وبين قوي الرجعية والفساد المتمثلة في إدارة الجامعة. ومنذ بداية الاعتصام أصبح الوعي يتراكم شيئاً فشيئا حتى قادنا إلى حركة جديدة، ومن ثم وعي من نوع مختلف وأكثر ثورية. وهكذا فإن التجربة ذاتها لها مفعول السحر في إنضاج وعي المنخرطين فيها.

ديمقراطية القرار ووحدة الفعل
تنظيم أوراق الضغط والتصعيد يُعد أمراً مهماً للغاية. وأثناء تحركاتنا الأولى استطعنا حصر الكثير من أشكال التحرك والتصعيد، بدءاً باستخدام الحملات الإعلامية، وحشد المزيد من الطلاب بالمعارض واللافتات، مروراً بإقامة دعوى قضائية والتواصل مع الإعلام الخارجي في ألمانيا، وصولاً إلى الإضراب عن الدراسة وهو أهم أوراق التصعيد، والذي حسم الأمر في النهاية وأخضع الإدارة للتراجع عن فصل الطلاب الخمسة.

كان استخدام هذه الأدوات أو تلك يتم بالنقاش الديمقراطي بين الطلاب المعتصمين. وفي بعض الأحيان كانت تظهر بعض الآراء التي تدعو لحل مؤقت للأزمة، لكن المبدأ الذي اتفق عليه الجميع هو عدم التفاوض مع إدارة الجامعة حتى عودة الزملاء المفصولين. ولم يكن ذلك من منطلق الغرور أو التعالي، لكننا إذا نظرنا إلى جدوى التفاوض سنجد وقتها أن الكاسب الأول والأخير هو إدارة الجامعة.

حين يعرض أحد الطرفين مطالبه التي يتظاهر ويعتصم من أجلها، وهي مطالب وحقوق مشروعة، لماذا إذاً يطلب منه الطرف الآخر التفاوض؟ لماذا يتغاضى عن كل المطالب ويصمم على الجلوس على مائدة الحوار؟ إلا إذا كان هو المستفيد من خلال المساومة على المطالب والانتقاص منها. أجرت الإدارة عدة محاولات للتفاوض، لكن كان يتم رفضها بثقة، هذه الوحدة في الاعتصام هي التي أجبرت الإدارة على تقديم التنازلات في الأيام التالية من الاعتصام.

أما العنصر الأكثر أهمية في نجاح الاعتصام هو سرعة إتمام المهام وتوزيعها على المعتصمين؛ فأثناء الاجتماعات اليومية كانت تُقترح خطة للعمل وآليات للتنفيذ ويقوم المعتصمين بتوزيع المهام فيما بينهم. كل تلك العملية كان يتم فيها اتخاذ القرارات بديمقراطية حقيقية بين المعتصمين، مما ساهم في توحيد الحركة بشكل أكبر وإفراز كوادر طلابية حقيقية لعبت أدواراً محورية في الاعتصام.

التضامن والترويج الإعلامي
لعل أبرز ما كان يميز اعتصام طلاب الجامعة الألمانية هو حملات التضامن الواسعة التي حظى بها. فقد نظم العديد من نواب مجلس الشعب، عن أحزاب وتكتلات سياسية مختلفة، زيارات تضامنية إلى الاعتصام، بالإضافة إلى شباب الألتراس الذين ألهبوا حماس الطلاب بهتافاتهم ضد العسكر. كنا نحترم هذا التضامن كثيراً، لكن عندما حاول البعض التفاوض بإسم الطلاب، قابلهم المعتصمون بالرفض؛ فلقد كان الوعي السائد داخل الاعتصام أن النضال الطلابي وتصعيده هو ما سيمكّن الطلاب من انتزاع مطالبهم، بالأخص مع قدرة الطلاب على الصمود وفشل نواب البرلمان في حل الأزمة.

الأهم من ذلك هو تضامن حركات طلابية من عدة جامعات مع الاعتصام، منها حركة مقاومة بجامعة حلوان وحركة تحرير جامعة القاهرة وثوار القصر العيني. ولكن كان الملاحظ هو تضامن كل الحركات الطلابية في الجامعات الخاصة تقريباً، مثل الحركة الثورية للجامعة البريطانية وثوار جامعة مصر الدولية وحركة يسار الجامعة الأمريكية وثوار أكاديمية القاهرة الجديدة وغيرهم.

هذه الدرجة العالية من التضامن الطلابي كانت صرخة للحركات الطلابية التي اعتبرت المعركة لا تمس طلاب الألمانية وحسب، بل كل طلاب مصر. كما أثار ذلك التضامن بين المعتصمين قضية توحيد وتنسيق الحركة الطلابية في الجامعات الحكومية والخاصة على السواء. وعندما يصل الصراع إلى مواجهة مباشرة مع السلطة القائمة، فستكون هناك حاجة ماسة إلى كيان طلابي لديه الخبرة الكافية والقدرة على التحرك السريع والحشد الواسع في مواجهة المجلس العسكري، وليس فقط إدارة لجامعة مستبدة هنا أو هناك.

ساهم الترويج الإعلامي أيضاً في إحداث ضجة واسعة شكلت تهديداً نسبياً لإدارة الجامعة، وجذبت جهات عديدة للتضامن كما ذكرنا. فقد استخدم المعتصمون شبكات التواصل الاجتماعي (فيس بوك وتويتر) لنقل أخبار الاعتصام لحظة بلحظة، بالإضافة إلى التواصل مع الصحف ورفع الدعوى القضائية وإعداد مؤتمراً صحفياً، إلخ. كل ذلك أثرى ثقة الطلاب في قدرتهم على الاستمرار. لكن التواصل مع الإعلام يستوجب أيضاً تبني وجهة نظر موحدة كي لا يتم تناقل أنباء متضاربة.

كانت معركة الاعتصام مجرد معركة جزئية مع الإدارة، وانتصارنا فيها مهم للغاية، لكن الأهم هو تسويق هذا الانتصار. حاولت الإدارة، بعد انتصارنا عليها في معركة عودة المفصولين، أن تكذب علي الطلاب وتدعي أن الطلاب قد عادوا إلى الدراسة بعد اعتذارهم، في حين أن الطلاب لم يقدموا أي اعتذار. وفي المقابل، نظمنا مسيرة للسخرية من كذب الإدارة، جاء ضمن الهتافات: “الجامعة بتقول بتحب دميري، خلاص نسينا قطر الصعيد، إرفدني إرفد 100 غيري، محناش طلاب احنا أصلا عبيد”.

لم تنته معركة طلاب الألمانية بعودة المفصولين، بل لقد بدأت لتوها لانتزاع المزيد من المطالب والحقوق، ونناضل اليوم لاستفتاء على اللائحة التي صاغها اتحاد الطلاب الشرعي والوحيد في تاريخ الجامعة، تلك المعركة التي بدأت منذ نوفمبر الماضي والتي ستستمر حتى نحرز فيها النصر.