بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اعتصام سياسة واقتصاد.. حكاية طلبة ضد «تأجيل التسكين»

بدأت الحكاية مُنذ أن ابتدأ العام الجامعي الجديد، واستعد طلاب المدن الجامعية من الصعيد والدلتا وسيناء والأقاليم التي طالما عانت على مر عقود من تهميش وظلم وإفقار مُتعمد من قبل الدولة، وبدا كأن الأمر عاديًا فهُناك مؤتمر طُلابي يُقام في المدينة الجامعية عن الدستور وفشل حتى ظهرت إدارة جامعة القاهرة تحت رئاسة د. جابر نصار رئيس الجامعة بقرار “منع” التسكين في المُدن الجماعية التابعة للجامعة بحُجة الإصلاحات والترميمات.

كان القرار صادمًا لطُلاب الأقاليم؛ فالمنطق يقول أن شرط الدراسة في القاهرة هو التواجد في القاهرة!
ذهبت بعض الطالبات للسكن في الميعاد المُحدد مُسبقًا من قبل الإدارة بسبب صعوبة السفر من الأقاليم إلى القاهرة، وتوقف حركة القطارات وصعوبة حجز المواصلات بعد أن سمحت لهن الإدارة بذلك، لكنها أخرجتهن وطردتهن من مدينة بولاق للطالبات بعد يوم من المبيت وقامت بإهانة الطالبات والتعدي عليهن بالسب والقذف. وقالت الطالبة شيماء شُكر رئيس المجلس الطلابي بمدينة بولاق وطالبة بالفرقة الرابعة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، أن: “الطالبات قد تعرضن لأذى شديد وتعرضن للدفع والسب والقذف من العاملين بالمدينة لامتناعهن عن الخروج من المدينة”.

احتج الطُلاب، وقام رئيس اتحاد الجامعة، ورئيس المجلس الطلابي، وبعض رؤوساء الاتحادات الطلابية داخل الجامعة بمقابلة رئيس الجامعة وأخبرهم أن التسكين سيبدأ في أول أسبوع في الدراسة، وقال الطالب رجب الزناتي رئيس المجلس الطلابي بمدينة الطلبة وطالب بكلية طب القصر العيني :”رئيس الجامعة كان متعنتًا للغاية وتعامل بشكل غير لائق مع وفد الطلبة”.

غيّرت إدارة الجامعة قرارها أكثر من مرة وفي ساعة واحدة، مما يدل أن القرار سياسي أمني، وأن هُناك طرف سياسي آخر مُتحكم في الأمور الأكاديمية داخل الجامعة مما يؤثر سلبًا على استقلالية الجامعة المصرية ويضرب عرض الحائط بالحُريات الأكاديمية مما احتاج وقفة، وقرر اتحاد كُلية الاقتصاد والعلوم السياسة بدء إضراب عن الدراسة بسبب ما لحق من الطلبة من أذى “مُتعمد” وفشل المفاوضات مع الإدارة، والمُطالبة بحق الطلبة في التسكين، وإعلان أن تلك ليس منحة من أحد، وأنها الحق الطبيعي للطلبة.

بدأ الطُلاب في الاحتجاج ودعوة الطُلاب في الكلية “بشكل غير رسمي”، وبدأوا في تعليق الدراسة للاحتجاج لتعامل إدارة الجامعة مع الطلبة المُغتربين وإهدار حقوقهم.

حققت الدعوة تعطيل أكثر من 70% في اليوم الأول، مما اضطر إدارة الكُلية بالتصرف بمبيت “مؤقت”، و”محدود” للطالبات اللائي جئن من الأقاليم ولم يجدن مكان لإيوائهن، وكان العدد الذي تم تسكينه في نُزل تابع لوزارة الشباب 73 طالبة، ودفعت الكُلية تكاليف الإقامة كاملة، واستمرت دعوات الإضراب ليوم آخر هذه المرة بدعوة الطلبة والاتصال ببعض أعضاء هيئة التدريس ووافق بعضُهم على وقف المُحاضرات اعتراضًا على قرار الجامعة ومراعاةً لمبدأ تكافؤ الفُرص بين الطُلاب.

استمر الضغط على إدارة الجماعة في اليوم التالي، ولكن الطلبة قرروا التصعيد من “الإضراب” إلى “الاعتصام” والمبيت داخل الكلية، وتم الاتفاق بين أعضاء الاتحاد على أن المُشكلة ليست مع إدارة الكلية وأن الأزمة مع إدراة الجامعة الفاشلة. من ثم تم بدأ المبيت في مبنى الكُلية ودعوة الطلبة الذين لا يجدون مأوى لهم في القاهرة في أيام الدراسة، وقامت د. هبة رؤوف عزت، ود. أحمد عبد ربه من أعضاء هيئة التدريس بالتضامن مع الطلبة والاعتصام معهم داخل مبنى الكُلية، ومعهم د. أحمد حلمي من مُعيدى قسم العلوم السياسية وأحد المقيمين السابقين في المدينة الجامعية، وتم تكليف طاقم أمن الكُلية كاملًا بالمكوث مع الطلبة ليلًا.

إلى أن فوجئنا ببيان “رسمي” صادر من مكتب رئيس الجامعة يتهم فيه طُلاب طلبة الاقتصاد والعلوم السياسية أنهم “يخلون بمبدأ العدالة والمساواة وتكافؤ الفُرص” على حد وصفهم، وقوبل هذا البيان باستهجان شديد من الطلبة، وقال د. أحمد عبد ربه أستاذ العلوم السياسة بالكُلية: “من يفتعل المشاكل هو من يصمم على وضع الطلاب في مواجهة مع إدارة الكليات والجامعات باتخاذ قرارات غير عادلة لاتراعي أبسط حقوق الطالب وتتنافى مع أي كلام عن الجودة العلمية. المشكلة عندكم وليست عند الطلاب يقيننا! الكرة في ملعبكم، فإما مراعاة حقوق الطلاب وإما تركهم ليعبروا عن رأيهم بحرية”، وتم الرد على بيان الجامعة ببيان من الاتحاد تم فيه ذكر المطالب مُجددًا، ويُكذب الإدارة بشأن ما قالته حول الإصلاحات وأن ما تدعي الإدارة أنه عدلًا “لن يكون هذا عدلٌ إلا إذ كان هُناك تعريف آخر للعدل من وجهة نظر إدارة الجامعة”، وخُتم البيان بما يلي: “إننا مؤمنون بأن من يتنازل عن حقه مرة سوف ينزعونه منه ألف مرة، وأن عاقبة الظُلم شديدة، وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب”، ودعا الاتحاد إدارة الجامعة لمشاركتها في عملية التسكين المُكثف بتكوين فرق من الطُلاب للمُساعدة في ضغط التسكين حتى يتم حل الأزمة.

فيما قرر الاتحاد وقف الإضراب عن المُحاضرات ودعوة طلاب المدينة للمبيت في الكلية لحين رجوع إدارة الجامعة عن قرارها أو تسكينهم، وقال الاتحاد في بيان له أنه سوف يتم تعليق الاعتصام والمبيت في الكلية لمدة يومين بسبب إجازة نهاية الأسبوع على أن يُستأنف المبيت في أيام الدراسة العادية.

إن ما حدث لهو انتصار لإرادة الطُلاب، وبعث الحركة الطُلابية من جديد في الجامعة المصرية، وإثبات أن الطالب المصري هو الحل وسيظل الحل للقضاء على نُخبة سياسية تصدرت المشهد المصري في السنوات الماضية أدت إلى تعميق جراح هذا الوطن، وأن استبدال تلك النُخبة الفاشلة لن يكون إلا من الجامعة المصرية وبتوافر المُناج الأكاديمي الحُر للطالب كأهم عُنصر في العملية التعلمية في الجامعة.

* أحمد نصر: عضو اتحاد طلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وأحد المعتصمين بالكلية ضد تأجيل التسكين بالمدينة الجامعية