بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تكنولوجيا

مقال رأي:

شبكات التواصل الاجتماعي والقيمة المضافة

غيّرت التقنية من أشكال الإنتاج والسلع ليتحول المستخدم العادي إلى عامل رقمي ينتج قيمة بمجرد استخدامه للمنصات الرقمية، لاسيما الشبكات الاجتماعية. فكل نشاط أو محتوى أو تفاعل يقوم به المستخدم يُمثّل قيمة اقتصادية للشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي. خلق هذه القيمة يأتي من خلال استخدام البيانات في أنشطة اقتصادية هي المصدر الأساسي لأرباح هذه الشركات.

يُمكن أن نُقسّم البيانات التي ينتجها مستخدمي الشبكات الاجتماعية خلال الاستخدام إلى نوعين.

النوع الأول: يُنتجه المستخدم بفعل مباشر مثل التفاعل على المنشورات أو نشر المحتوى أو التواصل مع آخرين أو التعليقات أو تعبئة نماذج استطلاعات الرأي أو أي تفاعل آخر.

والنوع الثاني: هو البيانات التي تجمعها التطبيقات بمجرد تثبيتها على الهواتف الذكية أو الحواسيب، مثل نوع الهاتف والموقع الجغرافي وعنوان الآي بي وغيرها.

كل هذه البيانات تُعالج ليُستخلص منها قيمة اقتصادية بواسطة عدّة آليات، فيما يلي أمثلة بسيطة لاستخراج القيمة:
الإعلانات المستهدفة: تجمع الشبكات الاجتماعية كميات هائلة من البيانات عن مستخدميها، بما في ذلك التركيبة الشخصية والاهتمامات والسلوكيات وأنماط المشاركة. تُستخدم هذه البيانات لإنشاء ملفات تعريف تفصيلية يمكن للمعلنين استخدامها لتوجيه إعلاناتهم إلى جماهير محددة من المحتمل أن تكون مهتمة بمنتجاتهم أو خدماتهم، وبالتالي، تزيد احتمالية تفاعلهم مع الإعلانات، مما يؤدي إلى أداء أفضل لعملية الإعلان.

تخصيص تجربة المستخدم: باستخدام وتحليل البيانات التي تجمعها الشبكات الاجتماعية، يُخصّص المحتوى الموجود في خلاصات المستخدمين لإبقائهم على المنصات لفترة أطول. كلما زاد الوقت الذي يقضيه المستخدمون على المنصة؛ زادت قيمة المساحة الإعلانية، حيث زادت فرص عرض الإعلانات.

تحليل البيانات: تُوفّر الشبكات الاجتماعية بيانات ورؤى مُجمَّعة للشركات حول سلوك المستخدم واتجاهاته، وتستخدم الشركات هذه الأفكار لتطوير أو تعديل المنتجات واستراتيجيات التسويق. يمكن للرؤى المستمدة من بيانات مستخدمي الشبكات الاجتماعية أن تفيد مجموعة من قرارات العمل بدءًا من توقيت إطلاق المنتج وحتى اختيار مواقع المتاجر الجديدة وتحديد كميات الإنتاج المطلوبة.

كما تستخدم شركات التقنية الكبرى البيانات المُستخرَجة من أنشطة مستخدمي الشبكات الاجتماعية في تطوير منتجات الذكاء الاصطناعي وهي واحدة من أكثر قطاعات التقنية التي يُضخ فيها استثمارات خلال السنوات الماضية. تستخدم فيسبوك وجوجل وغيرهما أنشطة المستخدمين ومشاركاته في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي (AI) والتعلم الآلي (ML) لتحسين خدمات منصاتهم وإنشاء تجارب مستخدم أكثر تخصيصًا بل وتطوير منتجات جديدة قائمة على الذكاء الاصطناعي. تكون البيانات هي حجر زاوية في تطوير تطبيقات الذكاء الإصطناعي، فبعد جمعها تُجرى معالجة لتنظيف البيانات وتنظيمها وتحويلها إلى تنسيق مناسب لخوارزميات التعلم الآلي، ثم يبدأ تدريب نماذج تعلم الآلة المختلفة لأداء مهام محددة مثل توصية المحتوى أو استهداف الإعلانات أو الإشراف على المحتوى. وبعد التدريب والاختبار تدخل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى بيئة الإنتاج حيث تبدأ في التأثير على تجربة المستخدم لتساهم في زيادة تفاعلاته وكم البيانات التي المستخلصة منه والتي ستمثل أيضًا قيمة اقتصادية للشركة.

على ما سبق، يُمكن تصور البيانات التي تجمعها منصات مثل فيسبوك وتويتر وجوجل من المستخدمين كسلعة، لا سيما في سياق الاقتصاد الرقمي وديناميكيات السوق الرأسمالية. فعندما يتفاعل المستخدمون، فإنهم يقومون بإنشاء بيانات بواسطة سلوكياتهم وتفضيلاتهم وعلاقاتهم وتفاعلاتهم والمحتوى الذي ينتجونه، في حين أن هذا المحتوى والبيانات لهما قيمة استعمالية بالنسبة للمستخدمين (التعبير عن الذات، والتواصل، وما إلى ذلك)، إلا أن له أيضًا قيمة تبادلية لأنه يساهم في جاذبية المنصة للمعلنين و يجذب المستخدمين الآخرين المنصة ويبقيهم منخرطين بها.

لا يحصل المستخدمون عادةً على أموال مقابل بياناتهم أو محتواهم؛ وبدلاً من ذلك، فإنهم يتلقون الخدمة التي تقدمها الشركات (منصة التواصل الاجتماعي) كنوع من التبادل غير الرسمي. ويطرح ذلك تساؤلات حول طبيعة العمل والقيمة التي يولدها المستخدمون في الاقتصاد الرقمي، فهل يُمكن اعتبار المستخدمين هم شكل من أشكال العمال غير مدفوعي الأجر في هذه المنصات؟

مستخدمو الشبكات الاجتماعية كعمال فيها

من الناحية النظرية، يُمكن اعتبار مستخدمي الفيسبوك شكلا من أشكال العمال، يُشار لهم بمصطلح “العمالة الرقمية” أو “العمالة غير المادية”. يعتمد هذا المنظور على فكرة أن أنشطة المستخدمين تولد قيمة للمنصة، وهو ما يشبه عملية العمل بالمعنى الاقتصادي التقليدي. بل ويُمكن اعتبار أن العلاقة بين الشركات المالكة للشبكات الاجتماعية ومستخدميها هي علاقة استغلالية، لأن الشركات تستفيد من البيانات والمحتوى الذي ينتجه المستخدمون دون تقديم تعويض مالي مقابل خلق هذه القيمة.

على الجانب الآخر، قد يُعتبر نشاط المستخدمين ليس عملًا من باب أنها مشاركة طواعية أو لأن المستخدمون يحصلوا على فوائد في شكل اتصالات اجتماعية وترفيه والوصول إلى الخدمات المتنوعة. وعلى عكس العمل التقليدي، حيث قد يواجه العمال إكراهًا اقتصاديًا لبيع قوة عملهم، يمكن للمستخدمين عادةً اختيار ما إذا كانوا يريدون التعامل مع المنصة أم لا دون مواجهة نفس النوع من الضغط الاقتصادي المباشر. وهي حجة غير واقعيه بسبب تأثيرات الشبكة على المستخدمين وقيمة اتصالاتهم الاجتماعية، فقد يعني ترك المنصة فقدان الوصول إلى تلك الاتصالات، وهو ما قد يبدو وكأنه شكل من أشكال “السكن الرقمي”.

وبالنظر إلى القيمة التي يُنتجها المستخدمون، فإن نشاطهم يُجسد مفاهيم العمل التقليدية بدء من تحويل العلاقات الاجتماعية والبيانات الشخصية إلى سلع يمكن شراؤها وبيعها، واستغلال الشركات للمستخدمين عبر استخراج القيمة من أنشطة المستخدمين دون تعويض نقدي مباشر، والاستخراج الرأسمالي لفائض القيمة من عمل المستخدمين.

يمكن النظر إلى الفرق بين القيمة التي يخلقها المستخدمون و”التعويض” الذي يتلقونه (الوصول المجاني إلى الخدمات)، على أنه شكل من أشكال فائض القيمة التي تستخرجها الشركات. فالأرباح التي تجنيها الشركات المالكة للشبكات الاجتماعي من بيع مساحات إعلانية هي نتيجة للقيمة الإجمالية لبيانات المستخدم وتفاعلاته والمحتوى الذي ينشره. والفائض هنا هو الفرق بين تكلفة صيانة وتشغيل المنصة، والإيرادات الناتجة عن بيع الإعلانات المستهدفة باستخدام البيانات التي أنتجها المستخدمين.

في محاولة لوضع مقاربة؛ فعند اعتبار المستخدمين “عمال”، فإن البيانات هي “السلعة”، وأنشطة المستخدم هي “العمل”، ويمكن فهم “أدوات الإنتاج” على أنها الوسيلة التي ينتج بها المستخدمون بيانات قيمة للشركات المالكة للشبكات الاجتماعية. ليكون لدينا السيناريو التالي:
يشبه المستخدمون “العمال”، حيث يساهمون في المنصة من خلال أنشطتهم.

البيانات هي السلعة التي يتم إنشاؤها من خلال تفاعلات المستخدم ومشاركته.

وسائل الإنتاج: تشمل وسائل الإنتاج الأدوات المادية (المصانع والآلات وغيرها) والموارد (المواد الخام) اللازمة لإنتاج السلع والخدمات. وفي سياقنا، فإن وسائل الإنتاج تمثل البنية التحتية للمنصات (الخوادم، ومراكز البيانات، والخوارزميات، والمنصة نفسها). بينما يمتلك المستخدمون أجهزتهم واتصالاتهم بالإنترنت، يمتلك فيسبوك المنصة التي يتم فيها “الإنتاج الرقمي”.

العمل: يمكن اعتبار نشاط المستخدم كعمل، عندما يتفاعل المستخدمون مع المنصة فإنهم ينفذون إجراءات ذات قيّمة بالنسبة للمنصة لتوليد البيانات.. لا يبيع المستخدمون هذه القدرة مباشرةً إلى المنصات؛ وبدلاً من ذلك، يقومون بتبادلها مقابل استخدام خدمات المنصات.

فائض القيمة: القيمة التي تستخرجها الشركات المالكة للشبكات الاجتماعية من بيانات المستخدم تتجاوز بكثير تكلفة الخدمات المقدمة للمستخدمين. لا يحصل المستخدمون على تعويض مالي؛ وبدلاً من ذلك، يمكنهم الوصول إلى خدمات المنصات. لا تتم مشاركة الأرباح الناتجة عن بيانات المستخدم من خلال الإعلانات مع المستخدمين، بل هي القيمة الفائضة التي تحصل عليها الشركة المالكة للمنصة.

الاستيلاء على ملكية: غالبًا ما لا يدرك المستخدمون مدى تحويل بياناتهم وتفاعلاتهم إلى سلعة ومقدار القيمة التي تولدها الشركات. إنهم لا يمتلكون المحتوى الذي ينتجونه بنفس الطريقة التي لا يمتلك بها العمال المنتجات التي ينتجونها في المصنع. وفي حين أن المستخدمين قد يجدون أن التفاعل على الشبكات الاجتماعية ممتع، إلا أنهم قد لا يكونون على دراية تامة بكيفية استخدام “عملهم” لتحقيق أرباح للشركة.

في السيناريو السابق لم نعتبر الحواسيب والهواتف الذكية التي يمتلكها المستخدمون ضمن أدوات الإنتاج، وذلك لأنه على الرغم من أن المستخدمين يمتلكون أجهزتهم بالفعل، إلا أن لديهم سيطرة محدودة للغاية على “وسائل الإنتاج الرقمية” الأوسع. ولا تمتد ملكيتهم إلى المنصة نفسها، حيث يتم إنشاء القيمة واستخراجها، كما أن المستخدمين لا يستطيعون التأثير على كيفية استخدام المنصات لبياناتهم أو كيفية معالجة الخوارزمية للمحتوى الخاص بهم، ويتم تحقيق الدخل الفعلي من البيانات التي ينشئها المستخدم على الخوادم ومن خلال البنية التحتية المملوكة للمنصة، وليس على الهاتف الذكي أو الحاسوب الخاص بالمستخدم.

الهواتف الذكية والحواسيب هي مجرد نقاط وصول إلى المنصات التي تصبح فيها البيانات ذات قيمة، ويُمكن اعتبارها أدوات تتوسط في الوصول إلى الأنظمة الأساسية التي يتم فيها إنشاء القيمة ولا تخلق قيمة في حد ذاتها؛ إنها تسهل الوصول إلى الأنظمة التي تفعل ذلك.

لماذا مهم التوسُّع في نقاش القيمة التي يخلصها المستخدمون؟

إن التوسُّع في النقاش حول دور مستخدمي الإنترنت والشبكات الاجتماعية كـ”عمال” يعيد تشكيل مشهدنا المجتمعي، ويسلط الضوء على الآثار المتعددة الأوجه لتفاعلاتنا الرقمية. وفي قلب هذه المناقشة يكمن الوعي المتزايد بالقيمة المتأصلة لبيانات المستخدم.

قد يساهم الوعي الناتج عن التوسع في نقاش هذه القضية في إدراك قدرة المستخدمين على المساومة الجماعية المحتملة والاستفادة من ذلك للتفاوض على شروط الخدمة الأكثر ملاءمة لهم، لا سيما فيما يتعلق بسياسات البيانات. ويثير الحوار حول دور المستخدمين كمنتجين للقيمة أيضًا مناقشات حول العدالة الاقتصادية والاجتماعية في الفضاء الرقمي، فهناك حوار متزايد حول التعويض العادل للمستخدمين الذين تولد أنشطتهم عبر الإنترنت قيمة كبيرة لشركات التكنولوجيا. وقد يبشر هذا بتطوير نماذج اقتصادية جديدة تعمل على توزيع الثروة المتولدة عبر الإنترنت بشكل أكثر عدالة.

علاوة على ذلك، فإن نقاش هذه القضية قد يوفر أرضًا خصبة لإثراء المناقشات الاشتراكية، مما يتردد صداه بعمق مع المفاهيم الأساسية للعمل ورأس المال والعلاقات الطبقية، وفهم تعقيدات الاقتصاد الرقمي، حيث البيانات هي السلعة الجديدة. ويمتد النقاش أيضًا إلى إعادة تعريف وسائل الإنتاج في العصر الرقمي. قد تؤدي مثل هذه المناقشات إلى أفكار مبتكرة حول إعادة توزيع الثروة بشكل عادل وتنشيط المناقشات حول الملكية الجماعية والمشاعات الرقمية وتشكيل مفهوم البيانات كمورد ينبغي إدارته بشكل جماعي.

*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي حركة الاشتراكيون الثوريون