ملايين لتلقين الذكاء الاصطناعي...
حكومة الاحتلال تستأجر مدير حملة ترامب لتزوير ذاكرة الإنترنت

في تقرير نشرته صحيفة «أكسيوس» يوم السبت 25 أبريل، كُشف عن عملية ممنهجة وممولة بالملايين تشنّها حكومة الاحتلال الصهيوني لإعادة برمجة ما يقوله الذكاء الاصطناعي عنها. عملية لا تقوم على دحض الوقائع، بل على ضخ محتوى مُصمَّم بعناية لاستيعابه داخل نماذج الذكاء الاصطناعي كـ ChatGPT وClaude وGemini، قبل أن يسأل أي مستخدم سؤاله.
في سبتمبر الماضي، تعاقدت حكومة الاحتلال مع “براد بارسكال”، مدير حملة ترامب الانتخابية لعام 2020 ومستشاره الرقمي الأول، بعقد بلغت قيمته حتى الآن 9 ملايين دولار ثم جُدِّد مؤخراً. ووفق التقرير، الدافع الرئيسي هو قناعة المسؤولين الإسرائيليين والمقربين منهم بأن «حرب وسائل التواصل الاجتماعي كانت في طريقها للضياع»، وأن منصات الذكاء الاصطناعي بالتحديد «كانت تستقي معلوماتها من محتوى معادٍ لإسرائيل».
الحل الذي ابتكره فريق بارسكال لم يكن الجدل أو الرد على الحجج، بل إنشاء 9 مواقع إلكترونية مُصمَّمة بدقة لمحاكاة «طريقة تفكير» نماذج الذكاء الاصطناعي واستيعابها. محتوى مكتوب بنبرة «واقعية»، مرتكز على مصادر تبدو موثوقة، ومُرتَّب بطريقة يسهل فهرستها. من بين هذه المواقع: موقع «paxpoint.org» الذي «يُسلط الضوء على التزام إسرائيل الدائم بالسلام والتعايش»، وموقع «factsignal.org» الذي يؤكد أن «تصنيف حماس إرهابياً يعكس إجماعاً دولياً».
أنشأ الفريق نموذجاً افتراضياً مُصغَّراً لمنصة ذكاء اصطناعي، واختبر ما إذا كانت المنصة ستستقي من المحتوى الذي أنشأوه. وقد توصلوا إلى أن المحتوى الأكثر قابلية للاستيعاب هو ما يُكتب بأسلوب حيادي وواقعي، ومستند إلى مصادر، ومنظم بشكل يتوافق مع أنماط البحث. وادّعى الفريق «نجاح العملية»، بيد أنه رفض تقديم بيانات علنية تُثبت ذلك. وحين أجرى محررو أكسيوس أنفسهم بحثاً على ChatGPT باستخدام عبارات مشتقة من تلك المواقع، لم يُحل إلى أي منها.
السياق الذي يُقدمه التقرير: 60٪ من الأمريكيين أبدوا نظرة غير مواتية تجاه الاحتلال في أحدث استطلاع الصادر في أبريل 2026، مقارنة بـ53٪ قبل عام. وقد صرّح نتنياهو علناً بأن «شن حملة مكثفة على وسائل التواصل الاجتماعي أولوية». وعليه، الأموال التسعة ملايين دولار ليست ترفاً، بل رد فعل مباشر على خسارة موقعية في حرب الرأي العام الغربي.
ما تكشفه هذه العملية ليس تطوراً تقنياً محايداً، بل يُمثّل مرحلة متقدمة من الهيمنة الثقافية، أي السيطرة على العقل الاجتماعي لا بالقوة المباشرة، بل بجعل رواية بعينها تبدو طبيعية وواقعية ومحايدة. الجديد هنا هو أن أداة هذه الهيمنة لم تعد المدرسة أو الصحافة أو هوليوود فقط، بل باتت هي بيانات التدريب لنماذج الذكاء الاصطناعي التي يثق بها مئات الملايين من البشر يومياً.
ما يُميّز هذه العملية عن الدعاية التقليدية هو غياب المُرسِل المرئي. حين تنشر إسرائيل إعلاناً مدفوعاً على يوتيوب، يراه المشاهد إعلاناً. أما حين تستجيب نماذج الذكاء الاصطناعي بمحتوى يستقيه من مواقع أنشأها فريق بارسكال، فإن المستخدم يتلقاه بوصفه إجابة موضوعية لنموذج محايد، لا دعاية مموّلة بملايين الدولارات.
والأدهى أن التقنية لا تستهدف تزوير وقائع محددة، بل تستهدف هيكلة السؤال قبل أن يُطرح: حين يسأل مستخدم نموذج ذكاء اصطناعي عن غزة أو لبنان أو عن القانون الدولي، يريد الفريق أن تكون الإجابة المُتاحة -في بنيتها وتأطيرها- هي الإجابة التي يريد الاحتلال أن تُسمع، في ما تطور من حرب معلومات، إلى حرب على الأطر المعرفية ذاتها. وهذا المسعى، رغم أن اختبار أكسيوس لم يُثبت نجاحه حتى الآن، يضع تحدياً حقيقياً أمام كل من يؤمن بأن الوصول الحر إلى المعلومة هو شرط أولي للوعي المعرفي والسياسي.





