بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هل بات أقطاب التكنولوجيا إقطاعي العصر الحديث؟

حتى بعض الاشتراكيين يرون أن أقطاب التكنولوجيا يعيدون تشكيل النظام بما يعكس تنامي نفوذهم المتزايد. لكن جوزيف تشونارا يجادل بأن الطفرة التكنولوجية الأخيرة ليست سوى تعبير كلاسيكي عن ديناميات الرأسمالية نفسها.

أصبح مصطلح “التكنوإقطاعية” شائعاً في أوساط اليسار لوصف الصعود المتسارع لشركات التكنولوجيا العملاقة التي تبدو وكأنها تهيمن على كل جانب من جوانب حياتنا.

ويذهب مفكرون يساريون، مثل وزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس والاقتصادي الفرنسي سيدريك دوران، إلى أن هذا النظام الجديد يحل محل الرأسمالية. كما تستخدم المنظّرة السياسية جودي دين مصطلح “الإقطاعية الجديدة” بمعنى مشابه.

وبالفعل، بدا مشهد كبار رجال التكنولوجيا الذين اصطفوا إلى جانب إيلون ماسك لتقديم الولاء لدونالد ترامب خلال حفل تنصيبه عام 2025 وكأنه استحضار لمشهد أمراء الإقطاع وهم يحضرون بلاط ملكهم.

وتتزايد المخاوف من قيام هذه الشركات باستنزاف المخزون البشري من الإبداع لإعادة بيعه لنا عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أو من مشروعية جمع البيانات الناتجة عن نشاطنا الرقمي بهدف تعظيم الإيرادات.

لكن، بعيداً عن ذلك، فإن مفهوم “التكنوإقطاعية” يظل مضللاً، ومن شأنه أن يربك الجهود الرامية إلى مواجهة النظام الذي يفرض علينا القهر والاستغلال.

لقد ميّز كارل ماركس في كتاباته بين نمطي الإنتاج الإقطاعي والرأسمالي، معتبراً أن كليهما يقوم على الاستغلال.

فالإقطاع كان يقوم على انتزاع العمل غير المدفوع من الفلاحين المرتبطين بأرض السيد الإقطاعي. وكان هذا الأخير يعتمد على العنف أو التهديد به لفرض حقه في الاستيلاء على جزء من إنتاج الفلاحين أو إجبارهم على أداء أعمال لصالح ممتلكاته الخاصة.

أما الرأسمالية فتختلف عن ذلك. فالفلاح في النظام الإقطاعي قد يمتلك بعض الأدوات اللازمة للعمل في الأرض أو يتمتع بحق الانتفاع من أراضٍ مشاع، بينما لا يستطيع العامل في ظل الرأسمالية الوصول إلى وسائل الإنتاج الأساسية إلا عبر بيع قوة عمله مقابل أجر.

وهذا ينطبق على المصانع الحديثة، من مستودعات أمازون إلى مصانع فوكسكون العملاقة في الصين التي تجمع الهواتف الذكية، تماماً كما كان ينطبق على مصانع النسيج خلال الثورة الصناعية.

في ظل الإقطاع كان الاستغلال ظاهراً ومسنوداً بالقوة المباشرة، أما في ظل الرأسمالية فيختبئ خلف الأجر الذي يتقاضاه العامل.

فاليوم العملي ينقسم إلى فترة ينتج فيها العامل قيمة تكفي لتغطية أجره، وفترة أخرى ينتج خلالها ما يسميه ماركس “العمل الفائض”، وهو الذي يخلق قيمة إضافية تشكل أساس الأرباح الرأسمالية.

ولا يزال أصحاب السلطة يلجأون إلى القوة عندما تتعرض ممتلكاتهم أو أرباحهم لتهديد جدي، لكن الإكراه الاقتصادي وحده يكفي في معظم الأحيان. فبينما كان بإمكان الأسرة الفلاحية أن تحقق قدراً من الاكتفاء الذاتي، يواجه العامل سوقاً يضطر فيه إلى شراء ما يحتاجه للعيش، وهو ما يدفعه إلى البحث عن عمل مأجور.

ولا شك أن الحياة في ظل الإقطاع كانت قاسية بالنسبة لغالبية الفلاحين. لكن ماركس يرى أن السيد الإقطاعي كان محكوماً بـ”مجموعة محدودة نسبياً من الاحتياجات”، وأن “التعطش اللامحدود للعمل الفائض” لم يكن ينبع من طبيعة الإنتاج نفسها.

أما الرأسمالية فتقوم على هذا التعطش اللامحدود. فالرأسماليون يتنافسون فيما بينهم، وأهم وسيلة للمنافسة هي ما يسميه ماركس “تراكم رأس المال”.

ويقتضي ذلك إعادة ضخ جزء من الأرباح المنتزعة من العمال في العملية الإنتاجية. فاعتماد وسائل إنتاج أكثر تطوراً، وأتمتة المهام، وتوسيع نطاق الإنتاج، كلها عوامل تمنح الرأسماليين قدرة أكبر على المنافسة.

أما الذين يفشلون في إجراء الاستثمارات اللازمة فيتم إقصاؤهم من السوق. وهكذا يتحول التراكم التنافسي إلى قانون قسري يدفع الرأسماليين إلى التصرف بوصفهم رأسماليين، كما يفسر أحد أسباب تضخم حجم الشركات مع مرور الوقت.

إن عمالقة التكنولوجيا لا يمثلون نقيض الرأسمالية، بل تجسيدها الأكثر تطوراً. فشركات مثل ميتا وألفابت وأمازون لا تعمل كأسياد إقطاعيين، وإنما كمؤسسات رأسمالية تسعى بلا هوادة إلى تحقيق الربح.

خذ شركة ألفابت، المالكة لجوجل، على سبيل المثال. فجوهر نشاطها التجاري تقليدي للغاية؛ إذ تقوم ببيع الإعلانات لشركات أخرى. أما البنية التحتية الواسعة التي تمتلكها، بما في ذلك محرك البحث الشهير، فهي مكرسة بدرجة كبيرة لخدمة هذا الهدف. غير أن ذلك يتطلب توظيف قوة العمل واستثمارات ضخمة في رأس المال الثابت.

توظف ألفابت ما يقارب 200 ألف عامل، وتمتلك أصولاً من العقارات والمصانع والمعدات تتجاوز قيمتها 250 مليار دولار، وهي أرقام تفوق بكثير ما تملكه شركات سيارات عملاقة مثل فورد وجنرال موتورز.

وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية أكبر بكثير من ما يُعرف بـ”الأصول غير الملموسة” مثل براءات الاختراع، بل إن أهميتها تزداد مع نضج شركات التكنولوجيا العملاقة. فهذه الشركات تفعل ما يفعله أي رأسمالي: الاستثمار في التكنولوجيا الجديدة وتوظيف العمالة من أجل التفوق على المنافسين.

وفي الواقع، تواجه ألفابت منافسة شديدة. فقد تراجعت حصتها من سوق الإعلانات الرقمية من 31.5 بالمئة عام 2016 إلى 27.5 بالمئة عام 2023، تحت ضغط منافسين مثل ميتا والشركة الصينية “علي بابا” .

وينطبق الأمر نفسه على أمازون. فقد أصدر الباحثان الماركسيان ستيفن ماهر وسكوت أكوانو دراسة مهمة عن الشركة، فنّدا فيها الرأي الشائع القائل إنها تحتكر السوق، وأن استثماراتها الضخمة في رفع الإنتاجية تشكل “مفارقة” اقتصادية.

وتوضح الدراسة أن أمازون تخوض منافسة شرسة، سواء في قطاع التجزئة أو في سوق خدمات الحوسبة السحابية التي أصبحت اليوم مصدر أرباحها الرئيسي. كما تواجه تهديداً دائماً من الشركات الكبرى القادرة على تعبئة رؤوس أموال ضخمة، سواء من مواردها الذاتية أو عبر الاقتراض، لدخول الأسواق التي تعمل فيها.

ولا يعد الذكاء الاصطناعي التوليدي سوى أحدث ساحات هذا التنافس.

وقد وصف الصحفي روبن هاردينغ في صحيفة فاينانشال تايمز التدفقات الهائلة التي تضخها شركات التكنولوجيا العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي، في مقال نشره في ديسمبر الماضي، قائلاً إن “حماية هذه الشركات شديدة القيمة تستحق إنفاق ثروات طائلة، حتى لو لم ينجح الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف في خلق قيمة جديدة تُذكر”.

وهنا نرى سمة أخرى من السمات الكلاسيكية للرأسمالية؛ فقرارات تبدو عقلانية من منظور الشركة الواحدة قد تكون شديدة اللاعقلانية من منظور المجتمع ككل.

فأكبر المستثمرين في هذا المجال: ميتا وألفابت ومايكروسوفت وأمازون، يتوقعون أن تتراجع عوائدهم مقارنة بحجم الاستثمارات التي يضخونها، ومع ذلك يشعرون بأنهم مجبرون على الاستمرار في الإنفاق كي لا يسبقهم المنافسون.

وخلال ذلك سيتسببون في أضرار اجتماعية هائلة.

وقد لخّص الصحفي روبرت أرمسترونغ هذه الحقيقة بوضوح في أبريل الماضي حين قال: “ستلتزم شركات الذكاء الاصطناعي ونماذجها بقاعدة واحدة فوق كل اعتبار: تعظيم العائد لمساهميها ضمن الحدود التي يفرضها القانون. وعندما يتعارض منطق الربح مع المبادئ الداخلية للشركة، فإن الربح هو الذي ينتصر دائماً”.

وقد بدأت موجة الاستثمارات هذه تتخذ أشكالاً شديدة الاختلال. فشركات التكنولوجيا العملاقة اعتادت لسنوات إعادة تدوير أرباحها الضخمة داخل العملية الإنتاجية، لكنها اليوم، مع احتدام المنافسة، باتت تعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض.

وعندما تنفجر فقاعة الذكاء الاصطناعي، فإن الروابط المتشابكة بين شركات التكنولوجيا العملاقة والقطاع المالي قد تنقل الأزمة إلى نطاق واسع.

ويزداد هذا الخطر في ظل الحرب على إيران، التي تدفع أسعار المحروقات اللازمة لتشغيل مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة إلى الارتفاع، كما تدفع البنوك المركزية نحو رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم.

وكما حدث في مراحل سابقة من تطور الرأسمالية، ستسهم هذه التكنولوجيا الجديدة في تعميق الأزمات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية. وكما يقول أرمسترونغ: “الذكاء الاصطناعي جديد، أما الرأسمالية فليست كذلك”.

ومع ذلك، فإن الدينامية ذاتها التي تجعل الرأسمالية مدمرة تفتح أيضاً إمكانية الانتقال إلى الاشتراكية. فقد تطورت قوى الإنتاج ببطء شديد في ظل الإقطاع، وظل العالم محكوماً بندرة نسبية.

أما الرأسمالية فقد دفعت قوى الإنتاج إلى مستويات تجعل من الممكن، لو جرى تنظيمها بصورة ديمقراطية ومستدامة، تلبية احتياجات البشر على نطاق واسع.

كما جعلت الرأسمالية كل الأنشطة الحيوية في المجتمع تعتمد على كتلة ضخمة من العمل البشري المُركز، أي على طبقة عاملة قادرة، عبر نضالاتها الجماعية، على تحدي النظام القائم والإطاحة به.

ولو كان منظّرو “التكنوإقطاعية” على صواب، وكنا قد عدنا فعلاً إلى شكل من أشكال الإقطاع، لكان هذا الأفق قد أُغلق بالكامل. وعندها لن يبقى سوى التخلي عن الاشتراكية وانتظار عودة الرأسمالية في وقت ما.

لكن هذا التشاؤم لا مبرر له إطلاقاً.

فأعداد هائلة من العمال انخرطت في قطاع التكنولوجيا. ويشمل ذلك العاملين في بناء مراكز البيانات، وبيع الإعلانات، وتشغيل مصانع إنتاج الرقائق الإلكترونية، وتجميع الهواتف الذكية، والعمل في مستودعات أمازون وشبكات الخدمات اللوجستية، واستخراج المعادن النادرة والمحروقات، وغير ذلك الكثير.

وهؤلاء ينضمون إلى جيش عالمي من العمال المأجورين يقترب تعداده من ملياري عامل وما زال في ازدياد.

وهنا يكمن مصدر الأمل لكل من يسعى إلى الإطاحة بنظام الاستغلال والقمع، الذي أصبحت شركات التكنولوجيا العملاقة اليوم تمثل قلبه الأكثر قسوة.

*المقال مترجم من جريدة العامل الاشتراكي البريطاني