ماركس سيغدو في النهاية محقًا
الذكاء الاصطناعي والصراع الطبقي

اعتقدنا أنّ كارل ماركس مخطئًا؛ لكنه سيغدو بشكل أو بآخر محقًا في نهاية الأمر. ليس كما تخيل تماماً حسب كتاباته المنشورة؛ لكن من خلال رؤيته الأشمل، لا محالة.
دعنا نستهل بالأفكار الأساسية: تطور قوى الإنتاج يُحدث تغيرًا في علاقات الإنتاج المصاحبة لهذا التطور؛ مما يحدث تناقض لا مناص منه داخل إطار نمط الإنتاج الموجود. مما يبشر بكارثة ذاتية النشوء، إذ تخلق الرأسمالية تواتراتها الداخلية بنفسها – تواترات تعالجها مؤقتًا من خلال إعادة الهيكلة التاريخية؛ كل هذا يحدث إلى الحد الذي لا تستطيع فيه التكيف. وبمد الخط لآخره؛ تحفر الرأسمالية قبرها بنفسها – وهذا ما نسميه بـ”الديالكتيكية/الجدلية”.
والآن إلى التفاصيل: إن التطور التدريجي عبر المراحل المتعاقبة من العمل الحرفي، المصانع، والصناعات الكبرى يؤدي إلى ترّكز كبير من العمالة في مواقع الإنتاج. وبواقع الأمر لا يمكن تركيز جماهير العمالة المضطهدة، والمقهورة – داخل مواقع قهرهم- مع الإفلات من العقاب. يتحدث العامل مع رفيقه، يصبح مدركًا – للأشياء من حوله – يطور وعيًا (طبقيًا)، من ثم ينظم بعضهم بعضًا. تأخذ قوة هائلة في التشكل، متخطية عزلة الفرد العامل داخل “سوق العمل” – الذي حتمًا يُصرع أمام المواجهة الظالمة مع رأس المال. فبداخل الظروف الجحيمية للمصنع، ينتج رأس المال عدوه الأبدي؛ وتصبح أيامه معدودة.
وبعيد قرن ونصف من الزمان، لا يزل العدّ جاريًا حتى الساعة. فالمد الثوري للقرن العشرين الذي كان غليانه على يد كتلة حرجة من العمالة المنظمة حُطّم حينذاك بالبطش والفاشية. أما المد الثاني، الذي انبثق من جنبات الحرب العالمية الثانية، فخدرته النزعة الاستهلاكية الجماهيرية: فالتغلغل الواسع للرفاه المادي، التعافي الشكلي للبروليتاريا من أحشاء الفقر المدقع – بَيَّنا لنا ما في حوزة الرأسمالية من أسلحة جديدة لم ندري بها: لم يعد محرك العمال هو دافع الجوع فحسب، بل أيضًا بوسائل خبيثة يبدو ظاهرها جميل. وعليه، يتعمق الاغتراب كبئر لا نهاية له. بعد عدة عقود: تظهر الطائرات، الهواتف الخلوية، وسائل التواصل الاجتماعي، دراما التلفاز – كل في آنٍ واحد تعيد الرأسمالية فيه هيكلة علاقات الإنتاج عقب النجاح الصناعي للفوردية الذي أوعى الرأسمالية للفكرة القائمة على تركيز كتلة العمالة الجماهيرية: الأتمتة، الروبوتية، تصدير رأس المال للأطراف، ظروف عمالة هشة، والتفتيت المجتمعي.
بإمكان المرء – بل على المرء – أن يظل ماركسيًا، لكن مع تنحيته النزعة الديالكتيكية الأولية. أصبح من الضروري أن نبحث في مكان ما آخر لنفطن الشرارات الجديدة لانقلاب بنيوي داخلي للنظام. فعلى سبيل المثال، فيما يخص حقل الإبادة البيئية، تدمر الرأسمالية الظروف المعيشية للإنسان على وجه الأرض. إذ لم يُقرَر بعد ما هو الرابط الحقيقي وراء الدمار، لكن الوقت سيكشفه لنا. بدّ أن التأثيرات جلية، ومن المستحيل توريتها، ولا شيء يحفز توليد الأفكار مثل دافع (هذه المرة) القلق- وسد الرأسمالية الخضراء، التحول الطاقي، الطرق الممهدة لركوب الدراجات سيعانون لاحتوائها.
لكن هذا كله سيستغرق وقتًا. وقتًا لطرق ومسارات الدراجات، ووقت للتأني وآخر لمثقفي إعاقة العملية السياسية أيضًا، وأخيرًا، وقت التضحيات. لأننا سنكون بحاجة للتنازل عن الكثير: طائراتنا، هواتفنا الخلوية، مواقع التواصل الاجتماعي، وبرامج التلفزيون، بجانب أشياء أخرى عدة. ولا أظننا مستعدين البتة لهذا. يفسر جين مارك جانكوفيتشي للمذيعة الفرنسية ليا سالامي (عبر برنامج إذاعي فرنسي) أنّا سنضطر لاحقًا للاكتفاء بنصيب ثلاثة أو أربع رحلات جوية طويلة المدى فقط خلال دورة حياتية واحدة؛ بدورها عبّرت سالومي بأنّ ثلاث إلى أربع رحلات خلال السنة الواحدة أقرب إلى العيش تحت وطأة ديكتاتورية – فعقلها لم يكن على استعداد، لم يسيغ المعلومات المتلقاة، لم يتمكن من معالجتها. بالطبع هذه ليا سالامي – بعبارة أخرى، عصا قياس التفاهة الصحفية، متموضعة براديو فرنسا بدلًا من جناح برتويل في سيفر (المكتب الدولي للأوزان والمقاييس) – لكن لا تزال الفكرة نفسها، وظروف حفظها هي نفسها. لكن المشكلة الآنية، هي أن عصا القياس تلك تعبّر عن الفكر الطاغي للسواد الأعظم من السكان. فحثّ الناس على التخلي عن ممتلكاتهم، وربط تجنب الكارثة البيئية بفكرة التخلي والضرورة الحتمية لتخطي مرحلة الرأسمالية: سيكون أجّل مهمة سياسية للمستقبل (بداية من الآن). بمعنى آخر، نتائج هذا السباق غير متوقعة – فليس على المرء إلا تخيل السرعات النسبية بين التحلل البيئي وتحلي الناس بفكرة التخلي. قد عايشنا سباقات أكثر تكافؤًا سابقًا. لكن بغض النظر، سنضطر للعدو سريعًا، لأنه ليس لدينا خيار آخر إلا الهرب نحو الأمام.
ديالكتيك الذكاء الاصطناعي
ما عدا أنّ هنالك ريح جديدة تلوح في الأفق، تحمل ما لم نتوقعه: الذكاء الاصطناعي. “ثمة أمر رهيب يحدث”. من تعليق مات تشومر – المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة أوذر سايد للذكاء الاصطناعي. حظيت الورقة البحثية خاصته بانتشار واسع كانتشار الفيروس – مما يزرع الشك فيما إن كان هذا الانتشار نوع من القبول العام الحسن أم العكس، فكونها استسيغت من قبل العديد من الجهّال، يضع تميزها تحت المجهر. فعندما نتحدث عن التميز لا شك أن أصحاب النفوذ لدى مجلة جراند كونتينت لسن بحاجة إلى الإرشاد. بدورها نشرت المجلة الورقة البحثية بحس متعالي على جدية الحدث، مصحوب بتخمة من التخمة الثقافية الزائف – الدالة على سجيتهم. فالقاعدة الأولى كي تكون مثقفًا برجوازيًا زائفًا: ألا تنصاع لتهاويل السوق الكبير؛ إسخر منها باستعلاء؛ واترك الفزع للعامة.
فالحق يقال أنّ في نص تشومير يحق للعامة من الناس أن يفزعوا. عامة الناس: يقصد بها هنا صفوة العوام. بيْد أنّ شومير هنا ينذر شريحة لا بأس بها من الكوادر التنفيذية – وحتى المدراء التنفيذيون – بأنهم سيظطرون قريباً إلى ترك وظائفهم: فقد أصبحوا فائضين عن الحاجة. يتحدث شومير من واقع خبرة أولية، حيث وجد نفسه عاجزاً عن مواكبة التطورات بسبب منتجاته، على الأقل داخل حقل عمله فائق التقنية. فالحقيقة هي أنّ الذكاء الاصطناعي يولد ذاته – يكتب تكويداته الخاصة. من جانبه، اصطلح السوسيولوجي الألماني جونتثر تيبنر مصطلحًا ليصف هذه اللحظة الحساسة التي تتحرر فيها العملية من شروطها الأولية – وبالضرورة من مبرمجيها – حتى تصبح مستقلة بذاتها، وتتطور ذاتيًا، لتتحكم في النهاية بمبرمجيها: ” الانطلاق ذو التكوين الذاتي” كما يصفه. وعليه، كما يتضح أمامنا أن الذكاء الاصطناعي يمر بانطلاقته المكونة ذاتيًا: الذكاء الاصطناعي يكتب نفسه.
ريجيس بورتالز هو مبرمج فريد من نوعه حصل على شهادته المعتمدة ليس من جامعات وكليات القمة النخبوية لكن بخبرته الذاتية كتقني ماهر. تقهقر ريجيس إلى الريف ليتصل بالطبيعة أكثر، مع الحفاظ على عمله كمبرمج لكسب لقمة عيشه. إذ يرى هو أيضًا أن حدثًا جلل ينتظرنا: “لم أكن لأعتقد من ست أشهر أن الذكاء الاصطناعي قادر على القيام بالأعمال الروتينية التي توكل في العادة إلى المبرمجين المبتدئين (…)، لكن خلال الأسبوعين الماضيين، أعطيت أمرًا لأحد الأدوات لإنشاء برنامج يستلزم مني عمل يوم ونصف لإنشائه (…) وهو أمر تنفيذي حر – يصنف على أنه مهمة “إبداعية” – تحددها مسائل تقنية عديدة. وفي غضون دقيقة ونصف، كانت عملية التكويد جاهزة للعمل، والاختبار، موثقة، بكامل فاعليتها”. كما يكتب ريجيس في مدونته.
بدورها، عقبت جراند كونتينت (المجلة): بالطبع! دون تعميماتها المتسرعة المعتادة، ولا (حاش) بدون استقراءاتها الخطية – بأنّ البرمجة في طبيعتها هي عملية لها طابع نظامي، يسهل على الذكاء الاصطناعي تبنيه. ولذلك يطلق المبرمجون زوبعة في فنجان، لأنهم وبشكل ما كان مقدر لهم أن يقفوا في وجه مدفع تطور الذكاء الاصطناعي “الإبداعي” – وما كان على أولئك الحمقى إلا أن يتوقعوا ذلك. ومن هنا نفهم لماذا كتب أولئك المبرمجين كل تلك المنشورات المذعورة.
يعمل شومير في البرمجة، لكن لازال يحتفظ بقسط من حياته الاجتماعية. بعبارة أخرى، لديه “معارف” ممن لا يعملوا في مجال البرمجة. محامون بمجال الأعمال، مثلًا. بدا أن لهذا الصديق المحامي اطلاع على ما يمكن حدوثه في المستقبل القريب من تأثير، إذ يقول:” يبدو الأمر وكأن لديك جيش من المساعدين تحت إمرته”. إذ يستوعب هذا الصديق أنه “سيكون لدى الذكاء الاصطناعي القدرة على فعل كل شيء هو قادر عليه تقريبًا”. وما يلي هي قائمة من الأعمال المندرجة تحت نفس التصنيف الوظيفي: الخبراء الماليين، أخصائي التشخيص الطبي، ممثلي خدمة العملاء، المستشارين من كل المجالات. الصحافة – يالفرحتنا! ولا شك في القريب العاجل: كتّاب السيناريو، والحوار، مؤلفي (كتّاب) الأغاني، المترجمين (قلقون بالفعل)، كتّاب حاصلون على جوائز جراء أعمالهم. بل يمكن أن نضيف للسلة: مصممي الجرافيك، الموسيقيون، صناع الفيديو، و – لم لا نضيف أيضًا – المخرجون، إذ يخولنا برنامج بايتيدنس من صنع فيديوهات لكاني ويست إلى جانب لقطات لتوم كروز وبراد بيت بدون الحاجة إلى توم كروز أو حتى براد بيت أنفسهم.
خرج علينا منذ ثلاثة عقود روبرت رايخ، وهو أحد مثقفي عهد كلينتون المزيفين متغنيًا بمشهدية “الطبقة الإبداعية” الجديدة، “مناوري الرمزية”، طلائع إعادة الهيكلة العظمى للتقسيم الدولي للعمل المدفوعة بالعولمة – حركة هجرت سخام المصانع للـ”آخرين” مع إدامة شبق التصميمات ومخططات العمل التفصيلية اللانهائية لأنفسهم. بعبارة أخرى، إعادة التوزيع العالمي لجوهر تقسيم العمل – كما ارتأى ماركس منذ زمن- بين العمل الذهني واليدوي. فكيف “لطبقة المبدعين” ألا ترفع القبعة تحية وإجلالاً؟ بيد أنّ إطارها المجتمعي كله، بجانب ما تشعر به من صورة إطرائية تجاه ذاتها، يوصلها بطبيعة الحال إلى هذه النقطة تحديداً. مع اعتبار كل العواقب السياسية التي تلي مثل هذا النزق الفكري. إذ لا يتفاجأ المرء حينما يُشّرح العمود الفقري لهذه الكتلة الثقافية البرجوازية، بلسان حالها الممثل في بوتقات إعلامية مثل: مجلة ليبراسيون، لو موند، تيليراما، إذاعات فرنسا الرسمية، لو نوفيل أوبسرفاتور، أرتي – سيرى كيف احتفت بنفسها وعلى الصعيد الآخر اشاحت بنظرها عن قدر الطبقات العاملة، الممزقة والمسحوقة تحت براثن تصدعات العولمة، حتى تم اختزالهم في كونهم توابع فائضين عن الحاجة داخل إطار المخطط الأعظم لتقسيم العمل بالخارج. ومن هنا ستدافع كتلة “المبدعون” البرجوازية عن نفسها لدرء الانتقادات المناهضة لفكرها عبر كل تكتيكات الرياء ممزوجة بالعنصرية المجتمعية وترد بأنه: أولئك الآخرون بلداء، لم يستوعبوا حسن نية العولمة، يضمرون العداء لأوروبا، مروجين لنظريات المؤامرة، تابعون للسترات الصفراء – دنسون وخبثاء.
بحسب المفهوم المادي العظيم : تشكلات الوعي المختلفة تتحدد من خلال ظروف الوجود المادية. والواقع الآن هو أن ظروف الوجود المادية لدى طبقة البرجوازية “الأخلاقية” على موعد مع انقلابات واضطرابات عنيفة. هكذا تجد طبقة البرجوازية “الأخلاقية” نفسها، في ليلة وضحاها، مكبلة ليس فقط بفعل البطالة بل بإحساس طاغي باللاجدوى. وسيتسنى لها معايشة التجربة التي لم تولها اهتمامًا سابقًا – تجربة الـ”آخرين” لكن من الداخل، بثقل التسريحات الجماعية، إعادة الموقعة، التوطين، و”الترشيد الوظيفي” – تجربة الفائض عن الحاجة. وأعداد غفيرة من طبقة “البرجوازية الإبداعية” – والتي قدمت نفسها سابقًا على أنها مهمة، مركزية، وغير مكترثة – تتحول تدريجيًا إلى فائض عن الحاجة.
الكتلة البرجوازية الزائلة وتخلي أسيادها عنها
إن الانفجار الحادث في قدرات الذكاء الاصطناعي وحجم الدمار المجتمعي المترتب عليه يحدثان ثورة في المشهد الطبقي بطرق لم تتخيلها أي شكل من أشكال الماركسية التي تركز على “الطبقة العاملة بوصفها ذاتًا فاعلة للتاريخ ” كركيزة وفلسفتها. ولا حتى في خيالات حزب فرنسا الأبية القائمة على “المجتمع الشبكي” كمفهوم للاجتماع السياسي. لا يمكن أن يحدث هذا لا من خلال الحصرية العمالية أو التأسيس لطبقة شبكية جديدة – و”النفي” هنا ينسحب على عملية تشّكل قوى الانفصام البنيوي. لا نقول هنا أنه لا يمكن لتلك الطبقة أن تعيد ترتيب نفسها، إذ مازالت هناك معاقل طبقة عمالية مناضلة، يقابلها تشكلات قوى محتملة ستنتج عن الانفصال عن الشبكة. لكن التغير الأساسي يتشكل في حيز آخر: أي تدمير الرأسمالية الممنهج لقاعدة دعمها. وهي القاعدة التي تعوض اقليتها الاجتماعية مكانتها عبر رمزية مكانة الأغلبية المهيمنة: المهن “الفكرية”، واستحقاقيتها لصوت يعبر عنها من خلال رأي عام، مضمون له الاحترام والتمثيل المبالغ فيه بوسائل الإعلام المختلفة – بما فيه عالم السينما، الذي يرى ويهتم فقط بحيوات طبقته الخاصة.
من الآن فصاعدًا، وعما قريب ستنهمر جموع هذه الطبقة المتعددة كوضوح الشمس إلى الشوارع. حتمًا تكمن هنا قسوة الأوهام الضائعة. لم تشتكي كل هذه الجموع سابقًا عندما كان كل شيء على هواهم؛ مفصل على مقاسهم. لنذهب أبعد من ذلك، فقد وعدوا بالحصول على كل شيء. وعد وضح بالوقت للعديد منهم أنه زائف – مديرين بمستوى متوسط إلى عالي، رأوا في خيالاتهم القدرة على “الانتماء” – إذ يبدوا أن سؤال الاجتماع السياسي لا يكمن في: “أن تكون أو لا تكون”، بل “أن تنتمي أو لا تنتمي”. وإذاك، ماذا لو توارى سؤال ” الانتماء” في الأفق البعيد حتى أتت خطط التقاعد – فتستحيل خيالات الافتتان بالمكانة الاجتماعية الرفيعة أن تولي مطرحها أبداً، حتى أمام مطرقة الواقع، ولا مقابل الإحصائيات القائلة بفشلهم منذ البداية. هنا تظهر قوة الذاتية الفردية: “أنا على علم بكل ذلك، وبالرغم من ذلك سأنجح”. يا للأسف يا صديقي – لن تنجح. والاختلاف الوحيد يا صديقي الآن، أنه في حين أنك قد تكون تصورت خطط تقاعدك في سلام حسب خيالك غير منقطع النظير، ستجد نفسك ملفوظ بسبب آلة، وستضطرك بيئتك كلها للشعور بانعدام قيمتك – انعدام قيمتك الفائضة عن الحاجة. لأنه من المؤكد: مع مخزونات الإنتاجية وتقليص النفقات التشغيلية وتجريفها، ستنقض السياسات المالية للرأسمالية عليهم كما لم تنقض من قبل. معصوبة العينين، غضوبة حد الزبد الطافح من الشفتين.
وبهذا الشكل نتوصل إلى جدلية جديدة – لم يتخيلها ماركس البتة، ديالكتيك أكثر واقعية وواعد أكثر من الآخر الذي تتطور فيه قوى الإنتاج وتنمو ذاتيًا مفسدة علاقات الإنتاج إلى حد حرج – أما في شكله المعاصر هو: ديالكتيك الكتلة البرجوازية الفائضة عن الحاجة.
مازال سؤال فاعلية هذا الديالكتيك مفتوحًا. أينعم، هناك منشقون بالفعل، الذين لم ينتظروا حتى يقرر الذكاء الاصطناعي مسارهم: من مدراء تنفيذين شيوعيين سرًا يعملون بالبنك الفرنسي العام للاستثمار (وليس القصد هنا تبعيتها للحزب الشيوعي الفرنسي…)، أولئك المتقززين من الحياة المؤسسية، طلاب يخربون حفلات التخرج، موظفون صغار ينوون الاستقالة، طلاب تقنيون مستقلون، مؤلفون وفنانون يتمردون ضد مؤسساتهم كل في مجاله، مخرجو أفلام مفلسون مناهضون للفاشية، ومنتجون مستقلون ليسوا بأي شكل أكثر غنًا لكن متمسكون بمبادئهم. كل أولئك يعرفون ماذا هم فاعلون، وإلى أين يتجهون. وعلى الضفة الأخرى يصطف الآخرون: قطيع من السياسيون البلهاء، كتائب من أولياء الماكرونية، الاشتراكية، أو دعاة حماية البيئة الباريسيين. مما لا شك فيه أن معظم أولئك الناس لم يخوضوا في هذه الأمور مفكرين، لأن ظروفهم منعتهم من القيام بذلك؛ بطبيعة الحال: كانوا لسان حال الكليشيهات المهيمنة، محصنين بيقينهم الفكري – إذ حوت خطبهم الخاصة على لمسات بدائية من الذكاء الاصطناعي، عندما كان قادرًا فقط على تجميع قصاصات من صحافة الجماهير. فلا يتطلب الأمر إلا محادثة مع موظف بنكي، صحافي، أو حتى فنان معاصر لتَخْبُر دوار السقوط العمودي لكتلة الطبقة البرجوازية تلك تمامًا كما تتهاوى غاطسة في أعماق خندق سحيق.
لكن إليكم ما هو أسوأ: فردانيتهم اللامحدودة، التي تجعل منهم أشخاص غير قادرين على الفعل الجماعي المتخطي فكرة “بناء الفريق” أو” ساعة الراحة التي تلي العمل”. كان لدى طبقة ماركس العاملة مِزّية وهي وحدة المكان والتلاحم المكثف للطاقة العاملة. ولا شيء من ذلك متوفر لدينا. إنما التفكك – الذي يندرج تحت شرف التنافسية الرأسمالية – لهو حجر أساس الشروط المادية لهذه الطبقة – وصيرورة التحول الطبقي ” طبقة لذاتها” سيكون شاقًا. في الحقيقة، لن يحدث هذا من تلقاء نفسه. سيحتم علينا خوض النقاشات معهم – وليس هذا فقط بالطبع. أكرر أن علينا التحدث إليهم – بل علينا أن نسحبهم سحبًا من حالة التبلد السياسي الممتقعين فيها.
فلنأخذ على عاتقنا تشكيل وضع جديد للمجتمع البشري – هناك حالة من الضبابية الشاعرية تنتشر بشكل سريع – لنا أن نتخذ منها فهمًا قابلًا للمشاركة، ومن ثم نبنيها ونشكلها سياسيًا: وهذه هي مهمة التنظيمات الحالية. وإذا نظرنا إلى قوة العمل البشري، ستتضح الصورة بسرعة. وعلى الجانب الآخر، لدينا الأحزاب الشيوعية – لا غنى عنها، لكن محدودة التأثير، في الغالب ما تكون محصورة موجهة للطبقة العاملة، مع خطاب موجه للطبقة العاملة، مما يخلق صعوبات في التواصل مع طبقات غير متجانسة. وعلى صعيد آخر، هناك فرنسا الأبية، حركة ذات ثقل واضح ولها جذور ضاربة في ثقافة وفكر الطبقة البرجوازية المتوسطة التي في الحقيقة تعتبر فرع منها متسقة معها متحدثة بلغتها. ومن هنا، يعتبر الوصول لنقطة التقاء وبذل جهد جماعي شيء قابل للتحقق. “لقد آمنتم به؛ مخدوعين؛ فهذا النظام الذي ساقكم إلى هذا الوضع عديم الرحمة – بشكل أو بآخر عرفنا أنه يوم ما سيحطمكم، وقد كان؛ ففقدوا كل مسحة أمل – أو بالأحرى، غيروه!”.





