بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الماركسية والتاريخ

تشرح كاميلا رويل في هذا المقال أن فهم القوة الدافعة للتقدم البشري وتغيير المجتمع أمرٌ بالغ الأهمية لكل من يريد عالم مختلف.

يعد التاريخ أحد القضايا الهامة بالنسبة للاشتراكيين. ويتضح هذا من الهجوم الأيديولوجي الذي يحيط بمناسبة مرور مائة عام على الحرب العالمية الأولى والذي يصوّر التاريخ وكأنه ساحة قتال للطبقة الحاكمة. هم يحتاجون التاريخ لعدة أسباب، منها إضفاء الغموض على الماضي إقناع الناس بأن الأوضاع الحالية إنما هي واقع لا مفر منه غير قابل للتغيير.

في بعض الأحيان، تشير الطريقة التي يُدرّس بها التاريخ في المدارس إلى أننا نحتاج فقط معرفة أي عائلة مالكة كانت على العرش ومتى، فنحن نتعلم عن طريق حفظ التواريخ والأحداث الهامة للطبقة الحاكمة. طبقاً لهذا، ليس التاريخ إلا مجرد سلسلة من الأحداث المتتالية، وما من نمط عام أو عملية تجري هذه الأحداث وفقها. وهذا يعني أنه في النهاية يمكننا وصف ما حدث، ولكن لا يمكننا محاولة تفسيره.

ساهم الثوري الألماني كارل ماركس في تطوير الرصد المادي للتاريخ البشري والذي يتعارض مع ذلك. وغالباً ما يشار إلى النهج الماركسي في دراسة التاريخ بـ”المادية التاريخية”.

نحن ننطلق من إمكانية تنظيم المجتمع بطرق مختلفة تماماً، ونستند في ذلك على أساس فهم الدور المركزي الذي يلعبه العمل البشري.

الرأسمالية
يرفض الماركسيون فكرة أن التاريخ عبارة عن مجرد سلسلة من الأحداث. فالرأسمالية الصناعية التي نعرفها اليوم تختلف كثيراً عن المجتمع الإقطاعي الذي كان في السابق، ولكل منهما خصائصه المميزة. والسبب وراء هذا التباين يكمن وراء الاختلاف الشديد في الطرق التي تنظم العمل الإنساني بين المجتمعات.

استخدم البشر قوة العمل، منذ المجتمعات الأولى، لتوفير الطعام والدفء والمأوى. في الحِقَب الإقطاعية، عَمِلَ الناس لصالح المالك، والآن معظم الناس تُوظَّف مُقابل أجر لدى صاحب العمل.

تُعرَّف سعة وقدرة أي مجتمع بشري لإنتاج السلع والخدمات بقوى الإنتاج. والطريقة التي يتم تنظيم الناس بها تُعرَّف بعلاقات الإنتاج. وإذا استطعنا فهم طريقة العمل في مجتمع معين، يمكننا البدء في فهم طريقة العمل ككل. أشار ماركس إلى ذلك بـ “الأساس الخفي للبنية الاجتماعية برمتها”. وهذه هي مجرد نقطة انطلاق.

للمجتمعات خصائص مختلفة، مثل الممارسات الدينية، والأعراف الثقافية، وأنواع الملابس التي يرتديها الناس والطعام الذي يأكلوه، وكل هذا لا يمكن قراءته بمعزل عن طريقة العمل. ما زال المؤرخون في حاجة لعمل للبحث بدقة لمعرفة ذلك.

بشكل دوري، يتوقف نمط معيّن عن أن يمثل الطريقة الأكثر فعالية في تنظيم المجتمع، ويحل محله مجتمع جديد. فقوى الإنتاج تدخل بشكل دوري أيضاً في تعارض مع علاقات الإنتاج. إنه هذا النوع من التقلبات الذي يدفع التاريخ للأمام. فالحروب والثورات يمكن أن تبدأ عندما يتعارض نمط معين من المجتمعات مع آخر. والتحول من الإقطاعية إلى الرأسمالية في أنحاء كثيرة من أوروبا مثال على ذلك التغير.

أزاحت الرأسمالية الآن الكثير من الناس إلى صفوف الطبقة العاملة. ولهذه الطبقة القدرة على التوحّد والإطاحة بالنظام الرأسمالي وتأسيس نمط مجتمعي مختلف.

ولكن هذا لا يفترض ضمنياً أن التاريخ يقود حتماً نحو التقدم. وكثيراً ما يساء تفسير الماركسية في هذا الصدد، ليس فقط من قِبَل نُقّادِها لكن أيضاً بعض من أولئك الذين يطلقون على أنفسهم ماركسيين. على سبيل المثال، بعض مفكري الأممية الثانية في بداية القرن العشرين اعتقدوا أن المجتمعات تتطور بثبات نحو الاشتراكية. وهذا جعلهم غير قادرين على فهم أن الرأسمالية في أزمة يمكن أن تودي بالبشرية إلى الوراء، وأن الثورة هي الطريق الوحيد لتحقيق المجتمع الاشتراكي.

السياق
لدى الطبقة الحاكمة مصلحة أساسية في الإبقاء على الأمور كما هي ومحاولة منع أي تغيير. كانت هناك في الآونة الأخيرة محاولات من قبل المؤرخين اليمينيين، مثل نيال فيرجسون وأندرو مار، لتقديم الرصد الأكبر لتاريخ الطبقات الحاكمة، حيث حاول فيرجسون في كتابه “الحضارة: الغرب والآخرون”، ومار في كتابه “تاريخ العالم”، تقديم سرد شامل عن العالم باعتباره انتصاراً لهذه الطبقات. وذلك لأن الطبقة الحاكمات تحتاج أوهاماً مماثلة لتعطي انطباعاً بالثبات والاستقرار.

في الواقع يتطلب الأمر صراعاً طبقياً يضع حداً بين نمط مجتمعي وآخر. وعلاوة على ذلك، لا يعني أخذ نظرة واسعة للتاريخ أن الأحداث العفوية والطارئة لا تَهُم، ولكن ينبغي تناول تلك الأحداث في السياق العام؛ فهي موجودة ضمنياً وتتعلق بصورة أوسع وأشمل في التاريخ. وكما جادل ماركس، فإن “الناس يصنعون تاريخهم بأيديهم… لكنهم يفعلون ذلك في ظروف لم يختاروها”.

أيّاً ما كان اعتقادك، سواء كُنت تَنظُر للتاريخ باعتباره سلسلة من الأحداث الفارقة، أو تَنظُر للقوى الأوسع التي تستطيع أن تُحدِث فارقاً، يُمكِنك تَغيير المُجتمع. الطبقة الحاكمة يهمل أهمية الطريقة التي يُنظَّم بها الإنتاج في المجتمع. وطبقاً لوصفها للتاريخ، فأكثر الجوانب أهمية هي ما إذا كان الساسة يقودون بلادهم على نحو فعّال أو التدقيق في تفاصيل حياة الملوك والملكات. فربما يمكننا معرفة كم زوجة كانت لملك ما أو نوع الملابس التي كان يرتديها.

هناك تركيز أقل كثيراً على القضايا الأكثر شمولاً.. كيف وُجد الملوك والملكات منذ البداية؟ لذا يتولد لدينا انطباعٌ بأن البشر عاشوا دائماً في مجتمعات يديرها قلة من الأغنياء على القمة والجميع يعمل بالأسفل. وهم يبررون وجودهم على قمة المجتمع بتقليل أهمية حقيقة أن الأمور يمكن أن تجري بشكل مختلف.

واحدة من أقدم السجلات التاريخية لدينا هي قوائم الملوك، والتي دوّنها الكَتَبَة توثيقاً للفراعنة المصريين. لم يكن ذلك أكثر من سجل لأعمال بطولية مُفترضة للملوك أنفسهم ولأسلافهم. وهي تهمل تماماً الآلاف من العمال الذين كانوا يُجنّدون إجبارياً لبناء الأهرامات، وبدلاً من ذلك ركزت على أقلية. وذلك لأن الطبقات الحاكمة تستغل التاريخ كوسيلة للتحكم في أفكار الناس.

إن فهم التاريخ ومن أين أتينا يُمكن أن يقود الناس لفهم تطور المجتمع، ورؤية كيف أن الرأسمالية تُفيد الأغنياء فقط. لذلك تحاول الطبقة الحاكمة أن تحافظ على إحكام سيطرتها على التاريخ للتأكد من أن أفكارها لا تزال هي الأفكار المهيمنة. وهناك أمثلة عديدة لطبقات حاكمة حاولت منع الناس من فهم التاريخ أو الوصول إليه بأنفسهم.

ففي ألمانيا، عندما وصل النازيّون للسلطة، قاموا بحرق كتب ارتأوا أنها “تخريبية”. وشملت هذه الكتب أعمال للفيزيائي النظري ألبرت أينشتاين، والمحلل النفسي سيجموند فرويد، والكاتب فرانز كافكا، وكارل ماركس. وذلك مثال واضح لطبقة حاكمة تمنع وصول الناس للأفكار. ولكنه ينطبق كمثال عن كيف استطاعت طبقة حاكمة إيقاف الناس عن فهم الماضي.

إلا أن البعض قد يجادل بأن من الأفضل أن ينهمك الاشتراكيون في التحريض في الشوارع وأماكن العمل من أن يناقشوا التاريخ.

النضال
ولكن فهم الماضي، وتطور المجتمع وكيفيّة تغييره، هي أجزاء لا تنفصل عن نفس النضال. وقد حاول بعض الكُتّاب إعادة التوازن عن طريق كتابة التاريخ من وجهة نظر المُضطَهَدين بدلاً من المُضطّهِدين. غالباً ما يسمى ذلك بـ”التاريخ من الأسفل”.

يطرح هؤلاء المؤرخون أسئلة من نوعيّة كيف كانت الحياة بالنسبة للناس الأكثر فقراً في المجتمع؟ وما الدور الذي كانت تقوم به المرأة؟ ماذا عن الناس الذين عانوا بسبب الإمبريالية؟ أولئك الذين نساهم التاريخ، كيف يمكن أن نروي قصتهم؟

من المهم أن نفهم كيف كانت الحياة لعامة الناس على مر التاريخ. ولكن هذا السرد قد ينتهي بمجرد وصف حياة الناس بدلاً من السعي إلى تفسير أشمل لدورهم.

فقد يرى البعض أن الناس ضحايا لظروفهم بدلاً من كونهم ضحايا للحكام السياسيين.

أفضل التأريخات لم تصف فقط حياة عامة الناس، ولكن أشارت أيضاً لطريقة تصرفهم لتغيير الأوضاع. الناس الذين يقاتلون اليوم في حاجة لمعرفة نضالات الماضي. وبالتالي صراعات اليوم السياسية تضمن معركة على مدى التاريخ.

سيستمر الليبراليون والمحافظون في مهاجمة النظرية الماركسية في التاريخ على أنها غير عصرية وعفا عليها الزمن. ولكن الماديّة التاريخية تجعلنا نفهم كيف جاء العالم الذي نعيش فيه إلى حيز الوجود، والأهم من ذلك كيف يمكننا تغييره.