بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاشتراكية والحرب

حرب الرأسمالية كسلامها، كلاهما يدعم مصالح الطبقات الحاكمة على حساب الطبقات العاملة والمستغَلة. منار حسين تطرح الموقف الاشتراكي الثوري من الحروب الإمبريالية، وتستنتج من ذلك ضرورة الوقوف بحزم ضد سياسة الحرب الممتدة التي تنتهجها الإمبريالية الأمريكية.

تطرح الحرب الإمبريالية الأخيرة ضد العراق عدداً من التساؤلات بشأن الدور الذي تلعبه الحروب كأداة من أدوات التنافس الرأسمالي وبشأن الموقف الذي يجب أن يتخذه الاشتراكيون إزاءها. وفي السطور القادمة سوف نحاول الإجابة على هذه الأسئلة وصولاً إلى صياغة الموقف الاشتراكي من سياسة الحرب الدائمة التي تهدد بها الإمبريالية الأمريكية العالم.

الرأسمالية والحرب
الرأسمالية هي أكثر النظم وحشية في التاريخ الإنساني. فمنذ أن ظهر هذا النظام مع الثورة الصناعية في نهاية القرن الثامن عشر، لم يستطع أن يؤمن لنفسه النمو والاستقرار إلا عبر فرض أقصى درجات الاستغلال على الطبقة العاملة، وذلك باستخدام أكثر الوسائل عنفاً في إجبارها على الخضوع. دع عنك كل محاولات الاقتصاديين الرأسماليين لتصوير عملية النمو الرأسمالي باعتبارها عملية سلمية تماماً تجري بشكل تلقائي حسب قوانين السوق وبفضل “اليد الخفية”. الحقيقة هي أن الدم والعنف كانا في مقدمة الأدوات التي بموجبها استطاعت الرأسمالية أن تتقدم للأمام. فقد كانت الجيوش دائماً وراء كل نجاح لقوى السوق. ولنتذكر في هذا الصدد كم من الإضرابات تم فضها وكم من الثورات تم قمعها بقوة السلاح.

ومنذ أن تحولت الرأسمالية إلى الاحتكار قبيل نهاية القرن التاسع عشر، تحول التنافس بين الشركات داخل حدود الدولة الواحدة إلى صراع عالمي تخطى حدود الدولة القومية. كلما كانت الشركات الصغيرة تفلس وتفقد مصانعها وأسواقها لصالح الشركات الأكبر، وكلما كان حجم الشركات يتضخم وعددها يقل ليصل إلى حفنة صغيرة من الشركات التي تسيطر على كل صناعة، كلما كان ذلك يؤدي إلى زيادة الارتباط بين الرأسمالية والدولة. ولأن مصالح رأس المال والدولة أصبحا مرتبطين أكثر من أي وقت مضى، فقد أضحت الاقتصادات الوطنية تنظر إلى دولها كوسيلة للحماية في معترك المنافسة العالمية، طالبة مساندتها العسكرية والدبلوماسية لخدمة الأغراض الاقتصادية.

ومن هنا أدى التنافس الإمبريالي المحموم على المستعمرات إلى قيام الحرب العالمية الأولى التي نتج عنها مقتل 25 مليوناً بأسلحة فتاكة لم يكن من الممكن تخيل وجودها قبل ظهور الرأسمالية. ولم يكد يمر عشرون عاماً حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية, التي حُصدت فيها أرواح أكثر بأسلحة أكثر تطوراً. ثم توجت الولايات المتحدة هذا الرعب الدموي باستخام القنبلة النووية ضد اليابان في هيروشيما ونجازاكي.

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت القوى العظمى الاستعداد للحرب التالية. ومن ثم وصل الإنفاق على الأسلحة إلى معدلات وأرقام غير مسبوقة. وأصبح التراكم الضخم للثروات والتطور الصناعي والتكنولوجي الكبير موجهين لصنع أسلحة الدمار الشامل بدلاً من تلبية احتياجات الإنسان. وقد أدت هذه الأسلحة إلى مذابح غير مسبوقة تاريخياً. فعدا عن الـ25 مليون قتيل في الحرب العالمية الأولى, والـ55 مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية، نجد أن توجيه الأسلحة ضد المدنيين قد تزايد في العقود الأخيرة بشكل مرعب. فقبل الحرب العالمية الأولى كان ضحايا الحروب من المدنيين يمثلون 10% من إجمالي الضحايا, أما في الحرب العالمية الأولى والثانية فكان معظم الضحايا من المدنيين. أما في الحرب التي شنها حلف الناتو في صربيا, وفي الحرب الأمريكية ضد أفغانستان، فقد مثل المدنيون 80-90% من القتلى.

ولا يمكننا حصر الضحايا فقط في عدد الذين قتلوا بالأسلحة والقنابل. ففي يومنا هذا هناك 29 مليون لاجئ في العالم بسبب الحروب. وحتى عندما يتوقف إطلاق النار, فالمليارات التي تستثمر في صناعة الأسلحة تعنى أن الأطفال والمسنين والمرضى والفقراء والمعدمين يموتون كل يوم لأن الأموال اللازمة لإنقاذ حياتهم توظف في إنتاج الدمار بدلاً من توظيفها في مجالات مفيدة للبشرية. وقد أدت هذه الآلية المجنونة إلى فوضى شاملة جعلت القرن العشرين قرناً للحروب الدائمة بامتياز. إذ لم تخل أي من سنواته من حرب ما استخدمت فيها أبشع وسائل الدمار.

الاشتراكيون والحروب
لقد أدان الاشتراكيون دائماً الحروب بين كعمل بربري ووحشي. ولكن الاشتراكي الثوري الروسي فلاديمير إيليتش لينين ميز في كتابه “الاشتراكية والحرب” بين المعارضة الماركسية والمعارضة البرجوازية السلمية للحرب. فموقف الاشتراكيين إزاء الحرب مختلف جذرياً عن البرجوازيين السلميين. وذلك بالضبط لأن الاشتراكيين يدركون الصلة الحتمية بين الحرب والصراع الطبقي، وبين النزوع للتدمير ومصالح القوى الرأسمالية العالمية، ويستنتجون من ذلك استحالة إلغاء الحروب إلا بإلغاء الطبقات وتحقيق الاشتراكية.

ترفض الماركسية اتخاذ موقف مطلق تجاه الحرب. فكل حرب يجب أن تدرس بطريقة ملموسة ومنفصلة في إطارها التاريخي المحدد. حيث لا يساوى الاشتراكيون بين عنف المضطهِد وعنف المضطهَد، ولا يتفقون مع اعتبار عنف الجماهير المضطهَدة وثورة العمال تشويهاً للروح الإنسانية ودفعها نحو الكراهية, كما لا يتفقون مع استراتيجية استمالة الأعداء عبر التصالح غير العنيف والدعوة لمكارم الأخلاق. ويرفض الاشتراكيون الوهم القائل بإمكانية خلق تناغم في عالم مبنى على عدم المساواة الطبقية في الثروة والسلطة والامتيازات. ليس هذا بسبب رفض الاشتراكيين للتناغم، ولكن لأن الطبقات الحاكمة لم تعر ـ على مدى التاريخ المكتوب للبشرية ـ أي انتباه للتوسلات السلمية والأخلاقية لأن تتخلى عن السلطة والثروة.

لقد دعا لينين، الذي اعتبر أن “الحرب هي امتداد للسياسة ولكن بشكل دموي”، إلى التأمل في الطبيعة الطبقية الخاصة بالحرب وأسبابها وفي الظروف الاقتصادية والتاريخية التي تؤدي إلى قيامها. هنا يمكن التمييز بين نوعين من الحروب. النوع الأول هو الحرب التي تقوم بين قوتين إمبرياليتين مثل الحرب العالمية الأولى والثانية. والنوع الثاني يتعلق بالحروب التي تقودها قوى إمبريالية عظمى ضد دول أخري أضعف، ومثال ذلك حرب فيتنام والحرب الحالية ضد العراق.

في الحالتين يرى الاشتراكيون أن العدو الأساسي هو الطبقات الحاكمة. وقد لاحظ لينين أن الحروب بين القوى الإمبريالية لا تزيد عن كونها حروباً بين مجموعة من اللصوص للسيطرة على الغنائم المتمثلة في ثروات الدول الفقيرة. فالطبقات الحاكمة في تلك الدول تحارب لكي تحسم من يستطيع أن يسرق أكثر ويستغل أكثر. فى هذه الحروب الشرسة لا يوجد مجال لاختيار جانب لنسانده. ومن ثم فعلى الطبقات العاملة في كل الدول المتحاربة اتخاذ موقف انهزامي عبر الثورة على النظم الحاكمة بها. وهو ما حدث بالفعل في روسيا عام 1917 أثناء اندلاع الحرب العالمية الأولى.

لكن عندما تتورط القوى الإمبريالية في حرب استعمارية ضد دولة أصغر, يؤيد الاشتراكيون هذه الدول في مواجهة القوى الإمبريالية لأن ذلك يضعف الأخيرة ويقوى من موقف الطبقات العاملة بها. وقد قدمت لنا السنوات الماضية نماذج عديدة من الحروب الإمبريالية ضد الدول الأصغر في الشيشان ويوغوسلافيا وأفغانستان.

الحرب الأمريكية الممتدة
ليس هناك شك في أن الموقف الثوري الصحيح من الحرب الأمريكية الممتدة، التي بدأت في أفغانستان ثم انتقلت إلى العراق، واليوم هي تهدد بفتح جبهات أخرى في سوريا وإيران وكوريا الشمالية، هو الوقوف بحسم ضد الإمبريالية. فهزيمة الولايات المتحدة تؤدى إلى إضعاف الإمبريالية عالمياً، وتسهل بالتالي على الطبقات العاملة مهمة مقاومتها ومقاومة الرأسمالية, كما تزيد من قوة الحركات المناهضة للعولمة والإمبريالية والحروب.

ولا يعني هذا على وجه الإطلاق التغطية على جرائم الأنظمة. فليس مطلوباً من أجل نصرة الشعب الأفغاني أو العراقي أو غيرهما التوقف عن نقد الأنظمة التي قمعت شعوبها ولعبت أدواراً جوهرية في تسهيل العدوان الإمبريالي. المسألة على حقيقتها هي أن إلحاق هزيمة ما بجيوش الإمبريالية يمكنه أن يؤدي إلى تعزيز الحركات الجماهيرية ومنحها الثقة بقوتها وتأثيرها. ومن ثم فإن ذلك هو أنسب السبل لتصعيد النضال الطبقي ضد الأنظمة وما تحميه من استغلال وإفقار وقهر.