بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لماذا نقرأ «الشيوعية اليسارية: مرض طفولي»؟

لينين

في أغسطس 1914، فشلت الأممية الثانية للأحزاب الاشتراكية في الاختبار الأكثر حسماً، وكان لذلك الفشل عواقب كارثية. انزلق تقريباً كل القادة الاشتراكيين في أوروبا إلى الشوفينية، حيث دعموا مصالح دولهم في حرب إمبريالية راحت فيها أرواح عشرات الملايين من العمال.

أحد الأحزاب القليلة التي وقفت ضد الحرب على الدوام كان الحزب البلشفي في روسيا. وقد أدت خبرة الحرب، مع خيبة الأمل في أولئك القادة الاشتراكيين، إلى تجذير كبير في صفوف العمال والجنود. أما بعد الثورة الروسية في أكتوبر 1917، فقد قاد البلاشفة حكومة المجالس العمالية (السوفييتات) وسحبوا روسيا من الحرب. وفي نوفمبر 1918، اندلعت الثورة في ألمانيا لتنهي الحرب تماماً.

أدرك لينين الحاجة إلى منظمة أممية جديدة حيث تتجمع أفضل عناصر الأحزاب الاشتراكية في أوروبا. ومن ثم انطلقت الأممية الشيوعية الثالثة (الكومنترن) في مطلع مارس 1919. وكان التحدي الأكبر أمام الأممية الجديدة أن الأحزاب المنتمية إليها، إلى جانب الحزب البلشفي، كانت صغيرة ولم تنضج بعد في عنفوان الثورة. كانت رياح الثورة تكتسح أوروبا، وأُعلنت الجمهوريات السوفييتية في بودابست في 21 مارس 1919، وفي ميونيخ 7 أبريل من نفس العام، كما هبت موجات من الإضرابات في النمسا وإيطاليا وبريطانيا.

حينها رأى لينين فرصة كبيرة لبناء أحزاب جماهيرية تحت راية الاشتراكية الثورية. وكان محقاً في ذلك. انضم للأممية الحزب الاشتراكي الإيطالي ذو الـ 300 ألف عضو، وكذلك أحزاب جماهيرية من بلغاريا ويوغوسلافيا والنرويج والسويد. وصار الحزب التشيكوسلوفاكي يضم 400 ألف عضو.

وفي ألمانيا، انشق الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي في 1917. وبعد ذلك بعامين، انشق مجدداً لينضم 300 ألف عضو للحزب الشيوعي. أما في فرنسا، فقد غادر 140 ألف عضو الحزب الاشتراكي لينضموا إلى الحزب الشيوعي المُشكل حديثاً.

لكن تلك الأحزاب الجديدة لم تكن متمرسة في السياسات الثورية. في يناير 1919، اندفع الحزب الشيوعي الألماني سريعاً في انتفاضة غير ناضجة وكارثية في برلين، وصمد نظام السوفييتات في المجر فقط لأربعة أشهر، وفي بافاريا لم تدم به الحياة أكثر من ثلاثة أسابيع.

تحول المد جزراً، وكان لابد من استخلاص الدروس. خلال الإعداد للمؤتمر الثاني للأممية الشيوعية في 1920، في وقت لم يتحقق فيه انتصارٌ بعد في الحرب الأهلية ضد الثورة المضادة للحرس الأبيض في روسيا، استغرق لينين وقتاً لتفحص الأحزاب الأوروبية واستعداديتها للمرحلة المقبلة من الثورة. والنتيجة كانت كتيّب “الشيوعية اليسارية: مرض طفولي” الذي يُعد واحداً من أهم كتاباته ومدرسة في إستراتيجية وتكتيك الحزب الثوري. استند لينين في كتيّبه إلى خبرة البلاشفة عبر أكثر من عقدين من الزمان، خلال فترات كانت الحركة فيها تتقدم ثم تتراجع، وذلك للمساهمة في إرشاد الثوريين نافذي الصبر في الأحزاب الشيوعية الجديدة.

اتخذ “المرض الطفولي” لتلك الأحزاب الشابة أشكالاً متنوعة. وفي حين كان لينين يدرك أهمية المبادئ والالتزام بها، شدد أيضاً على الحاجة إلى المرونة التكتيكية، و”المساومات” في بعض الأحيان للوصول إلى وضع أفضل يسمح بكسب أكبر عدد من العمال للثورة.

وكما كتب لينين، فإن “السياسة علمٌ وفن لا يهبطان من السماء… والبروليتاريا إذا أرادت أن تنتصر على البرجوازية، يجب عليها أن تنشئ لنفسها ومن عندها “ساسة طبقيين” بروليتاريين”.

في مؤتمره التأسيسي، صوّت الحزب الشيوعي الألماني ضد توصية روزا لكسمبورج وقرر مقاطعة الانتخابات البرلمانية وبناء السوفييتات بدلاً من ذلك. وفي المقابل، جادل لينين بأن طالما ظلت لدى العمال أوهامٌ في البرلمان فإن الحزب مُلزمٌ بالمشاركة في الانتخابات لتحرير الجماهير من هذه الأوهام. كما أشار إلى أن مشاركة البلاشفة في انتخابات الجمعية التأسيسية، حتى بعد ثورة أكتوبر، قد حققت “نتائج سياسية قيّمة للغاية، ومفيدة للبروليتاريا فائدة قصوى”.

صوّت المندوبون إلى المؤتمر الأول للحزب الشيوعي الألماني أيضاً على مغادرة النقابات، وقد رفع أحدهم الشعار المتطرف “فلنخرج من النقابات” داعياً لنقابات عمالية ثورية. تلك المواقف قد عزلت الحزب عن جماهير العمال الذين كانوا في خضم عملية من التجذير.

كتب لينين: “إن الامتناع عن العمل داخل النقابات يعني ترك جماهير العمال التي لم تتطور بما يكفي تحت تأثير الزعماء الرجعيين”. وعبر صفحات الكتيّب، وجّه لينين نصائح خاصة، ونقداً لاذعاً في بعض المواضع، لكل الأقسام الجديدة في الأممية الشيوعية.
كل حركة عمالية تعكس تفاوت الوعي داخل الطبقة، حيث تكون أقلية مناضلة من العمال على استعداد للقطع مع القادة الإصلاحيين القدامى وموظفي النقابات، بينما في الأغلب تقبع الأغلبية تحت تأثيرهم.

“الشيوعية اليسارية: مرض طفولي” إنما هو دليل يلتمس الطرق التي لا تعزل بها الطليعة الثورية نفسها عن الجماهير، والتي من خلالها يزيد تأثير هذه الطليعة على أعداد أكبر حتى تحوز الأغلبية. هذا الكتيّب يظل سلاحاً قوياً بين أيدينا اليوم.

* المقال باللغة الإنجليزية منشور بمجلة “الاشتراكي” الشهرية – يصدرها حزب العمال الاشتراكي البريطاني