بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مفهومهم ومفهومنا للعدالة الاجتماعية

عمال البريد يتظاهرون أمام نقابة الصحفيين، وسط دعاوى لإضراب جديد. عدسة: حسام الحملاوي، 25 يونيو 2009.

الثورة هي أنقى وأرقى أفعال الخلق والتغيير الاجتماعي، هي الحالة التي تنتفض فيها القوى البشرية صاحبة الحق والراغبة في التغيير لتنتزع حقوقها من مستغليها، رافعة شعارات تساوي الأحلام وتود دفع الواقع وتغييره ليطابق هذه الأحلام. “العيش والحرية والعدالة اجتماعية” كانت ومازالت شعارات الثورة المصرية التي ارتفعت أصوات كل الثوريين بها في الميادين والمصانع والبيوت والحارات والشوارع في 25 يناير و30 يونيو، وشعار “العدالة الاجتماعية” كان ومازال مترسخ في وعي قوى الثورة بمفهوم الحلم والقيمة الكاملة أي العدل الاجتماعي المطلق “الجنة على الأرض” وهو حلم إنساني مشروع وقابل للتحقيق.

“تناقض المفاهيم”
وبالرغم من مدى جلاء شعار وحلم “العدالة الاجتماعية” في وعي قوى الثورة إلا أنه لم يمر يوم منذ تفجر الثورة بدون أن يتعرض هذا الشعار للتمييع والتجزئة والالتفاف عليه، بل ومحاولة دفنه وتجاهله وذلك من جانب كل قوى الثورة المضادة بداية من المجلس العسكري مرورا بالإخوان وصولاً للسيسي والفلول، وبالإضافة إلى بعض الإصلاحيين كحمدين صباحي، فالكل يستخدم شعار “العدالة الاجتماعية” في خطابه، والكل يقصد به معنى ومفهوم متناقض مع مفهوم قوى الثورة، ذلك في نفس الوقت الذي لم تخلو فيه الأحاديث بين كل الناس في مصر، وأهمهم جماهير الثورة، من التطرق لشعار ومفهوم العدالة الاجتماعية، ومن المؤكد أن هذه الجماهير قد تأثرت بالدعاية المستمرة لقوى الثورة المضادة والإصلاحيين التي استهدفت التمييع والتجزئة الشديدين لمفهوم “العدالة الاجتماعية”، لذلك فإنه وجب علينا أن نحدد مفهوم العدالة الاجتماعية لدى قوى الثورة وأيضاً نحدد المفهوم المناقض له (مفهوم قوى الثورة المضادة والإصلاحيين) لنوضح مَن مع الثورة ومَن ضدها.

“الإنتاج والصراع الطبقي”
لفهم العدالة الاجتماعية يجب توضيح إنها مرتبطة بأهم نشاط يقوم به هذا المجتمع – وأي مجتمع – وهو الإنتاج. إن نشاط الإنتاج بالمعنى الواسع يعني العمل الموجه من جانب القوة العاملة في المجتمع بغرض خلق ما يشبع احتياجات أفراد المجتمع بشكل مباشر وغير مباشر وذلك للحفاظ على حياة أفراد المجتمع وضمان استمراريتها، فبدون الإنتاج لا توجد حياة ولا يوجد مجتمع من الأساس.

لذلك فإن جوهر الصراع الثوري الحادث هو صراع طبقي على طريقة توزيع هذا الإنتاج بين الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية، أي بين القوى التي خلقت هذا الإنتاج من عمال وفلاحين ومهنيين يعملون مقابل أجر نقدي (قوى العمل وقوى الثورة) كل هؤلاء من جهة وفي الطرف المقابل مُلّاك وسائل الإنتاج (الرأسماليين) سواء في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات أو التجارة بالإضافة إلى كبار موظفي الدولة وإدارييها الذين يمثلوا هؤلاء الرأسماليين في إدارة الدولة.

“مفهومهم ومفهمنا”
مفهوم العدالة الاجتماعية من وجهة نظر رأسمالية: هم يرون أن العدالة الاجتماعية هي مجرد إجراء أو إصلاح اجتماعي اقتصادي فوقي، أي من قبل السلطة الرأسمالية الحاكمة أياً كان شكلها سواء عسكرية أو مدنية أو دينية، ويكون هذا الإصلاح جزئي جداً ومحدودا، بمعنى أكثر وضوحاً وتحديداً “صدقة أو تبرع اجتماعي” بأن يقوم الرأسماليين (قوى الملكية) بالتخلي عن جزء بسيط من نصيبهم الحالي في الإنتاج (هذا الإنتاج الذي يخلق من عرق العمال) لصالح العمال (قوى العمل).

وأبلغ مثال على هذا المفهوم هو اختزال العدالة الاجتماعية من جانب الرأسماليين في فرض ضريبة على الثروة أو فرض ضريبة على الأرباح الرأسمالية. ويجب هنا أن نحذر من خداع بعض مُنظّري الرأسمالية في مصر الذين يطرحون في خطابهم إصلاحات اجتماعية أكثر من ذلك بكثير فإن هؤلاء المنظرين هدفهم الجوهري هو الحفاظ على النظام الرأسمالي القائم وما تمثله هذه الإصلاحات الزائدة التي يطرحوها إلا احتواءا ورضوخا منهم  لمطالب قوى الثورة، بغرض تسكين الوضع والحفاظ على النظام الرأسمالي القائم.

مفهوم العدالة الاجتماعية من وجهة نظر اشتراكية علمية: نحن نرى أن العمال هم الذين يخلقون الإنتاج ويجب أن ينتزعوا حقهم في السيطرة على إنتاجهم وإدارته وتحديد كيفية توزيعه عليهم (سُلطة الطبقة العاملة)، لذلك نرى أن العدالة الاجتماعية ستبدأ عندما يَهدِم العمال علاقة الإنتاج القائمة “علاقة الإنتاج الرأسمالية” لأنها قائمة على الاستغلال ويقيموا مكانها “علاقة إنتاج اشتراكية”، أن يهدم العمال الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ويقيموا ملكية اشتراكية بدلاً منها (علاقة الإنتاج الاشتراكية هي ملكية كل العمال لوسائل إنتاجهم بالتساوي واشتراكهم جميعاً في عملية الإنتاج نفسها، ومشاركتهم بعضهم البعض بالتساوي في إدارة هذه الوسائل وإدارة عملية الإنتاج كلها وأيضاً في تحديد كيفية توزيع ناتج عملية الإنتاج بينهم,، وبالتالي ستتغير بشكل جِذري طريقة توزيع ناتج عملية الإنتاج –لصالح العمال- حيث لم يعد هناك رأسمالي يستغل العمال وينهب عملهم ويقتطع نسبة كبيرة من هذا الإنتاج لنفسه، بل وستتغير وتتطور بشكل جِذري كفاءة الإنتاج وكمية وجودة المنتجات.

ويجب هنا أن نوضح أن وجهة النظر الاشتراكية لا تقف ضد أي مكسب جزئي أو إصلاح اجتماعي اقتصادي تحققه الطبقة العاملة أو قوى العمل في صراعها ضد الطبقة الرأسمالية (تغيير طريقة توزيع الإنتاج بشكل جزئي كتطبيق الحد الأدنى والأقصى للأجور أو فرض نظام ضرائب تصاعدية أو فرض ضرائب على الأرباح الرأسمالية) بل تقف معه وتدعمه ولكنها تنظر إليه على أنه ثمرة نضال الطبقة العاملة ضد مستغليها الرأسماليين، بل تنظر أيضا إلى هذا المكسب الجزئي على أنه خطوة تمهيدية تُستخدَم لصالح النضال المقبل في سبيل الخطوة الأهم وهي هدم علاقة الإنتاج الرأسمالية القائمة وإقامة علاقة إنتاج اشتراكية.

وبعد عرض المفهومان سنحاول إبراز أهم المعايير التي توضح تناقضيهما:

1- “عدالة بأيدي الرأسماليين أم بأيدي العمال والمهنيين والفلاحين”
من وجهة نظر رأسمالية: هم يرون أن التغيير الجزئي جدا لطريقة توزيع الإنتاج سيحدث برغبة وبأيدي وبمنطق السلطة الحاكمة (الطبقة الرأسمالية).

من وجهة نظر اشتراكية علمية: نحن نرى أن أي تغير في طريقة توزيع الإنتاج سيُنتَزع من الطبقة الرأسمالية بأيادي الطبقة العاملة، بداية من انتزاعها لأي مكسب جزئي بسيط وصولاً إلى هدمها لعلاقة الإنتاج الرأسمالية وإقامة علاقة إنتاج اشتراكية بدلاً منها.

2-“العدالة بمنطق الثبات أم الحركة”
من وجهة نظر رأسمالية: هم يرون أن العدالة الاجتماعية مجرد خطوة أو إجراء اصلاحي اجتماعي ثم يثبّت نمط توزيع الإنتاج عند هذه الخطوة، أي إجراء إصلاح اجتماعي جزئي جدا وفي أضيق الحدود بغرض تسكين الواقع وتسكين الصراع الطبقي، وعلى طول الخط تحاول السلطة الرأسمالية سحب هذه المكتسبات التي انتزعتها الطبقة العاملة في هذا الصراع، كي تعود بالواقع إلى وضع سكون أكثر استغلالاً للطبقة العاملة.

من وجهة نظر اشتراكية علمية: نحن نرى أن العدالة الاجتماعية عملية تحوي حركة دائمة في داخلها سواء قبل بدايتها أو بعد بدايتها، فقبل بداية العدالة الاجتماعية يناضل العمال (تنظيمات العمال والقوى السياسية المؤمنة بهم) في حركة مستمرة لانتزاع مكاسب جزئية من السلطة الرأسمالية شيئاً فشيء مكسب ثم خسارة ثم مكسب وهكذا وصولاً لهدم النظام الرأسمالي وإقامة نظامهم الاشتراكي.

وبعد بداية النظام الاشتراكي (العدالة الاجتماعية) تصبح هناك حركة دائمة تدفع المجتمع للتقدم للأمام، جوهر هذه الحركة هو العلاقة التفاعلية المتبادلة الدائمة بين علاقة الإنتاج الاشتراكية من جهة وقوى الإنتاج في المجتمع الاشتراكي من الجهة الأخرى، بمعنى أن علاقة الإنتاج الاشتراكية القائمة تمكّن العمال من السيطرة على وسائل الإنتاج وتمنحهم الشعور بأنهم يطوعون الطبيعة وبالتالي تفتح فرص كبيرة للإبداع والتعاون الخلّاق بين العمال في العملية الإنتاجية أضف إلى ذلك أن علاقة الإنتاج الاشتراكية ستمكن العمال من تحديد كيفية توزيع ناتج العمل بينهم وبالتالي سيحصل كل عامل على عائد يخوله من العيش بسعادة هو وأسرته بما سينعكس على عمله وأدائه الإنتاجي وعلى تطويره وتحسينه لوسائل انتاجه، كل ماسبق سيصب في تحسين وتطوير وسائل الإنتاج وطريقة الإنتاج بشكل أكثر كفاءة وراحة للعمال وسيعظم جودة وكمية المنتجات التي ينتجونها، وسينعكس هذا التطور لوسائل الإنتاج وهذا التعظيم للإنتاج على مستوى معيشة العمال وطرق تنظيمهم وإدارتهم لحياتهم ولإنتاجهم بالإيجاب، بما سينعكس من جديد بالإيجاب على تطوير وسائل الإنتاج وتحسين كفاءته وتعظيم جودة المنتجات وكميتها، وهكذا.

“الفخ الإصلاحي”
المقصود هنا  بالإصلاحيين هم الأشخاص أو الكيانات التي ترفع خطاب جوهره “تعاون الطبقات وليس صراع الطبقات” بمعنى أنه لا مساس بعلاقة الإنتاج الرأسمالية، أي استمرار استغلال العمال من طرف الرأسماليين، وبالتالي لا يختلف المفهوم الإصلاحي عن المفهوم الرأسمالي من حيث الجوهر، ويكمن الفخ في مفهوم العدالة الاجتماعية من منظور إصلاحي في أن خطاب الإصلاحيين يتبنى كثير من الإصلاحات الاجتماعية التي تطالب بها الطبقة العاملة أي أكثر من الإصلاحات التي تسمح السلطة الرأسمالية (الثورة المضادة) بالتفاوض عليها، بمعنى أكثر تحديداً يتبنى الخطاب الإصلاحي فكرة “تغيير نمط توزيع الإنتاج بين العمال والرأسماليين لصالح العمال بنسب أكبر نسبياً مما يسمح الرأسماليون بالتفاوض عليها”، والمقصود هنا  بـ “الإصلاحات أو النسبة التي تسمح الرأسمالية بالتفاوض عليها” أن هذه الإصلاحات ليست هبة أو منحة من السلطة الرأسمالية ولكنها أهم الإصلاحات التي تفرضها الطبقة العاملة في صراعها الطبقي مع الطبقة الرأسمالية في لحظة معينة (أهم الإصلاحات التي يخلقها صراع القوى الاجتماعية على أرض الواقع).

وبشكل انتهازي يقوم الإصلاحيين بتغليف خطابهم بكلام رنان – مثل العدالة الاجتماعية، زيادة الفقر بالرغم من زيادة الثراء، الحد الأدنى للأجور، ضرائب تصاعدية، الحفاظ على الدعم بل زيادته- يستميل ويجذب العمال والفقراء والمهمشين، ولكنهم لا يتحدثون أبداَ على أن النظام الموجود (النظام الرأسمالي) مبني على الاستغلال وأن ربح الرأسماليين يأتي من استغلالهم للعمال وأن العمال هم الذين يخلقون هذا الإنتاج وبالتالي هم أصحاب الحق في إدارته (سُلطة الطبقة العاملة) بل وأن هذا النظام الرأسمالي هو المسئول عن كل الظواهر الاجتماعية السيئة الموجودة في المجتمع، ويجب هنا تكرار الإشارة إلى أن هذا الكلام الإصلاحي الرنان يُصاغ في سياق “التعاون الطبقي والتفاوض بين الطبقات وليس الصراع الطبقي” بالإضافة إلى أنه عند وصول الإصلاحيين للسُلطة فإنهم ينفذون إصلاحات أقل مما يرفعونها في خطابهم السياسي والانتخابي، لذلك فإنه يجب علينا توخي الحذر في تحديد مساحة وتوقيت وكيفية العمل المشترك مع الإصلاحيين والأهم من ذلك استهداف فضحهم أمام جماهيرهم لأن هؤلاء الجماهير هم جماهير الثورة.

“الحذر الشديد من الخلط بين أصحاب النوايا المخلصة والمُضلِلين”
من المهم جداً أن لا نخلط في رؤيتنا بين الثوريين أصحاب النوايا الصادقة المخلصة من ناحية والمُضَلِلين من الناحية الأخرى، فحولنا وفي القلب من هذه الثورة أشخاص وحركات سياسية شديدة الصدق والإخلاص للثورة، ولكنهم يقعون في فخ “المفهوم الإصلاحي للعدالة الاجتماعية” الذي يتفق من حيث الجوهر مع “المفهوم الرأسمالي للعدالة الاجتماعية”، بل إنهم في معظم الأحيان يحاولوا كسر هذا المفهوم بجذبه لمعاني “المفهوم الاشتراكي للعدالة الاجتماعية” من حيث أن التغيير سيحدث بأيدي العمال وأن ما يطالب به العمال هو حقهم وليس منحة أو هبة وأن حصول العمال على حقوقهم سينعكس على بالإيجاب على كفاءة إنتاجهم، ولكنهم لا يعتنقون المنهج الاشتراكي في التفكير ولا يقفون على أرضه لذلك لا يجدون الفهم المتماسك الصلب الذي يُبلوِر نيتهم ويمكنهم من كسر هذا الفخ الإصلاحي، لذلك فدورنا أن نحول أن نتواصل معهم ونتطرح لهم أفكارنا حتى نقرّب المسافات بيننا.

وحولنا أيضاً وبداخل الصفوف الثورية مخادعين ومضللين يدركون المفهوم الاشتراكي للعدالة الاجتماعية وذلك بحكم وجودهم في دوائر قريبة من القوى السياسية الثورية صاحبت هذا الطرح والمُعتنِقة لهذا المفهوم، ولكنهم لا ينشرونه ولا يُعلِمونه للجماهير بل يقصدون الخداع به، ففي بعض المواقف يستخدمونه في المزايدة – غالباً عند الجدال مع قوى الثورة المضادة – لكي يثبتوا أنهم ثوريون، لكنهم يتعمدون عدم نشره وعدم تعليمه للجماهير من أجل مصالحهم الطبقية (لأن مصالحهم الاقتصادية هي نفسها مصالح رأسمالية أو تتلاقى معها)، ولأن الجماهير إذا فهمت ستعي أنهم مخادعين، لذلك علينا أن نفضحهم ونحذر جماهير الثورة منهم.

“حلم العدل الاجتماعي هو الأمل”
إن حلم العدالة الاجتماعية الذي ثار من أجله المصريون في 25 يناير و 30 يونيو وفي القلب منهم عمالهم وشغيلتهم مازال موجود وبقوة، من الواضح والأكيد أن قوى الثورة السياسية والاجتماعية أُرهقَت واستُنزَفت من كثرة هجمات الثورة المضادة سواء بالهجمات المباشرة المتمثلة في قتل واعتقال وتعذيب النشطاء والسياسيين والصحفيين أو بقتل الطلبة أو فصلهم من جامعاتهم أوباعتقال العمال أو فصلهم من أماكن عملهم أو تهديدهم بالفصل، أو بالهجمات الغير مباشرة المتمثلة في الدعاية المُضلّلة التي تبثها أبواق الثورة المضادة الإعلامية والتي تستهدف بشكل جوهري تمييع الصراع الطبقي (وتغيير قِبلة الصراع إلى الصراع ضد الإرهاب) وذلك بغرض وأد الصراع الطبقي أو على الأقل تسكينه، ولكن الحلم موجود بقوة لأن أسباب وجوده حاضرة بقوة على أرض الواقع، إن الاحتجاجات الاقتصادية الاجتماعية لم تتوقف في الفترات السابقة (منذ ماقبل الثورة حتى الآن) ولن تتوقف في المرحلة القادمة حتى تنتزع حقوقها شيئاً فشيء، ولكن يبقى الدور المهم كيفياً في شروط التغيير في يد القوى السياسية المؤمنة بالصراع الطبقي وسُلطة الطبقة العاملة أي حق الطبقة العاملة في إدارة الثروة التي تخلقها.