بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف تدمر الرأسمالية البيئة (1)

متى بدأ الحديث عن البيئة الطبيعية من حولنا وتأثير الصناعات المستحدثة عليها وتأثرها بنا كبشر يستغلونها ويستفيدون منها؟

هذا السؤال طرح نفسه عليّ منذ فترة.. بدأت القراءة عن تاريخ علوم البيئة وعن الرواد الأوائل في الحديث عن التقدم الصناعي وآثاره السلبية والتحذيرات المبدئية التي انطلقت من حناجر فردية في وقت لم يكن يعلو فيه صوت فوق صوت الآلات الهادرة في المصانع والأدخنة المتصاعدة من محارقها، لأفاجأ أن أول من تحدث عنها لم يكن عالم بيئي ولا متخصص، لكنه فيلسوف ومنظر سياسي صاحب واحدة من أهم وأشهر النظريات المجتمعية في العالم.. كارل ماركس الذي قال: “إن التطور الحضاري والصناعي في عمومه كان دائما عنصرا فاعلا في تدمير الغابات، لدرجة أن كل ما يتم للحفاظ عليها وإعادة إنتاجها هو غير مؤثر بالمرة بالمقارنة”..

أخذت أتساءل عن كيفية طرح هذه الوجهة والرؤية قبل قرابة 200 عام من قبل رجل لا يدرس العلوم الطبيعية ولا يتخصص فيها، وفي بداية العصر الصناعي قبل أن نصل إلى الحالة المتردية الحالية للبيئة.. بل قبل أن يكون هناك أصلا أي تردي أو انحدار فيها.

نظرة ماركسية
الماركسية تحدثت عن تأثيرنا البشري المباشر على البيئة المحيطة بنا سلبيا في العديد من الكتابات في خضم محاربتها للرأسمالية الجشعة، التي تعيش ككائن طفيلي يمتص الحياة ليس فقط من الطبقات الكادحة من البشر لكن من الكوكب الذي يحتضننا جميعا بلا رادع ولا محاسب.. فكما كتب فريدريك إنجلز في كتابه أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة:

“دعونا لا نغتر كثيرا بمقولات انتصار البشر على الطبيعة، فمقابل كل انتصار نحتسبه تنتقم منا الطبيعة. هناك دائما انتصار يأتي أولا بالنتائج المتوقعة والمطلوبة، ولكن ثانيا وثالثا تأتي النتائج الجانبية غير المتوقعة والمختلفة التي تلغي في معظم الأوقات النتائج الأولية. البشر الذين عاشوا في بلاد ما بين النهرين واليونان وأسيا الصغرى وباقي أركان العالم القديم، والذين قاموا بتدمير الغابات في سبيل تعبيد الطرق وإيجاد مساحات زراعية جديدة، لم يحلموا بأن بفعلتهم تلك يقومون بالقضاء على مراكز تجمع المياه ومخازن الرطوبة، وبالتالي يلقون حجر الأساس للحاضر البائس لتلك الدول. عندما قام إيطاليو جبال الألب باستهلاك غابات الصنوبر على المنحدر الجنوبي مع اهتمامهم ومحافظتهم على الغابات في المنحدر الشمالي لم يكن لديهم أدنى فكرة أنهم بفعلتهم تلك يحرمون ينابيعهم الجبلية من المياه للجزء الأكبر من السنة وجاعلين من السهل على الأمطار الشديدة المنحدرة أن تغرق السهول في موسم الأمطار.. لذلك فعند كل خطوة نخطوها لابد لنا أن نبقى متذكرين لحقيقة أننا لا يمكن أن نتحكم في الطبيعة كغازٍ محتل منتصر على قوم أغراب، لابد أن نتذكر أننا كبشر من لحم ودم وعقول ننتمي للطبيعة ونتواجد في أحضانها وأن كل سيادتنا عليها تتلخص في ميزتنا عن باقي الكائنات في القدرة على أن نتعلم قوانينها وأن نطبقها بشكل صحيح”.

في عصرنا الحالي لدينا كل الحلول العلمية والقدرة على إنقاذ الطبيعة مما اقترفت أيدينا، لكن النظام الدولي الرأسمالي القائم يعمل بضراوة على محاربة تلك الأفكار، لما فيها من تهديد لكينونته القائمة على استنزاف كل المتاح بلا اهتمام مادام فائض القيمة يتزايد، لذلك لك أن تتعجب حين تعرف أن ليون تروتسكي كتب في عام 1926:

“أتذكر الوقت الذي كتب فيه الناس أن تطوير الطائرة كفيل بوضع نهاية للحروب، لأنه سيجذب العامة للعمليات العسكرية وسيدمر الاقتصاد والحياة الثقافية لدول بأكملها.. إلخ. ومع ذلك على أرض الواقع فإن إختراع الماكينة الطائرة الأثقل من الهواء قد فتح فصلا أحدث وأكثر قساوة في تاريخ العسكرية. لا شك الآن أيضا أننا نتحرك نحو فصل آخر أكثر فزعا ودموية. إن التكنولوجيا والعلم لهم منطقهم الخاص – منطق إدراك الطبيعة والسيطرة عليها لصالح الاهتمامات البشرية ومصالحها. لكن التكنولوجيا نفسها لا يمكن أن تسمى عسكرية أو سلمية. في المجتمع الذي طبقته الحاكمة عسكرية، تكون التكنولوجيا في خدمة العسكرية”.

كوكب في خطر
الآن قلب مشكلة العصر الحديث عندما نتحدث عن البيئة ومشاكل تأثيرنا البشري الصناعي عليها يدفعنا بقوة في اتجاه الاحتباس الحراري ومسبباته ونتائجه المهولة على البشرية.

فلنعرف أولا معنى الاحتباس الحراري.. الاحتباس الحراري هو احتفاظ الأرض بحرارتها وحرارة الشمس الواصلة إليها بدون إعادة إطلاقها أو عكسها للفضاء الخارجي مرة أخرى، مما يؤدي لتغيرات في مناخ الكوكب ككل من درجة حرارة وسقوط أمطار وارتفاعات حادة في منسوب البحار.. النتائج البيئية والمجتمعية الناجمة عن هذه التغيرات كارثية في أحسن أحوالها.

في معظم الدراسات الحديثة ثبت أن من أبرز عوامل التغيرات الحرارية على هذا الكوكب هو اتجاهنا لاستخدام المحروقات الأحفورية، أو بلغة أقل تعقيدا البترول ومشتقاته. هذا الوقود المعتمد لدى أكبر شركات رأس المال في العالم والمؤيد من قبل الحكومات التي ترى أن دورها لا يتعدى التخديم على مصالح تلك الشركات. هذه الشركات تعتمد كليا على التركيبة المجتمع وترتيبه بالشكل الحالي.. على الإنتاج وفائض القيمة لصالح الفائدة والثروة والقوة لهم و لهم فقط..

شركات البترول والفحم والغاز.. شركات السيارات وتعبيد الطرق.. المطاط والصناعات المتصلة والمعتمدة عليه هي قلب المشكلة بلا مبالغة.. كلها صناعات من قلب الرأسمالية وكلها صناعات تصب لصالح حسابات الطبقات الحاكمة والمسيطرة، بلا أي عائد على العامة إلا الفتات والمشاكل العنيفة سواء صحيا أو بيئيا. تلك الصناعات التي كونت على مدار سنين طويلة شبكات من المصالح المعقدة وسياسيا و اقتصاديا واجتماعيا لصالح إنتاجيتها وتضخيم حصتها من السوق والفوائد.

الحل ممكن
إن الحلول لهذه المعضلة موجودة بالفعل تم التوصل إليها لكنها ستؤدي بالحتمية لانخفاض أرباح الشركات المسيطرة على الأسواق وهم ما لن تسمح به تلك الشركات ولا الحكومات التي تتعيش عليها ومنها.. أبسطها هي تقنيات تنظيف محطات الطاقة ومخرجاتها، وهي من أكبر مصدري التلوث بثاني أكسيد الكربون المسبب الرئيسي لثقب الأوزون، والذي بالتبعية هو المتسبب في ظاهرة الاحتباس الحراري.

يليها في قائمة التقنيات المتوفرة، تقنيات السيطرة على عوادم السيارات ثاني أكبر ملوث للبيئة ومنتج لثاني أكسيد الكربون. نظم المواصلات العامة كاف للغاية لتخفيض العوادم لأقل من 10% من المنتوج حاليا فقط بتوفيرها على مدار الساعة بشكل أدمي ورخيص للشعوب، لكن ذلك يعود بنا مرة أخرى لسيطرة شركات السيارات والصناعات المترتبة عليها.

خلاصة القصة أننا ندور في دوائر مغلقة من المصالح المتشعبة التي ترفض إنقاذ كوكب كامل حاضره ومستقبله لصالح طغمة من الشركات الدولية المسيطرة على معظم الحكومات، والتي لا ترى أبعد من أنفها أو في حالتنا هذه أرباحها الحالية.

إن خلاصة ما أردت قوله في هذه التجميعة من القضايا والمواقف لمؤسسي الماركسية، وانعكاسات آرائهم على القضايا المعاصرة التي لم تكن حتى مطروحة في زمانهم، هي حقيقة أن النظرية الماركسية ليست فقط نظرية سياسية أو اقتصادية ذات نظرة طويلة المدى وقابلة للتطبيق وصالحة للوقت الحالي، لكنها أيضا نظّرت وألقت بذور علوم مستقبلية على زمانها بمنتهى الدقة وبرؤية غير سطحية وقابلة للبناء عليها من منظريها المعاصرين، بالإضافة للحقيقة المثبتة واقعيا أن الرأسمالية المتوحشة في الوقت الحالي لم تراع يوما مصالح الشعوب ولا الكوكب الذي تحيا عليه.

الرأسمالية لا تراعي، بالدليل المادي أعلاه، إلا مصالحها البحتة ومصالح أتباعها وأسيادها مهما كان الثمن المدفوع، بلا أي روادع وبتواطئ كامل من حكومات أقل ما يقال عنها أنها كلب حراسة لمن يطعمها.