بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف تدمر الرأسمالية البيئة (2)

في عام 1844 كتب كارل ماركس في مخطوطة الاقتصاد والفلسفة: “يحيا الإنسان على الطبيعة، أي أن الطبيعة هي جسده الذي يجب أن يبقى في حالة تفاعل معه حتى لا يموت. إن ارتباط حياة الإنسان الجسدية والروحية بالطبيعة تعني ببساطة أن الطبيعة مرتبطة بنفسها، فما الإنسان إلا جزء منها”.

سأستكمل هنا ما بدأته في مقال سابق محاولة توضيح كيف أن الرأسمالية تدفع البشرية دفعا حثيثا باتجاه الفناء، وذلك في سبيل تجميع أكبر كم مستطاع من الفوائد الفردية وتضخيم الثروة الواقعة تحت سيطرتها مهما كان الثمن المبذول ومهما كانت العواقب.

إن الخيار المطروح على البشرية اليوم هو ببساطة: القضاء على الرأسمالية، أو فناء الحياة على هذا الكوكب.

في عالم الصناعات لا صوت يعلو فوق صوت صناعات البترول ومشتقاتها، وما يرتبط بها من صناعات الطرق والسيارات، حيث لا شيء أهم من العوائد المتراكمة والأرباح المجنية من هذه الصناعات العملاقة.

                                                                                                                                                                                                                                                                      العائد (بالمليون دولار)           الأرباح (بالمليون دولار)

وول مارت                                   408.216                              14.335

رويال داتش شل                          285.129                              12.518

إكسون موبيل                             284.650                              19.280

البريطانية للبترول                         246.134                              16.578

تويوتا                                           204.106                              2.256

اليابان المشاركة القابضة                202.196                              4.849

سينوبك                                       187.496                              5.756

شبكة الكهرباء الأمريكية                 184.456                               343

مجموعة أكسا المالية                     175.257                              5.012

الوطنية الصينية للبترول                 165.496                             10.272

 

في القائمة السابقة لأقوى 10 شركات على مستوى العالم وأعلاهم ربحية، نجد 7 شركات في القائمة، من بينهم 4 من أعلى 5، هي شركات على علاقة مباشرة بصناعات البترول والسيارات والطرق. 3 صناعات مرتبطة ارتباطا صريحا وواضحا ببعضها البعض، ومرتبطة عكسيا بنظافة البيئة التي تعيش عليها البشرية. أي أن أكبر مساهم في التلوث البيئي الهوائي بعوادم الكربون يتنافسون بين بعضهم البعض، وجميعهم يخشى إن أقدم على التعديلات والإصلاحات المطروحة من العلماء كمحاولة لحفظ هذا الكوكب والحياة العضوية عليه أن يخسر جزءا من كعكته لصالح المنافس الذي لن يتخلى عن أي جزء من ربحيته ومدخولاته.

 

أحد أهم الخدع في البروباجندا المستخدمة إعلاميا في تبرير مثل هذه المواقف هو إرجاع حقيقة التلوث الجوي وارتفاع منسوب الكربون (الذي يؤدي بالتبعية لظاهرة الاحتباس الحراري واختلال المناخ) إلى الزيادة السكانية، وهو التبرير الأسهل والأكثر شيوعا، لكنه يدعو للسخرية ويفتقد لأي قدر من المصداقية، فبمراجعة الأرقام الصادرة عن كل دولة عن مستوى العادم لعدد السكان في الدولة نجد أن دولة كالصين يصل عدد سكانها إلى 1.4 مليار نسمة يساوي 2.6 طن متري للشخص الواحد، في مقابل دولة كالولايات المتحدة بتعداد يبلغ 320 مليون نسمة يصل نصيب الفرد الواحد فيها إلى 19.5 طن متري للشخص الواحد، ودولة كإثيوبيا بعدد سكان حوالي 100 مليون تساهم بـ 0.04 طن متري للفرد.

وبعيدا عن أنها فرضية شديدة العنصرية، فإن الأرقام تكذب ما ينشره الإعلام بشكل متكررعن مبدأ “ابدأ بنفسك” وحدد نسلك وخفض من استهلاكك الشخصي للعوادم، فالدارس الواعي يدرك على الفور حقيقة أن هناك 90 شركة عالمية تنتج أكثر من ثلثي عوادم العالم، وغني عن الذكر أن الشركات المذكورة جزء من تلك الشركات بالإضافة لمجموعة أخرى مثل أرامكو السعودية، وشركة الفحم البريطاني، وجازبروم الروسية، وشركة البترول الوطنية النرويجية، وجميعها شركات مملوكة للدول نفسها تبعا لمقال صحيفة الجارديان المنشور بتاريخ 20 نوفمبر 2013.

يأخذنا الحديث هنا لمؤتمر كيوتو الأشهر واتفاقيته الهزلية التي قد تبدو لأول وهلة اتفاقية جيدة للحد من استهلاك المحروقات صناعيا ودوليا، ببروتوكولاتها الموقع عليها من قبل 141 دولة (ليست من ضمنهم الولايات المتحدة المنتج الأسوء وصاحب النصيب الأعلى في إطلاق الكربون وغيره من الغازات المؤدية لظاهرة الدفيئة أو المشتلية المعروفة عموما باسم الاحتباس الحراري). نصت معاهدة كيوتو على التزامات قانونية للحد من انبعاث 4 من الغازات الدفيئة (ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروس، وسداسي فلوريد الكبريت)، ومجموعتين من الغازات (الهيدروفلوروكربون، والهيدروكربونات المشبعة بالفلور) التي تنتجها الدول الصناعية، ونصت أيضا على التزامات عامة لجميع البلدان الأعضاء. واعتبارا من عام 2008 وافقت الدول الصناعية في إطار اتفاقية كيوتو على خفض الانبعاث الكلي للغازات الدفيئة بنحو 5.2٪ مقارنة بعام 1990، وأُلزم الاتحاد الأوروبي بتخفيض قدره 8٪، والولايات المتحدة بنسبة 7%، واليابان بنسبة 6٪، وروسيا بنسبة 0٪ (بمعنى تثبيتها عند حدود عام 1990)، وسمحت المعاهدة بزيادة انبعاث الغازات الدفيئة بنسبة 8٪ لأستراليا و10٪ لأيسلندا.

مبعث السخرية من الاتفاقية السابقة أنها فتحت الباب للتحايل الكامل عليها بلا أية عقوبات، أقرب مثال يتبادر للأذهان هو اشتراطها تعهد الدول المتقدمة بتقديم المساعدات التكنولوجية فيما يسمى بآلية التنمية النظيفة للدول النامية ودول العالم الثالث، بمعنى أن تقوم هنا الدول بشراء رصيد زيادة من الغازات الضارة المحددة في الاتفاقية حال توفيرها لآلية تنمية نظيفة بدولة نامية، فتقوم الشركة أو الدولة بزراعة مزرعة في إحدى الدول النامية وتتحصل الشركة الدولية أو الدولة المتقدمة على الرصيد المستهدف في المقابل، وتجاهلت الاتفاقية أن المزرعة، التي وإن حجمت جزءا من الكربون المنطلق، فإنه تحجيم مؤقت ينتهي بموت الشجر المزروع  (واستخدامه كفحم مصنع لإطلاق المزيد والمزيد من الكربون للهواء الملوث مسبقا بالرصيد الممنوح)، وهذا ليس بديلا لخفض الانبعاثات الصناعية للكربون بالمرة.

أي أن الدول المتقدمة تقوم نيابة عن الشركات التي تحمل جنسيتها بشراء الحق في تلويث البيئة مقابل ما يدعون أنه تقديم وسائل متقدمة ومتصالحة مع البيئة وتقنياتها لدول العالم النامية. أي أنهم وبتشبيه بسيط “يشترون” حقوق تلويث هواء هذا الكوكب في مقابل تعليم الدول التي لا تساهم في التلويث كيف لها ألا تلوث البيئة!. الأنكى والأغرب في الواقع أنه حتى مع هذه المقايضة الفاسدة تظل دولة كالولايات المتحدة الأمريكية مثلا خارج الاتفاقية، لرفضها مثل هذه البنود التي تعتبرها “مقيدة” لتطورها ونموها التكنولوجي. ولا عجب بالطبع في موافقة الدول النامية لمثل تلك المقايضة التي تملأ جيوب رجال الحكم والنظم الديكتاتورية الموجودة في أغلب تلك الدول.

 

المهزلة الثانية هو ما أُصطلح على تسميته ببورصة الكربون العالمية، كالتفاف فج آخر على الاتفاقية سيئة السمعة، وهي الاسـم المختصر الذي يطلـقه الصناعيون على تجارة الغازات الدفيئة. وتتضمن هذه التجارة سوقا دولية للكربون وفيها أسعار محددة لطن الكربون الذي يتم إطلاقه في الجو من قبل الدول الصناعية، والذي يدخل في عملية تمويل مشاريع تجارة الكربون في العالم.
وفي هذه الحالة يكون البائع من الدول أو الجهات ذات الانبعاثات المنخفضة من غاز ثاني أكسيد الكربون (الدول النامية)، ويكون المشتري هو صاحب الانبعاثات المتزايدة، بينما السلعة هي حصة في إطلاق ثاني أكسيد الكربون الذي يمثل نحو 50٪ من الغازات الدفيئة. أما السعر، فحسب العرض والطلب. أي أن الدول المتقدمة تستغل الدول النامية كمقايض، فمثلا مصر تساهم بمقدار0.5 وحدة من الكربون في مقابل الولايات المتحدة التي تساهم ب 20 وحدة، فتقوم الولايات المتحدة بتبني مشروع ما في مصر يوفر انبعاثا لـ0.5 وحدة من الكربون، هنا يصبح نصيب مصر الفعلي من الانبعاثات 1 وحدة كاملة في مقابل انخفاض وحدات امريكا لـ19.5 وحدة، كل ما يحدث هو نقل للحصص المستهلَكة من نطاق دولة تخطت الحد المطلوب منها دوليا لدولة أخرى لا تستهلك فعليا حصصها لتأخرها الصناعي مثلا، فيصبح الناتج النهائي نفسه قائما بلا أي تغيير إن لم يكن أسوأ مقابل صورة وردية لأرقام فارغة أمام الإعلام. إحدى الدول التي تخصصت في بيع حصصها الكاربونية هي دولة المغرب مثلا، وهي واحدة من أفقر الدول العربية وصاحبة الديون الأعلى عربيا وأفريقيا، وقد تخصصت مؤخرا في بيع حصصها الكربونية للدول الأوروبية التي تدفع عن طيب خاطر لتحسين صورتها أمام شعوبها في صورة أرقام مغلوطة عن تقليل نسبة الغازات الحابسة التي تنتجها دولهم وعن مراعاتها للصحة العامة والبيئة.

بورصة الكربون دخلت مصر في عام 2010 في صورة مشروع إحلال السيارات القديمة بأخرى حديثة تحافظ على البيئة وتتحكم في نسبة العوادم الناتجة، باعتبار أنها بذلك توفر مدخولا للدولة يتجاوز الـ20 مليون دولار أمريكي سنويا في صورة إمدادات ومعونات لتطوير النظام البيئي.

وبعيدا عن التحليل العقلاني الذي يمكن القارئ العادي من اكتشاف أوجه الاحتيال فيه، من إجبار أصحاب السيارات القديمة التي تتكلف أقل بكثير مما تتكلفه الحديثة في الإصلاحات والمصاريف، وكذلك في صورة فرض ديون غير ضرورية على سائق السيارة القديمة التي تستردها الحكومة بأقل من قيمتها السوقية لتبيع له سيارة حديثة بأضعاف ثمنها (ارجع لأي سائق أجرة حديث لتعرف الفرق بين ثمن سيارته  وسيارة أخرى من نفس النوع لكنها ليست أجرة)،  بعيدا عن كل هذا يمكننا أن نطرح تساؤلا عن الفائدة العائدة على المواطن من مشروع كهذا بدلا من إضافة فلاتر كربونية لمخرج العادم وفرض رقابة صارمة على السيارات عند صيانتها أو تجديد ترخيصاتها. الحقيقة هي عدم وجود أدنى فائدة إلا ملايين الجنيهات تصب في أرباح شركات السيارات التي تم التعاقد معها للتوريد، وشركات المنتجات البترولية التي تبيع نوع من البترول أعلى في السعر بمراحل عن الذي تحتاجه السيارات القديمة الأرخص.

مثال آخر للتلاعب المفتوح بالاتفاقية يقع في نصها نفسه، الذي يحدد من الذي يحسب ويحاسب على تنفيذ البنود المشروطة، لنجد أنها منظمة تحت مسمى صندوق الكربون النموذجي، وبالبحث عن أصلها يتبين أنها صندوق تابع مباشرة للبنك الدولي وأحد أذرعته المتعددة. أي أن “حاميها حراميها” كما يقول المثل الدارج.

ولا يوجد هنا أي قدر من التجني أو المبالغة، بل حدث بالفعل في واحدة من المزارع التي تمت زراعتها في مقاطعة ميناس جيراس بالبرازيل، وهي مزرعة يوكاليبتوس، تم استخدام أشجارها كفحم صناعي في مصانع الحديد و الصلب. وزعمت الشركة القائمة على المشروع أنها وفرت بديلا لاستخراج الفحم الطبيعي الذي كان سيطلق نسبة أعلى من العوادم، وبلغت الوقاحة مبلغها في مطالبة الشركة برصيد الحفاظ على البيئة وبدعم مطلق من البنك الدولي تبعا للإتفاقية، مما أدى بمنظمات العمل المدني البرازيلية والدولية والحركات الاحتجاجية الشعبية إلى الإنفجار إثر إصرار الشركة وحاميها البنك الدولي على إخلاء المنطقة السكنية لتوسيع المزرعة سيئة السمعة.

 

تظل الحقيقة الساطعة التي نراها في الواقع الذي نحياه أن الرأسمالية ليست فقط قائمة على الاستغلال بطرقها المتحايلة على حقوق الجميع، لكنها كذلك انتهازية لأبعد درجة، لدرجة اختراع بورصة للمضاربة بالكربون الذي يقتل كوكبنا بتسارع غير مسبوق في التاريخ لمجرد استنباط قيمة ولو كانت سلبية أو قاتلة له. بورصة الكربون هي المثال الحي الواقعي لمدى تردي وانحطاط الرأسمالية التي تسعى طوال الوقت لاهثة وراء جمع الأرباح، والتربح من عرق العمالة المتوفرة لأقصى درجة في أي مكان على سطح الكوكب.

البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهما أكبر سلاحين يسلطان على رقاب الدول النامية، هما المسيطرين الفعليين على هذه البورصة سيئة السمعة، الشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات هي المضارب الرئيسي في هذه البورصة تحت رعاية الدول المتقدمة التي تحتضن مقرات تلك الشركات وتشارك في بعضها. أما من يدفع الثمن فهم دائما وأبدا سكان هذا الكوكب البائس الذين يعملون ليل نهار لتوفير الحد الأدنى من الكفاف لعوائلهم، والمهدرة طاقاتهم والمنهوبة حقوقهم والمتهمين دائما بالتسبب في أي أزمة تمر.

ملخص القراءة في الأرقام والإحصاءات السابقة يدعونا مرة أخرى لمراجعة عنوان المقال عن كيفية تدمير الرأسمالية للبيئة بنظرة مختلفة، فكل ما ذُكر أعلاه موثق بأرقام منشورة في دوريات عالمية ومواقع دولية مختصة، وكل ما ذُكر هو حقائق تحاول الشركات الدولية المتحكمة في مصائرنا جميعا في الوقت الحالي إخفائها، إما بدفنها تحت ركام من أرقام مغلوطة معاكسة أو بحملات إعلامية مدفوعة الأجر لتغيير المنظور غير الرسمي للأمور وتحميل عبء الخطأ على غير صاحبه، أو بالطريق الأيسر وهو شراء ذمم الحكومات والمنظمات المسؤولة التي كما أسميتها سابقا.. كلب حراسة لمن يطعمها.