بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التاريخ

هناك مقولة قديمة تقول أن التاريخ دائما يكتبه المنتصرون. وهذه المقولة تنطبق على المنتصرين في المجتمع، أي الطبقات الحاكمة، أكثر بكثير من المنتصرين في المعارك والحروب. والمتعلمون هم الذين يكتبون التاريخ، ولآلاف السنين كان الحكام فقط هم المتعلمين. وحتى الآن، عندما أصبح التعليم أكثر انتشارا من ذي قبل، فان نظرة حكامنا للتاريخ هي تلك التي تقدم في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام. وليس غريبا أن أعضاء من الطبقات الحاكمة يقدمون على أنهم القادة الفاعلين في التاريخ.

إن النموذج الفج لتاريخ الطبقات الحاكمة يرتكز على أفعال الرجال العظماء وأحيانا بعض السيدات النادرات. ويتحول هؤلاء “الرجال العظماء” لأن يكونوا ملوكا، أو أباطرة ، أو جنرالات وسياسيين. إن المعارك والحملات العسكرية هي الأحداث التاريخية المفضلة لدى هذه المدرسة، والتي يتبعها اتفاقيات وإجراءات برلمانية. فمعارك واترلوو ودانكيرك وغيرها هي العلامات البارزة في التاريخ من وجهة نظرهم، والإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر واليزابيث الأولى ونيلسون وتشيرشل هم أبطاله. فأي تفسير للتاريخ يتم التنقيب عنه في شخصيات الأبطال والأوغاد.

وهناك وجهة نظر أخرى وهي مدرسة “الأمة العظيمة” في التاريخ، وتفترض أن الأمة وجدت على مدى التاريخ بدرجة أو بأخرى وتضفي عليها “شخصية” أو “ملامح” ما مثل “الرجل العظيم”. وهذه الرؤية تتجاهل الطبقات والتقسيمات الأخرى داخل الأمة، وتدعي مثلا أن الانجليز انتصروا على الأسبان والفرنسيين والألمان في معارك الأرمادا وترافلجر ودانكيرك لأنهم أمة شجاعة وجسورة. وأن المصريين انتصروا في حرب 1973 ببسالة الجندي المصري الشجاع الذي يضحي في سبيل وطنه حتى آخر قطرة من دمه. وواقع أن الارمادا غرقت بسبب العواصف في سواحل أيرلندا وأن محاربي ترافلجر كانوا مقهورين وأن دانكيرك كانت هزيمة وليست انتصار وأن حرب 1973 انتهت بهزيمة الجيوش العربية لا يعني الكثير.

والرؤية الثالثة للتاريخ من وجهة نظر الطبقات الحاكمة تقوم على الأفكار العظيمة، ويتحول الاسكندر الأكبر وقيصر ونابليون كرجال فعل يأتون في المرتبة الثانية ويحل محلهم أفلاطون وأرسطو وهيجل. وغالبا ما ينظر إلى الأفكار نفسها، فضلا عن الفلاسفة الذين طوروها، على أنها المحرك الأول للتاريخ. ويعلق المؤرخون أن أفكار معينة مثل الوطنية والحرية والديمقراطية تنشأ وتحوز تأييدا في عصور معينة. ويقدمونها على أنها “روح العصر” ويتجنبون السؤال من أين جاءت هذه الأفكار وما هي الظروف المادية التي منحتها جاذبيتها.

تشترك كل هذه النظريات في التاريخ من وجهة نظر الطبقات الحاكمة في أمرين. فهي تنظر إلى التاريخ من أعلى إلى أسفل وتنظر إلى جماهير السكان العاملين كسلبيين بالضرورة، وكموضوعات وليس كفاعلين في العملية التاريخية.

عارض كارل ماركس هذه الرؤية وطور فهما للتاريخ من أسفل، أي التاريخ من وجهة نظر الطبقات العاملة. استلهم ماركس من صراعات الطبقة العاملة في عصره واكتسب فكرته الجوهرية بأنه يلزم أن يحصل الناس على ضرورات الحياة مثل الطعام والملبس والسكن قبل أن ينخرطوا في الفلسفة والسياسة والحرب أو أي شئ آخر. فالطريقة التي تنتج بها هذه الضروريات تشكل الأساس لأي مجتمع وهي العامل النهائي المحدد في التاريخ. والتأكيد على الإنتاج يعني التأكيد على دور الجماهير الذين يقومون فعليا بالعمل.

إن الحقائق الهامة في العصور الوسطى إذن ليست تاريخ تولي الملك أو من كان البابا ولكن أن الزراعة كانت الشكل الرئيسي للإنتاج، وأن النبلاء كانوا يملكون الأرض والأقنان هم الذين يعملون. إن ما جعل بريطانيا “عظمى” في القرن التاسع عشر لم يكن نلسون ولا الملكة فيكتوريا ولكنها الثورة الصناعية والإمبراطورية. كانت قوة بريطانيا تقوم على استغلال عمال المصانع والمناجم والاسطول من الرجال والنساء والاطفال، وعلى استغلال ملايين آخرين في المستعمرات.

إن عمل الجماهير هو الذي يقيم المجتمع والأهم أن صراعهم هو الذي يغيره. ولا يعني هذا أن الأشخاص البارزين والأفكار العظيمة لا تلعب أي دور على الإطلاق. ولكنهم يصبحون “بارزين” و”عظماء” لأنهم يستطيعون تركيز وإبراز طموحات الطبقات الاجتماعية في اللحظات الحاسمة. والصراع الطبقي هو القوة الأساسية المحركة للتاريخ. وكل نظريات تاريخ الطبقات الحاكمة تحاول جاهدة إخفاء هذه الحقيقة. ولهذا السبب علينا نحن الاشتراكيين والماركسيين دائما الحفاظ على تاريخنا في مواجهة تاريخهم.