الطلبة والصراع الطبقي
ظهرت الحركات الطلابية في القرن العشرين وكان لها دورًا هامًا في المجتمع . ففي مصر لعبت الحركة الطلابية دورًا هامًا في الحركة الوطنية عام 1919 وكان له أيضًا دورًا هامًا في عام 1946 ثم 1968 مرورًا بالسبعينات إلى يومنا هذا كما انتشرت هذه الحركات في الستينات وكان أبرزها في فرنسا عام 1968 حيث أدت إلى أكبر إضراب عام شهده العالم إلى يومنا هذا وكان تهديدًا حقيقًا لدولة رأسمالية كبرى مثل فرنسا، كما كان للطلبة دورًا هامًا في التفجرات التي حدثت في دول أوروبا الشرقية في مواجهة أنظمة رأسمالية الدولة التي كانت قائمة هناك. وكانت أحداث ميدان السلام السماوي التي فجرها الطلبة عام 1989 في الصين فضيحة للنظام الحاكم بكل ما كان يزعمه من إصلاح وديمقراطية.
ولكن كل ما كتب عن هذه الحركات كان في اتجاهين أساسيين: الأول هو اعتبار هذه الحركات مجرد تعبير عن الخلاف التقليدي بين الأجيال المختلفة، أما الثاني فكان يعتبر الطلاب هم الطليعة الثورية الجديدة بدلاً من العمال، وظهر هذا التفسير الأخير في أواخر الستينات عند قطاعات من اليسار. وهذا المقال ما هو إلا محاولة لتقديم فهم ماركسي للحركات الطلابية والدور الذي تلعبه.
ولفهم دور الطلبة يجب أن نبدأ بفهم موقع الطلبة في المجتمع، فلقد تغير موقع الطلبة في المجتمع مع الانتعاش الاقتصادي الذي تلى الحرب العالمية الثانية. فقبل الحرب العالمية كان التعليم العالي يقتصر على أبناء الطبقة الحاكمة وجزء ضئيل من الطبقة الوسطى التي تخدم مصالحها الفكرية والإيديولوجية بشكل مباشر مثل المحامين وكبار موظفي الدولة. ومن أهم الخصائص التي تميز هذا النظام التعليمي الموجه للصفوة هي انعزاله التام عن الواقع، وبالطبع كان هناك اهتمام كبير بالتميز، فما كان يهم في هذا النظام هو أن يعرف الطالب بشكل واضح انتمائه للصفوة وأن يؤمن بحقه في فعل ما يشاء والأهم من ذلك هو إيمانه بحقه في أن يوجه الأوامر للآخرين في مثل هذا النظام سيكون الطلاب ثوريون فقط عندما تكون البرجوازية قوة ثورية صاعدة كما كان الوضع في فرنسا وألمانيا في أربعينات القرن الماضي أو في روسيا ما قبل 1905 أو مثلما حدث في مصر في الحركة الوطنية سنة 1919 ولكن عندما توجه الطبقة العاملة تهديدها الثوري للبرجوازية فسنجد الطلبة، من هذا النوع، دائمًا إلى جانب الرجعية مثلما حدث في روسيا سنة 1917 أو في ألمانيا ما بين 1919 و 1923 ومرة أخرى ما بين 1930 و 1933.
ولكن احتياجات النمو الرأسمالي دعت إلى نوع مختلف من التعليم الجامعي، فالتراكم الرأسمالي الناجح تطلب التطبيق المنظم والمستمر للعلوم والتكنولوجيا في الصناعة، وتطلب ذلك أيضًا جماهير من الموظفين لملء الجهاز البيروقراطي الذي يسيطر على عملية تسيير الدولة وكذلك على عملية الهيمنة الأيديولوجية وكان على الجامعات أن تتوسع لتلبية هذه المتطلبات. ولكن هذا التوسع لم يكن فقط كميًا بل كان أيضًا كيفيًا، لأن علاقة الجامعات بالمجتمع كانت قد تغيرت، للمعرفة، وحدث هذا في مصر في فترة الحكم الناصري فتوسع التعليم الجامعية وتغير دوره.
والجامعات لم تعد مثلما كانت “مجتمعات من الأنداد المتساويين” من أبناء الطبقة الحاكمة ومعلمي الطبقة الحاكمة، فرغم أن كبار موظفي الإدارة وبعض الأساتذة ظلوا قريبين من الطبقة الحاكمة ولكن غالبية الطلاب والمعيدين والمدرسين كانت بعيدة جدًا عن هذا.
فالأصل الطبقي للطلبة وموقعهم الطبقي كان قد تغير فلم يعودوا أبناء البرجوازية فحسب، ولا يعني هذا أن الطلبة أصبحوا كلهم عمالاً، لأن أغلبهم كانوا يأتون من أصول متوسطة مهنية وكحان هناك أقلية من أصول عمالية. وعلى الرغم من أن معظم هؤلاء المهنيين يعملون أجراء ـ مثل الممرضات والمدرسين ـ غلا أنهم يحصلون على امتيازات وأجر وظروف عمل أفضل بكثير من جماهير العمال اليدويين. وما ينطبق على أصول الطلبة ينطبق أيضًا على موقعهم الطبقي في المستقبل، فالعديد منهم ينتهي بهم الحال إلى العمل كإجراء ولكن جزء مؤثر يلتحق بصفوف الطبقة الوسطى الجديدة.
ولكن هل يمكننا الآن اعتبار الطلبة كطبقة مستقلة؟ إن الأصول الطبقية المخ0تلفة والمواقع الطبقية المستقبلية المختلفة تعني أنه من الخطأ اعتبار الطلبة كطبقة اجتماعية جديدة ولا إلحاقهم على طبقة بعينها، فهم مجموعة انتقالية من الشباب الذي لم يتحدد موقعه الطبقي بعد ولكن هناك بعض الأشياء التي تجمعهم سويًا. فهم مركزون في أعداد كبيرة ويواجهون نفس النظام القاسي من الاختبارات وأغلبهم يعانون من نفس الضغوط الاقتصادية، فأي تقليل في إنفاق الدولة يؤثر فيهم جميعًا.
ولكن في نفس الوقت سينتهي الحال ببعضهم في المواقع الهامة في المجتمع وسينتهي بآخرين بحال أفضل قليلاً عن العمال اليدويين وبالطبع فإن أحد أكبر الضغوط التي يواجهها الطلبة هي نظام الامتحانات الذي يلعب دور في تحديد من سيرتفع ومن لن يرتفع طبقيًا. فالطلبة لا يتمتعون بعلاقة مستقرة مع عملية الإنتاج. فطالما هم طلبة يظل مستقبله الوظيفي غير محدد وسيتحد مصريهم بحالة سوق العمل وتأديتهم في الامتحانات وغيرها من عوامل. وبالتالي فإن تعريف الطلبة اجتماعيًا يظل في مرحلة انتقالية وأثر نظام الامتحانات لا يكون بتوحيد الطلبة في مجموعة متماسكة ولكنه يفرقهم، فمصير كل طالب سيحدد حسب تأديته هو في الامتحانات بالانفصال عن الآخرين.
إن الطلبة مجموعة مقهورة، فعدم الأمان للمستقبل مضافًا إليه عزلتهم في الجامعة، وعلى الرغم من أن النظام في الجامعات أقل صرامة من المدارسة إلا أنهم بعيدين كل البعد عن القرارات التي تتعلق بتحديد المناهج ومواعيد المحاضرات وأسعار الكتب وغيرها والنتيجة هي الاغتراب العام. وهذا ينطبق بشكل تام في جامعاتنا المصرية، فالطلاب هنا لديهم حالة من القرف من طرق التدريس القديمة والمناهج التي لا ترتبط إطلاقًا بحياتهم، ويعانون أيضًا من عدم سماح الأساتذة بالنقاش، فالطالب عليه أن يشتري الكتاب الذي كتبه أستاذه وأن يحفظه ولا يناقشه، وإذا أراد أن ينجح فمفروض عليه أن يكتب رأي الأستاذ وليس رأيه هو في الموضوع هذا بجانب طبعًا غلاء أسعار الكتب. وهم يواجهون أيضًا خصخصة التعليم والتي تتمثل في الانتساب الموجه والمعاهد الخاصة، بالإضافة إلى التناقضات التي يواجهوها بين ما تزعمه الدولة من ديمقراطية وما يرونه في الواقع من انتخابات طلابية مزورة، وحرمان أعداد هائلة من الطلبة من ترشيح أنفسهم بسبب “سلوكهم” الذي يكون دائمًا سلوكًا سياسيًا لا يرضي السلطة هذا بالإضافة طبعًا إلى لائحة 79 التي تحرم الطلبة من أي نوع من التعبير بجانب أمن الجامعة الذي تفرضه السلطة وتستخدمه الإدارة كثيرًا على الرغم من ادعائها بالحياد. كل هذا القهر الواقع على الطلبة بخلق حالة قصوى من الاغتراب الذي يأخذ أشكالاً سلبية أحيانًا وأحيانًا أخرى ينفجر في شكل حركات مفاجئة تواجه السلطة في الجامعة والمجتمع ككل.
هنا يصبح عنصر العلاقة الانتقالية بين الطلبة والطبقات الاجتماعية الأخرى أكثر أهمية، لأنه نتيجة لعلاقة الطلبة المؤقتة مع الطبقات الاجتماعية المختلفة كناقلين للأيديولوجية الحاكمة، يصبحون أكثر حساسية للأزمات الأيديولوجية في المجتمع ككل، فإذا ما اكتشفوا بتراكم خبراتهم عمق التناقض بينها وبين الواقع دفعهم هذا السخط المعنوي والأخلاقي ضد تلك الأيديولوجية.
والطلبة يواجهون كيان السلطة بمرارة شديدة عندما تلجأ السلطة إلى الأكاذيب والقمع أساسًا بسبب عدم تسيسهم، فانفجارات الانتفاضات الطلابية هي انفجارات غير محسوبة، وهي ليست الغليان البطيء لثورة مخططة بل مجرد تعبير عن صدمتهم في النظام الحاكم وهذا يعني أنه لم يكن لديهم أفكارًا راسخة ضده. وأحد أهم مظاهر هذه الحركات هي ظهور قيادات طلابية كاريزمية فنرى أسماء مثل دانيال كون بنديت في فرنسا ورودي دويتتشك في ألمانيا وغيرهم.
وتصعد الحركة الطلابية بشكل سريع بسبب عدم وجود جذور للطلبة في عملية الإنتاج، فهم ليسوا مربوطين بالمكن طوال اليوم، ولديهم فراغ فكري، هذا بالإضافة إلى قدرتهم أكثر من غيرهم على التفاعل مع الأفكار المختلفة. كل هذا يتيح لهم فرصة أسهل على التقابل والحركة أكثر من العمال، فتستطيع الأقلية الثائرة من الطلبة التحرك دون مواجهة رفض من الأغلبية مثل ما يواجه العمال نتيجة مسئولياتهم وخوفهم من فقدان الوظيفة. ولكن انعدام الجذور هذا هو نفسه ما يجعل الحركة تهبط سريعًا عندما تصل إلى ذروتها. لأن الطلبة ليست لديهم قوة العمال عندما يضربون ـ قدرتهم على ضرب مصدر ربح أصحاب الأعمال. ولا يمكن للطلبة أيضًا بناء تنظيمات قوية لعدم قدرتهم على فرض ضغوط على السلطة فالحركات الطلابية مثلما تصعد سريعًا تهبط أيضًا سريعًا.
وهي بسرعة نموها يمكنها أن تضع السلطة موضع الدفاع، ويمكنها أن تدفعها لتقديم تنازلات لمحاولة إعادة السيطرة الأيديولوجية على جماهير الطلاب، ولكنها ليس لهذه الحركات القدرة على إنجاز تغيير حقيقي مدمر للنظام الرأسمالي. فالطلبة لا يمثلون تهديدًا حقيقيًا للنظام الرأسمالي إلا عندما يتلاحمون مع الطبقة العاملة مثلما حدث في فرنسا 1968.
ولكن صعود الحركة الطلابية في حد ذاتها له أثرين هامين: أولاً يجعل جماهير الطلاب تتساءل في أشياء كانت تعتبر في ما قبل مسلمات وهذا يزعزع المكانة الأيديولوجية للرأسمالية عند هذا القطاع وقطاعات أخرى من المجتمع وبذلك يدفع أجزاء من الطلاب والمثقفين إلى أخذ مواقع معادية للسلطة للرأسمالية. أي أن هذه القطاعات من الطلبة والعمل يأخذون جانب الطبقة العاملة في الصراع الطبقي ويمثلون أعداد تكسبها الأحزاب الاشتراكية وهذا ما حدث في الستينات ثانيًا وهو الأثر الأكثر أهمية بالقطع هو اكتساب الثقة الذي يحدث للعمال، فعندما يرون نجاح الطلاب في الحصول على مكاسب تزيد ثقتهم بقوتهم والتي تكون أحيانًا أكثر أهمية من الوعي، هذا لا يعني أن العمال غير مدركين أن النظام متعفن وأنهم مستغلون، لكنهم يكونوا فاقدين الإيمان بقوتهم وقدرتهم الجماعية على تغيير النظام الرأسمالي. أي أن التحرك الطلابي كثيرًا ما يتسبب في صعود حركات عمالية تستطيع توجيه تهديد حقيقي للرأسمالية.
وأخيرًا، يجب أن نقول أنه في ظل هذه الأزمة التي يشهدها العالم منذ السبعينات وحتى الآن، والتي تزداد عمقًا كل يوم. فيمكن أن نتوقع حدوث صعود عام في الهبات الجماهيرية والطلابية والعمالية في المستقبل القريب. فإننا وحتى الآن نرى العديد من الاحتجاجات والتي تنتشر في العالم كله من إضرابات في ألمانيا إلى أزمة المكسيك إلى اعتصام كفر الدوار وما تلاه من إضرابات في حلوان ثم إضراب مليون طالب في فرنسا الذي تلاه إضراب 5 مليون عامل وانتهاءً بالإضراب الذي لا تزال تشهده فرنسا حتى صدور هذا العدد. كل هذه الإضرابات والاحتجاجات وغيرها لا تعبر إلا عن وقوف قطاعات كثيرة من المجتمع من عمال وطلبة وغيرهم في مواجهة محاولات الرأسمالية، نتيجة لزيادة حدة الأزمة، بعض المكاسب التي انتزعوها في الماضي.
إن هناك إمكانيات حقيقية لصعود حركات طلابية في المستقبل القريب خاصة في دول مثل مصر حيث تتمتع الجامعة بها بقدر أكبر من الحرية مقارنة بباقي قطاعات المجتمع التي تعاني من قمع بوليسي مباشر. ولكننا يجب أن نتذكر دائمًا أن هذه الحركة ستكون ضعيفة الأثر إن لم تلتحم بالطبقة العاملة، فالعمال هم الوحيدون القادرون على تهديد المجتمع الرأسمالي وتغييره، ذلك التغيير الذي لن يأتي سوى من المصنع ومن محل العمل، فكما قالت روزا لوكسمبرج قبل مقتلها بفترة قليلة:
“أينما تخلق أغلال الرأسمالية، هناك يجب أن تحطم”.





