بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العمل في ظل الاشتراكية

إن العمل هو الركن الأساسي في الحياة البشرية، وذلك بالنسبة لحياة الفرد ولحياة المجتمع. ومن خلال العمل – أي العمل المنتج – بدأ الجنس البشرى في تمييز نفسه عن الحيوانات الأخرى. وخبرة وتجربة العمل هي العامل الأساسي في تكوين شخصية كل فرد. والطريقة التي يعمل بها المجتمع لإنتاج حاجاته هي أساس كل العلاقات السياسية والاجتماعية فيه.

ومع ذلك، في ظل الرأسمالية يكون العمل تجربة سلبية بالنسبة للغالبية العظمى من الناس_ أي بالنسبة للطبقة العاملة. تدمير للصحة وتدمير للروح. فالعمل مجزأ ومقسم إلى الدرجة التي تجعل الناس مطالبة بتخصيص حياتهم كلها في تكرار لا ينتهي لمهام ميكانيكية بسيطة ومحددة. فيصبح مرهقاً ومهيناً، وفوق ذلك، عملاً مملاً. ويؤدى الرفاهية والراحة والثقافة بالنسبة للرأسماليين، وبالنسبة للعمال يؤدى إلى تشويه حياتهم وشخصيتهم.
لذلك، فتغير طبيعة العمل مهمة أساسية من مهام الثورة الاشتراكية. بل أولى مهام الثورة على المدى الطويل.

فأول خطوة للثورة _ أي تأميم الصناعات تحت سيطرة العمال _ تضع الأساس لهذا التغير بالقضاء على الاستغلال والسعي وراء الأرباح الذي يجعل العمل بالصورة التي عليها حالياً. ومنذ البداية، تتغير طبيعة العمل من خلال السيطرة العمالية، فسوف تقضى على الإهانات اليومية التي يعانيها العمال من قبل الرؤساء والمديرين والمشرفين من كل نوع، وتجعل الآمان في العمل أول، وليس آخر، الأولويات، وتضيف الكثير لمصلحة العمل.

ولكن في البداية، سيظل العمل الذي يتم فعلياً _ قبل تدوير الماكينات، واستخراج الفحم، والطباعة على الكمبيوتر _ بالضرورة كما هو عليه في ظل الرأسمالية _ ومع تطور قوى الإنتاج ( التكنولوجيا والتعليم )، سيتغير كل ذلك تماماً _ وهذا التغير يتضمن ثلاث جوانب متداخلة.

أولاً: سوف ينخفض عدد ساعات العمل بشكل منتظم. ففي ظل الرأسمالية يستخدم التقدم التكنولوجي في طرد العمال لتحل الآلة محلهم. فنجد في ظل الرأسمالية ملايين العمال يعملون عملاً إضافياً وملايين آخرين ينتظرون في طابور البطالة.

ولكن بالتخطيط الاشتراكي، يوزع العمل المطلوب بالتساوي على الجميع، ويؤدى أي تقدم تكنولوجي إلى تقليل كمية العمل البدني المطلوبة.

ولهذا ضرورة حيوية _ ليس فقط لأنه سيقلل من المعاناة البدنية، ولكن أيضاً لأنه سيمنح الفرصة للعمال لتنمية قدراتهم التعليمية والثقافية وأن يلعبوا دوراً فعالاً في إدارة كافة شئون المجتمع.

ثانياً: سوف تستخدم الميكنة والربوت للقيام بالأعمال المرهقة والقذرة. (الروبوت ماكينة لا تحتاج إلى العمل الإنساني)، وبالنظر إلى أنه في ظل الرأسمالية تمكنت الروبوت من وضع الصواريخ على القمر وعلى كوكب المريخ، فليس من الصعب أن التخلص من الفضلات، وتنظيف المكاتب والشوارع والقيام بالكثير من عمل المنزل، وكذلك أعمال المناجم وخطوط الإنتاج.

ثالثاً: مع الوقت سيتم التغلب على عملية تقسيم العمل. إن لتقسيم العمل جانبين رئيسيين: فمن ناحية هناك التقسيم الواسع للعمل بين العمل الذهني والعمل اليدوي _ أي بين من يخططون وينظمون ومن يخضعون للتخطيط والتنظيم _ والذي نشأ وتواكب مع انقسام المجتمع إلى طبقات مستغلة وأخرى خاضعة للاستغلال. ومن ناحية أخرى هناك تفتيت لعملية الإنتاج إلى مهام أصغر فأصغر تفتقد إلى المهارة والإبداع، والتي نتجت على وجه الخصوص من عملية التصنيع الرأسمالي.

إن القضاء على كلا جانبي تقسيم العمل يتم من خلال مجموعة العوامل التي لخصناها عالية _ أي السيطرة العمالية على الإنتاج، وتخفيض وقت العمل الإجباري، واستخدام الميكنة الشاملة.

ويصبح الجميع منتجين ومخططين لعملية الإنتاج. فكل فرد سيكون لديه الوقت والطاقة والتعليم الكافي للمشاركة في التشكيل الجماعي للبيئة الاجتماعية _ ذلك العمل الذي يحتاج إلى انصهار المعارف الفنية والتقنية والعلمية والاجتماعية، والذي سيتم بصورة جماعية خلاقة.

في هذه الحالة يصبح العمل كما قال ماركس ليس مجرد وسيلة للحياة، ولكنه الحاجة الأساسية للحياة. ويكف عن كونه ضرورة مملة ومرهقة، ليصبح متعة إيجابية _ أي وسيلة للتحقق الإنساني الفردي والجماعي.

فليس البشر كسالى بطبيعتهم. لاحظ مثلاً أقرب المخلوقات إلى ذلك الكائن الأسطوري، أي الشخص “الطبيعي”، الوليد أو الطفل الصغير، ستجد انه مليء بالطاقة والفضول والحماس للتعليم والنشاط والحياة. ولكن الرأسمالية بالاضطهاد واغتراب العمل، ترهق الناس وتحبطهم وتكسرهم، تدمر طاقاتهم وتقنعهم أن افضل حياة هي التي يقضونها في استرخاء أمام شاشة التلفزيون.

لاحظ مثلاً ذلك الجهد الهائل الذي يبذله الكثير من العمال في ممارسة هواياتهم أو في أعمالهم أو في الحركة النقابية. ليس من الصعب إدراك كيف يمكن أن يأتي زمن لا يصبح فيه الضغط البدني والاقتصادي ضرورياً من أجل إنجاز العمل الضروري للمجتمع. ويتحقق ذلك عندما يعمل العمال من أجل أنفسهم وليس من أجل طبقة من المستغلين وعندما يتنوع هذا العمل ويصبح شيقاً وممتعاً.

إن الاشتراكية، في مراحلها المتقدمة، ستحقق كل من: تخطيط الإنتاج لتلبية حاجات الإنسان،أن يصبح العمل الإنساني خلاقاً وممتعاً، التطور المستمر في العلوم والتكنولوجيا، والتوزيع المجاني للمنتجات والاحتياجات المتوفرة.

وعندما يتحقق ذلك لن تكون هناك عقبة أمام المجتمع لأن يسجل على راياته الشعار النهائي للمجتمع الاشتراكي “من كل حسب قدراته، ولكل حسب حاجته”.