النضال الثوري والعمل النقابي
يتسم وضع النقابات العمالية في مصر بالتردي الشديد في الوقت الحالي. فمن ناحية تخلو شركات ومصانع القطاع الخاص تقريبا من وجود لجان نقابية رغم نص القانون على حق العمال في تكوين نقاباتهم إلا أن أية مبادرة بتشكيل لجنة نقابية من العمال تواجه بفصل وتشريد العمال المتصدين لها. أما في شركات ومصانع القطاع العام (قطاع الأعمال) فتسيطر على النقابات البيروقراطية النقابية خاصة في المستويات العليا في الهيكل النقابي وأغلب اللجان القاعدية ولا توجد في هذا الهيكل سوى أقلية من المناضلين اليساريين إلا أن بيروقراطية الهيكل النقابي مع أوضاع الحركة الجماهيرية الغير منظمة تجعل من السهل استيعابهم في آلية العمل النقابي الفوقي كالتفاوض غير المدعوم بموقف عمالي جماعي والأنشطة الاحتفالية وغيرها، أو استهلاكهم في الخدمات الفردية كجلب الإجازات المرضية لبعض العمال أو رفع الغياب عنهم والواجبات الاجتماعية كالعزاء وزيارة المرضى. هذا عن النقابيين المناضلين، أما عن الأغلبية من قوام هذه النقابات وهم الموالين للقيادات العليا في النقابات والمتواطئين مع الإدارة والأمن، وأولئك يقومون دائما بدور هام في محاولة منع أي تحرك عمالي وفي قمع كافة التحركات التي لم يتمكنوا من منعها. أحيانا يمكن أن تنحاز بعض اللجان النقابية يسارا تحت ضغط الحركة العمالية، فالنقابات -خاصة اللجان المصنعية- تقع دائما تحت ضغط مزدوج، الضغط من أعلى ممثلا في الدولة والرأسمالية والإدارة التي تدفعها دائما للسيطرة على الحركة العمالية وتهدئة العمال وعرقلة أي تحركات جماعية. الضغط من أسفل يأتي من جماهير العمال التي تضغط على اللجان النقابية لتتبنى مطالبها وتدافع عنها وعن مواقف العمال، ولكن حتى في حالة استجابة النقابات لضغط الحركة القاعدية فإن مواقفها تظل محدودة بالمطالب الاقتصادية الضيقة نظرا للطبيعة البيروقراطية للنقابات عموما ولدورها الوسيط في الصراع الطبقي.
رغم ذلك تمثل النقابات العمالية أهمية كبيرة للعمل الثوري، فهي تعد أحد أهم المداخل للارتباط بالحركة العمالية والنضال الطبقي المطلبي. وإذا كانت النقابات تمثل هذه الأهمية دائما فالأهمية تتضاعف الآن في مرحلة الأزمة الرأسمالية التي تحاول الدولة تحميل آثارها على العمال برفع معدلات الاستغلال إلى درجة غير مسبوقة، إذ تبرز أهمية النقابات العمالية كمجال هام لممارسة الدعاية والتحريض الثوريين والتشهير بكل ممارسات الرأسمالية وفضح خططها ومحاولة تنظيم صفوف العمال في النضال ضد تلك الرأسمالية وضد الدولة التي تمثلها.
فالنقابات مدرسة لتعلم النضال والتحويل الدفاع السلبي والفردي للعمال إلى نضال جماعي ويضع هذا النضال الجماعي حدا فاصلا بين الطبقة العاملة ومستغليها ويسهم في إزالة أي تشويش حول الصراع الطبقي.
رغم كل هذه الأهمية للعمل النقابي إلا يحمل أيضا في طياته مخاطر انحرافات عديدة فالنقابات كما قلنا مدارس لتعليم النضال الطبقي ولكنها أيضا تصلح لأن تكون أداة لتهدئة الصراع الطبقي واستيعاب النضال العمالي في حدود المطالب الاقتصادية واختصار دور النقابات بالتالي في تحسين شروط العمل داخل النظام الرأسمالي نفسه وهو ما يجعل النقابات دائما للرؤية البرجوازية ولا تطمح إلا في نيل أفضل شروط عمل يتيحها النظام الرأسمالي.
في البداية يجب أن نقر بأن النقابات العمالية ليست سوى أدوات لتحسين شروط الاستغلال داخل النظام الرأسمالي ولا تطمح أبدا في تغيير هذا النظام، ولكن كيفية القيام بهذا الدور وطبيعة التنظيم النقابي وعلاقة الثوريين به وحجم تأثيرهم وحجم مشاركة القواعد العمالية في هذا التنظيم وطبيعة هذه المشاركة. هذه العوامل وغيرها هي التي تحدد مدى أهمية النقابات في دعم وتطوير الصراع الطبقي أو استيعابها الكامل في المجتمع البرجوازي. لذا فإنه من أولويات العمل الثوري الارتباط بالعمل النقابي والصراع النظري والعملي من أجل دور نضالي للنقابات العمالية يحولها من مجرد وسيط بين العمال والإدارة إلى رأس حربة للنضال العمالي ومنظم للمواقف الاحتجاجية، إلى جزء من الحركة العمالية وليس خارجها.
وهذا بالضبط ما يميز الاتجاه الثوري عن الإصلاحي في العمل النقابي، فالإصلاحيين يهدفون دائما إلى تحقيق مكاسب اقتصادية للعمال وحينما يستخدمون المواقف الاحتجاجية الجماعية فإنها تكون مجرد وسيلة للوصول لتلك المطالب. بينما يرى الثوريون في النضال الاقتصادي ميدان لتنظيم صفوف الطبقة العاملة وربط المطالب المصنعية الصغيرة بالصراع الطبقي الجاري وربط الأمور الاقتصادية بتلك السياسية وخلق وتطوير أساليب وأدوات للنضال، وكما قالت روزا لوكسمبورج في مقدمة كتاب ‘إصلاح أم ثورة’: “..هناك صلة لا تنفصم بين الإصلاحات الاجتماعية والثورة، فالنضال من أجل الإصلاحات وسيلة الاشتراكية الديمقراطية والثورة الاجتماعية غايتها.”
من هنا تنبع الأهمية، ليس فقط أهمية النقابات للمشروع الثوري ولكن أيضا أهمية الحزب الثوري بالنسبة للحركة النقابية. ففي غياب النشاط الثوري- الساعي لإقامة حزب الطبقة العاملة الثوري- عن الحركة النقابية يتجرد الصراع بدرجة كبيرة من مختلف أبعاد الصراع الطبقي السياسية والاجتماعية والديمقراطية وغيرها، وبالتالي يضعف الحركة المطلبية ويجعل نجاحها مرهونا بوضع الرأسمالية والإمكانية الاقتصادية للتنازل أمام الحركة العمالية.
ونحن نطرح ضرورة وأولوية بناء الحزب الثوري في مواجهة الاتجاهات النقابوية والتي ترفع شعار ‘الحرية النقابية’ كشعار ناظم للحركة. إن ما نرفضه في هذا الشعار ليس بالطبع الحرية النقابية فنحن مع النضال الدائم من أجل امتلاك الطبقة العاملة لأدوات نضالها المختلفة ومنها النقابات، ما نرفضه هو ذلك الاتجاه الذي يحاول استبدال مهمة بناء حزب الطبقة العاملة ببناء نقابات ‘مستقلة’.
هذا الاتجاه شبيه بالاتجاه التصفوي الذي ظهر في أعقاب هزيمة ثورة 1905 والذي هدف إلى تصفية الأحزاب العمالية من أجل بناء منظمة ‘شرعية’. إن رفضنا للاتجاه النقابوي هذا يأتي من قناعتا الثابتة بأهمية بناء حزب الطبقة العاملة الثوري والذي تعتبر الحركة النقابية أحد أهم ميادين نضاله وأحد أهم أدوات الدعاية والتحريض والتنظيم. ينبغي إذن أن يقاتلوا من أجل نقابات حرة ومستقلة عن سيطرة الإدارة والدولة، لا لذاتها ولكن لأن النضال من أجل تحرير النقابات يساهم في رفع الوعي الاشتراكي الثوري للعمال ويدفع عملية بناء الحزب.
ولكن النضال لا يأتي فقط عن طريق اختراع شعار للحركة كما لو كنا قد وجدنا ‘كلمة السر’ ولا بصياغة وصفة من مجموعة خطوات وتوصيات على الطبقة العاملة ومناضليها الطليعيين تنفيذها. فحسب لينين: “.. إن حركة الجماهير نفسها، حركتها النشطة الفاعلة تنبذ جانبا الوصفات الاصطناعية الملفقة في المكاتب المغلقة، مثلما تُنبذ المقتنيات البالية، وتمضي إلى الأمام ودائما إلى الأمام.” كذلك “..تتعلم الماركسية في مدرسة الجماهير العملية، وهي أبعد من أن تدعي تعليم الجماهير أشكال للنضال يخترعها صانعو المناهج في زوايا مكاتبهم.”
نحن نرى أن المهمة أبعد من مجرد تقديم شعار أو اختراع خطوات وتوصيات أو حتى مبادئ عامة، أبعد من الدعوة الفوقية لمؤتمر عمال مصر يحضره النقابيون اليساريون وبعض النقابيين لوضع خطة الحركة ! إننا نرى أن أهم ما يقدمه الثوريون للحركة العمالية هو امتلاكهم لأدوات الدعاية الثورية وسط العمال والتدخل الثوري والدعاية النشيطة في أوساط الطبقة العاملة والتي تهدف لا فحسب لرفع وعي العمال ولكن أيضا لرفع وعي الثوريين أنفسهم بأوضاع الطبقة العاملة وحال الحركة العمالية، للارتباط بالنضال اليومي والمطلبي لمواقع العمل. ينبغي علينا الاستماتة في إقامة روابط مع النضالات اليومية والمجزأة في كل مراحلها في المصانع، كذلك يجب الدعاية في كل إضراب واعتصام ومظاهرة للعمال لتكوين لجان الإضراب وصناديق الإضراب. كذلك يجب استخدام البيان التحريضي لتنظيم صفوف العمال وصياغة المطالب وتوضيح حقوق العمال فيها، والبيان الدعائي لربط المشكلات الجزئية بمجمل سياسات الرأسمالية محليا وعالميا لو لزم الأمر -الجات، الإصلاح الاقتصادي، الخصخصة وغيرها، وكذلك طرح خبرات الحركة العمالية باستمرار أمام أوسع جمهور ممكن من العمال والمناضلين.
إن الربط المستمر للنضال الثوري داخل النقابات والمناطق العمالية بالهدف الأول والأهم ألا وهو بناء الحزب العمالي الثوري، هو القادر على تطوير نشاط الثوريين من ناحية ومن ناحية أخرى حمايتهم من الانزلاق وراء النقابوية والانتهازية والوسطية.





