بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نظرية

ما قلّ ودلّ

جيش الوطن؟

في الإمبراطوريات القديمة، كانت كتير من الجيوش مرتزقة، يعني حاجة زي “المماليك”: ناس محترفين بيحاربوا من غير دوافع عاطفية تربطهم بالهدف من الحرب. طبعا كان فيه جيوش من نوع تاني، دينية مثلا، لكن كان نموذج جيوش المرتزقة منتشر.

مع العصر الحديث اتغير الوضع، وكان من أهم محطات التغيير جيش كرومويل في القرن السابع عشر في إنجلترا اللي خاض الحرب الأهلية ضد الأرستقراطية في الثورة الإنجليزية.

جيش كرومويل اتسمى جيش النموذج الجديد (New Model Army) لأنه كان مختلف عن جيوش المرتزقة. كرومويل، اللي كان بيمثل البرجوازية الإنجليزية الوليدة، عمل جيش من أبناء الشعب وخاض بيه الحرب. وإلى جانب بعض التطورات التنظيمية والتقنية، أهم شيء كان بيميز الجيش ده هو إن الجنود كان عندهم رابطة عاطفية مع الهدف من الحرب اللي هو نصرة الثورة اللي كانوا شايفين إنها هتصب في مصلحة تحريرهم من أوضاع سيئة عاشوا فيها قرون.

من ساعتها بدأ عصر جديد، عصر ما أطلق عليه الجيوش الوطنية.

لكن كالعادة التناقضات بدأت. الجيوش اللي المفترض إنها وطنية، واللي بتغني للوطن، وترفع العلم، كان بيقودها ويديرها ساسة وجنرالات في معظم، إن لم يكن كل، الأحيان ليهم مصالح تختلف عن الجنود الفقرا، الحرب حربهم والسلام سلامهم، وما على الجندي إلا إنه ينفذ، والجندي هنا هو ممثل الشعب الفقير.

يعني اللي حصل هو إن اللي تم الحصول عليه باليمين اتاخد بالشمال. في الوقت اللي انتهت فيه ظاهرة المرتزقة (إلى حد كبير، مش تماما)، وظهرت الجيوش الوطنية، الانقسام الطبقي الكبير خلّى مصالح اللي بيقودوا الجيوش متباينة عن مصالح اللي بيحاربوا فيها، وده السبب طبعا في ظاهرة الهروب من التجنيد والفرار من الجبهة اللي حصلت في جيوش كتير.

وحتى لو فيه اتفاق على الهدف من الحرب، يعني حتى لو الجنود مثلا مليانين بالكراهية للعدو اللي قيادتهم بتقولهم حاربوه، فكتير بيبقى فيه ممارسات في الجيش بتضعف الولاء: الفروق الضخمة في المعاملة بين الضباط والجنود، القهر الجسدي والمعنوي، الإحساس بإن القادة من عالم تاني اللي هو عالم الأغنيا، وبإن لو انتصرنا في الحرب دي إحنا مش هنستفيد حاجة.

في المقابل، الميليشيات العقائدية فيها حال غير اللي وصفناه في الجيوش النظامية. فمهما كانت مشاكل الميليشيات دي، واحد من ثوابتها هو القناعة بالهدف والتماهي معه (سواء الهدف هو الوطن، أو العقيدة الدينية، إلخ). كمان المساحة بين الجنود والضباط بتبقى أقل والعلاقة أقرب.

دي واحدة من الصعوبات الكبرى في المعارك بين جيش نظامي وميليشيا عقائدية، إلى جانب طبعا الصعوبات المتعلقة بالطبيعة التقيلة للجيش النظامي، وحقيقة إن معيار الهزيمة والنصر بيختلف بين الجيش النظامي والميليشيا، حيث أن الميليشيا هدفها إنها توجع عدوها وتستنزف مش تهزمه وتقضي عليه.

الخلاصة إن طبقية المجتمع، اللي بتظهر بشكل حاد في الجيش النظامي، عقبة في وجه همته وحماسته، وأحيانا تماسكه. خوف الحكام من فلتان سيطرتهم بيبقى أكبر من حاجتهم لخلق تماسك في الجيش من خلال تخفيف القهر وزيادة روح التعاون والمساواة، كل ده بغض النظر أصلا عن الاتفاق بين القادة والجنود حوالين الأهداف الاستراتيجية.

مفيش نصر للوطن بدون نصر للمواطنين. والمواطنين في الحقيقة هم الأغلبية من الناس الشقيانة. وعشان كده الحرب العادلة التي تستحق أن تخاض هي الحرب التي يخوضها جيش ما مضطرا للحفاظ على مكتسبات شعبية حقيقية، والتي يتأسس فيها هذا الجيش على العدل، والتي يؤدي النصر فيها إلى توزيع ثمرة النصر بالعدل بين الناس ولأجل الناس. غير كده دي مش وطنية، ده نصب باسم الوطنية.