بعد ثمانين عامًا من وفاة قائد أول ثورة عمالية ظافرة في التاريخ
لا يزال لينين ملهمًا للنضال الثوري

العالم من حولنا يتغير، الأفكار القديمة تفقد مصداقيتها، عرش الأفكار الرأسمالية يهتز، لم تعد مقولات نهاية التاريخ تقنع أحدًا، ولم يعد أحد يصدق أن النظام الرأسمالي هو الأفضل وأنه النظام الذي وُلِدَ ليبقى. أصبح المجال مفتوحًا مرة أخرى للأفكار الماركسية وللحديث مرة أخرى عن الطبقة العاملة ودورها في التغيير، وأصبح الحديث عن ضرورة تنظيم الطبقة العاملة وكل الجماهير الساخطة أمرًا ضروريًا حتى يمكن الإطاحة بالرأسمالية التي تسبب الجوع والفقر والموت لملايين البشر.
وإذا كان الحديث عن تنظيم الطبقة العاملة ضرورة، فهنا يصبح الحديث عن لينين ضرورة أخرى، فقد كان بناء حزب عمالي هو جوهر مشروع لينين، وهو المشروع الذي نجح في جعله حقيقة واقعية. وبعد مرور ثمانين على وفاة لينين، لا تزال اللينينية صالحة، ولا تزال مرشدة لكل مناضل يسعى لتغيير العالم تغييرًا جذريًا لصالح الأغلبية المُستغَلة من البشر. وبالتأكيد، من الصعب بشدة أن نختزل في هذه المساحة الضيقة الملامح الرئيسية لفكر لينين، ولكننا سنحاول أن نعرض الخطوط العريضة لأهم أفكاره، خاصةً تلك المتعلقة ببناء الحزب الثوري.
العلاقة بين الطبقة العاملة والحزب الثوري
لقد كانت فكرة ماركس القائلة بأن “تحرير الطبقة العاملة هو فعل الطبقة العاملة نفسها” هي الفكرة الحاكمة للينين فيما يتعلق ببناء الحزب الثوري. فحتى تستطيع الطبقة العاملة إنجاز مهمتها التاريخية هذه يجب أن تُنَظم طليعتها في حزبٍ ثوري. فقط الحزب الثوري القادر على توفير التنظيم والقيادة المركزيين، الذين بدونهما سينتهي النضال بالفشل. ولكن ليس ما دعا إليه لينين هو استيلاء “النخبة الثورية” على السلطة من وراء ظهر العمال. فرؤية لينين لنموذج العلاقة بين الحزب والطبقة هي علاقة التفاعل المستمر والمتبادل. الحزب الثوري هو القطاع من الطبقة العاملة الذي يملك فهمًا ماركسيًا للمجتمع، ويكرِّس كل أنشطته للإطاحة بالرأسمالية. ومهمة الحزب الأساسية هي تنشيط نضالات العمال، وتزويدهم بالتماسك والاتجاه الذي قد يفتقدونه، وتوجيه هجومهم تجاه جهاز السلطة الرأسمالية، وذلك من أجل وصول الطبقة العاملة نفسها – وليس الثوريين – إلى الحكم. ولذا، عارض لينين بشدة الاتجاهات “الانقلابية” لبعض الأحزاب الشيوعية التي سعت للوصول إلى السلطة عن طريق انتفاضة مسلحة تقوم بها أقلية ضئيلة من الثوريين؛ فالثورة تقوم بها الطبقة العاملة ذاتها بقيادة الحزب الثوري، وليس العكس.
سلطة العمال
أثناء اختباءه في أواخر صيف وخريف 1917، رسم لينين رؤيته للجمهورية العمالية في كتابه “الدولة والثورة”. طرح لينين أن كل الدول عبارة عن مؤسسات قمعية (هيئات خاصة من الرجال المسلحين). تحتكر الدولة وسائل العنف في المجتمع. ولكن تخلق سلطة العمال حالة هي الأولى من نوعها في التاريخ البشري، حيث تصبح الغالبية العظمى من الجماهير هي الطبقة الحاكمة. وستُنتج تلك الدولة العمالية الجديدة عن طريق الحركة الذاتية للطبقة العاملة، وستصبح وسيلة لتدمير جميع أشكال الاستغلال والاضطهاد. وستصبح السوفييتات، كما فهم لينين سريعًا، الوسيلة المثلى التي تستطيع الطبقة العاملة من خلالها ممارسة سلطتها. ولكن حتى تلك الدولة شديدة الديمقراطية لن تكون سوى الخطوة الأولى نحو التخلص من أي جهاز متخصص في القمع، واختفاء الدولة، بل نهاية وجود الطبقات في أعلى مراحل الشيوعية.
لقد كانت السوفييتات الوسيلة التي استطاعت بواسطتها الطبقة العاملة الروسية الاستيلاء على السلطة في أكتوبر 1917. ولكن للأسف أدت الحرب الأهلية اللاحقة والحصار الاقتصادي، والمجاعات، والانهيار شبه الكلي للطبقة العاملة الروسية إلى غياب النشاط الذاتي للطبقة العاملة. اختفت من الوجود القوة الاجتماعية التي تخلق التغيير الثوري، وتُرك البلاشفة في السلطة يحكمون باسم الطبقة العاملة. وكان لينين أول قائد من البلاشفة يستوعب هذه الحقيقة. فبالفعل، بحلول شتاء 1920 – 1921، كان يطرح أن دولتهم صارت دولة عمالية “بتشوهات بيروقراطية”. وأصر على إبقاء استقلالية النقابات العمالية بعيدًا عن الدولة، لأن ذلك في رأيه كان ضروريًا لتمرين العمال على الاحتفاظ بالسلطة ولحمايتهم من “دولتهم”. بالنسبة للينين، كان المخرج الوحيد هو انتشار الثورة ونجاحها في الخارج. فالثورة، وبالذات في المراكز الصناعية المتقدمة بالغرب، كانت الوحيدة القادرة على إنهاء عزلة الثورة الروسية التي سمحت للبيروقراطية الستالينية بالنمو.
لقد كانت الستالينية نفيًا لاشتراكية ماركس وإنجلز، وانتصارًا لرأسمالية الدولة على أنقاض ثورة أكتوبر.
مسألة الديمقراطية
بدون ديمقراطية، يموت الحزب الثوري، ولا يستطيع البقاء طويلًا. فهو يحتاج إلى نقاش وتحاور للتأكد باستمرار من ما إذا كان ما يفعله عو الصحيح أم أنه بحاجة لتغيير. ولكن في مفهوم لينين للحزب، يجب موازنة الديمقراطية بالمركزية. وهذا من أجل ثلاثة أسباب:
1- الطبقة العاملة مجزئة؛ فدائمًا سيكون هناك من يريد النضال، ومن يريد كسر الإضراب، ومن يقف متذبذبًا في الوسط. وستظهر تلك الاختلافات حتى في السوفييتات. لا تتطلع المنظمة الثورية إلى تمثيل الطبقة العاملة بأكملها، فهي تؤسس نفسها على طليعة العمال التي تريد تحدي الرأسمالية، وتسعى لتنظيم تلك الطليعة لكسب أغلبية العمال لفكرة الاستيلاء على السلطة. وتعني المركزية النضال الدائم من أجل التعميم السياسي من النضالات السابقة، وتحويل تلك الدروس المستفادة لاستراتيجية متجددة.
2- إذا كان الحزب الثوري مكرسًا للنضال، فيعني ذلك أن النقاشات يجب أن تنتهي عاجلًا أم آجلًا بأفعال ومواقف تُتخذ. ويجب على الجميع المشاركة في التنفيذ واختبار ذلك الموقف بعد النقاش الديمقراطي.
3- نحن مُجبَرون على اتباع درجة من المركزية بسبب طبيعة عدونا. فالمنظمة الاشتراكية مضطرة لأن تكون “مرآة” للهياكل المركزية للدولة الرأسمالية التي تريد الإطاحة بها.
من المألوف اليوم أن تُهاجم اللينينية بالتحديد في قضية المركزية. فيطرح البعض أن المنظمة الاشتراكية أو الراديكالية يجب أن تكون صورة حاضرة للمجتمع المستقبلي المُحرَّر. وتطرح تلك الرؤية أيضًا أنه إذا حاولنا أن نكون مرآة للرأسماليين، فإننا سننتهي بتحولنا لصورة لهم. قد تبدو تلك الرؤية جذّابة، ولكنها في الواقع الطريق للتخلي عن أي نضال ضد الرأسمالية، فعاجلًا أم آجلًا، سيواجه نضالنا الجهاز المركزي لعنف الدولة. وتستطيع فقط القوى المركزة والجماعية للطبقة العاملة مواجهة قوى الرأسماليين. ولا يستطيع نضال العمال الانتصار إلا باتخاذ شكل مركزي. هدف الاستراتيجية الثورية هو الإطاحة بالرأسمالية. لتحقيق ذلك الهدف تُستخدم تكتيكات مختلفة: العمل من خلال النقابات، وجبهات متحدة، والتدخل في الانتخابات، وفي النهاية بالطبع تأتي الانتفاضة المسلحة. ويجب على الثوري الجمع بين المرونة في التكتيك من جهة، والرؤية الواضحة حول الهدف النهائي من جهة أخرى. ويستدعي ذلك القيام بما وصفه لينين بـ”روح الماركسية”، وهو القيام بـ”التحليل الملموس للمواقف الملموسة”. وكلما تغيرت المواقف يجب أن تتغير التكتيكات الاشتراكية.
تكمن عظمة لينين في قدراته العبقرية على الفهم السريع لتغيرات الظروف، وتعديل مسار الحزب طبقًا له، بدون الإغفال عن الهدف النهائي. واليوم تهدد الرأسمالية وجود العالم. ولكن حركة معاداة الرأسمالية تكتسب أرضية جديدة في مختلف أرجاء العالم. وعلى عكس الفكرة التي تقول بأن اللينينية قد انتهت ببداية القرن الحادي والعشرين، فإنها قد أصبحت أكثر أهمية لضمان نهوض العمال وكنسهم لقذارة الرأسمالية في عالمنا.
* بتصرف من مقال كريس بامبري “اللينينية في القرن الحادي والعشرين” – مجلة “الاشتراكي” الشهرية البريطانية، عدد يناير 2001





