بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لماذا لا تزال هناك مجاعاتٌ في عالمنا اليوم؟

في العام الماضي 2017، قالت الأمم المتحدة في تقريرٍ لها إن العالم اليوم يواجه أعمق أزمة إنسانية منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في العام 1945.

وفي هذه اللحظة، يقع أكثر من 20 مليون إنسان على حافة المجاعة في مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فضلًا عمَّا يقرب من 800 مليون إنسان في العالم يعانون من سوء التغذية نتيجة صعوبة حصولهم على الغذاء.

وتتركَّز الأزمة التي تُحذِّر الأمم المتحدة منها على وجه الخصوص في بلدانٍ أربعة، وهي اليمن والسودان والصومال وشمالي شرق نيجيريا. الأمر المشترك بين هذه البلدان هي الصراعات المُحتدِمة، حيث الحروب الأهلية التي تُمزِّقهم، لكن الولايات المتحدة والقوى الإمبريالية الكبرى لها نصيبٌ من المشاركة في العنف.

في حالة اليمن، تشارك الولايات المتحدة في حربٍ وحشية تشنها المملكة السعودية ضد المُتمرِّدين الحوثيين. ووفقًا للأمم المتحدة، لقى أكثر من 16 ألف شخص حتفهم منذ اندلاع الحرب، والكثيرون منهم مدنيون قُتِلوا في الغارات الجوية السعودية. لكن الجوع يُهدِّد أعدادًا أكبر، إذ يقول مسئولون أمريكيون إن عدد اليمنيين الذي لا يعرفون كيف ومتى يمكن أن يتحصَّلوا على وجبتهم المقبلة يزيد بالملايين كل بضعة أشهر.

وتطالب الأمم المتحدة بتوفير 4.4 مليار دولار من أجل مكافحة المجاعات الأسوأ في تلك البلدان الأربعة. لكن هذا القدر من المال لا يزيد على عُشر الزيادة في الإنفاق العسكري التي طالَبَ بها دونالد ترامب في أول ميزانية يضعها كرئيسٍ للولايات المتحدة. وحتى قبل هذه الزيادة الهائلة، كان بإمكان الحكومة الأمريكية أن تُقدِّم الـ4.4 مليار دولار كاملةً مقابل التخلي فقط عن 0.75% من ميزانيتها العسكرية.

لكن حتى هذا يُقلِّل من فظاعة ما يحدث في اليمن. فهذا الإنفاق الموضوع في غير محله على الجيش مُتورِّطٌ بصورةٍ أساسية في قتلِ اليمنيين، سواء بواسطة الضربات الأمريكية بالطائرات بدون طيَّار، أو من خلال الدعم المُقدَّم للضربات الجوية السعودية.

الرأسمالية: الأرباح فوق البشر
إن الحرب والعنف سببان مباشران لأسوأ ظواهر الجوع اليوم، لكن هذا ليس مربط الفرس. فسوء التغذية والجوع يُمثِّلان مشكلتين عالميَّتَين لهما أبعادٌ هائلة تظلُّ موجودةً وقائمة عامًا بعد آخر حتى مع النمو الاقتصادي والتكنولوجي السريع. ماذا إذن يُفسِّر هذه الواقع الكئيب؟

ربما يعتقد البعض أن هذه القضية تنبع من الندرة المادية، أي أن هناك “الكثير” من البشر على هذا الكوكب، في حين لا يتوافر ما يكفي من الغذاء للجميع. لكن الحقيقة هي أن هناك في الواقع فائضٌ من الغذاء، لا العكس. تنتِج البشرية كلَّ عامٍ غذاءً أكثر بكثيرٍ مِمَّا يحتاجه جميع من يعيشون على ظهر الكوكب من أجل البقاء على قيدِ الحياة. وبفضلِ التقنيات الحديثة واسعة النطاق في الزراعة وإنتاج الأغذية وتخزينها، صار يُنتَج في العالم اليوم غذاءٌ لكلِّ شخصٍ أكثر من أيِّ وقتٍ مضى في التاريخ البشري.

رغم ذلك، يترنَّح الملايين من البشر على حافة المجاعة أو يعانون سوء التغذية أو صعوبة الحصول على الغذاء. إن نظرنا إلى هذه القضية من منظورٍ إنساني أو أخلاقي، فلا يمكن أن يكون حلُّها أبسط من ذلك: تقديم هذا الفائض من الغذاء المتوافر بالفعل على هذا الكوكب، على الفور، لأولئك الذين في أمسِّ الحاجةِ إليه للبقاء على قيدِ الحياة.

لماذا يحدث ذلك؟ ببساطة بسبب الرأسمالية.

مراكمة الأرباح هي القوة الدافعة لعجلات النظام الاقتصادي العالمي، وفي بعض الأحيان يكون حجب فائض الغذاء أو تدميره أكثر ربحيةً من منحه لأولئك الذين في حاجةٍ إليه. وطالما أن الغذاء يُعامَل كسلعةٍ مثل أي شيءٍ آخر، فإنه يُنتَج ويُوزَّع وفقًا لقوى السوق التي تُقيِّد هذا الإنتاج والتوزيع بالمعايير القائمة على تحقيق الربح ولا شيء غير ذلك. وما يبدو على المستوى الإجمالي أمرًا غير عقلاني، حيث تدمير الغذاء بينما يتضوَّر الكثيرون جوعًا، يصير منطقيًا تمامًا بالنسبة للرأسمالي الذي يسعى لتحقيق الربح في إطار منافسته في السوق.

هناك الكثير من الأمثلة لتوضيح هذه النقطة. على سبيل المثال، في أكتوبر 2016، تخلَّصت صناعة الألبان في الولايات المتحدة من 43 مليون جالون من الحليب “الفائض” -أي دمَّرَت هذه الكمية الهائلة. من المنظور الاشتراكي، ليس ثمة أمرٌ يمكن أن يكون مثل التخلُّص من هذا الحليب “الفائض”، ولا أي سلعةٍ أساسية أخرى، طالما أن هناك ولو شخصًا واحدًا بحاجةٍ إليه. لكن بالنسبة لصناعة الألبان الساعية لتحقيق الربح، يبدو التخلُّص من هذا الحليب أمرًا جيدًا من الناحية التجارية. من منظور الربحية، كانت هناك “تخمةٌ” في السوق أدَّت إلى انخفاض أسعار الحليب وبالتالي تقلُّص الأرباح.

هكذا، بالنظر من عدسات الرأسمالية، فإن إتلاف الإمدادات الغذائية من أجل تعزيز الأسعار أمرٌ منطقيٌّ تمامًا. ليس للناس الذين هم في حاجةٍ ماسَّةٍ للحليب أيُّ أهميةٍ، لأن الأرباح هي ما يكترث النظام بها، لا تلبية الاحتياجات البشرية.

هناك أمثلةٌ أخرى أكثر إزعاجًا للطريقة التي تؤدي بها طاحونة النشاط الاقتصادي للرأسمالية إلى تفشي المجاعات وسوء التغذية على نطاقٍ واسع. على سبيل المثال، خلال أزمة الغذاء في عاميّ 2007 و2008، حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أعلى مستوياتها منذ 150 عامًا، شجَّعَت “جولدمان ساكس”، وهي واحدةٌ من أشهر المؤسسات المصرفية في الولايات المتحدة والعالم، جنون المضاربة في الأسواق المالية للمقامرة على أسعار السلع الأساسية، بما في ذلك المواد الغذائية. وهكذا أسهمت المؤسسة في رفع أسعار الغذاء إلى مستوياتٍ فلكية خلال فترةٍ قصيرةٍ من الزمن، ما حقَّق ثروةً ضخمة في يدِ أقليةٍ ضئيلة، وفي الجهةِ المقابلة بؤسًا بالغًا لملايين من الناس الذين صاروا فجأةً غير قادرين على إطعام أنفسهم.

في ذلك الوقت، لخَّص الصحفي المُتخصِّص في شئون الغذاء، فريدريك كوفمان، الأمر حين كَتَبَ أن “المصرفيين سيطروا على الغذاء في العالم. المال يجلب المزيد من المال.. ومليار إنسان صاروا في عدادِ الجوعى”.

الجوع في زمن الوفرة
هناك جانبٌ مأساوي في المجاعات في ظلِّ الرأسمالية لم يكن حاضرًا في العصور الماضية من التاريخ البشري. تكمن المأساة ليس فقط في الحقيقة المُروِّعة بأن الناس يعانون المجاعات وسوء التغذية. ففي معظم الحالات في الأزمان السابقة على الرأسمالية، كان البشر يشهدون مجاعاتٍ نتيجة الندرة المادية، إذ لم يكن هناك ببساطة ما يكفي من الغذاء لهم. لكن هذا ليس صحيحًا على الإطلاق في ظلِّ الرأسمالية، فالقوى الإنتاجية للتقنيات الحديثة تعني أن من الممكن إنتاج غذاءٍ أكثر بكثير مِمَّا يحتاجه الناس من أجل البقاء، دون أن يعملوا حتى الموت من أجله.

تتمثَّل المأساة التي تتفرَّد بها الرأسمالية عن العصور الماضية في أن التكنولوجيا الحديثة تجعل من الممكن، لأولِ مرةٍ في التاريخ البشري، إنتاج غذاءٍ أكثر مِمَّا يحتاجه جميع البشر، لكن بسبب هوس النظام الرأسمالي بالأرباح، تظلُّ القوى الإنتاجية التي من المُفتَرَض أن تلبي الاحتياجات البشرية القائمة غير مُسخَّرةٍ بالصورةِ الأمثل، ما يؤدي إلى بؤسٍ وموتٍ لم يكن من الحتمي حدوثهما.

وإذا ما استخدمنا مفردات كارل ماركس، فإن القوى الإنتاجية -التكنولوجيا والأدوات والتقنيات التي يستخدمها البشر لإنتاج السلع والخدمات- قد نمت بمعدلاتٍ غير مسبوقة خلال القرون الماضية من التطوُّر الرأسمالي. وهنا تصبح الندرة المادية شيئًا من الماضي، إذ لدينا اليوم من القدرة الإنتاجية والتكنولوجية ما يمكن بسهولة أن يلبي احتياجات جميع سُكَّان الكوكب.

لكن العلاقات الاجتماعية الرأسمالية، لاسيما الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج للرأسماليين اللاهثين وراء الأرباح، تمنع البشرية من استخدام قواها الإنتاجية لتحريرها من عذابات الجوع والفقر. أوضح الفيلسوف الماركسي جيرالد كوهين هذه النقطة كما يلي:

“تُقدِّم التكنولوجيا الإنتاجية للرأسمالية المُتقدِّمة فرصةً لا مثيل لها لتبديد لعنات البشر ولتحريرهم من الكدِّ والعوز، لكن علاقات الإنتاج للمنظومة الاقتصادية الرأسمالية تمنع هذه الفرصة من التحقُّق. هذا الشكل الاقتصادي الأقدر على تخفيف الكدِّ البشري هو أقل شكلٍ يُستخدَم لهذا الغرض … الرأسمالية تجلب البشرية إلى أعتاب الوفرة، ثم توصد الباب”.

يُحدِّد ماركس الثورة الاجتماعية كوسيلةٍ لتفكيك قيود العلاقات الاجتماعية الرأسمالية وتعبيد الطريق أمام البشرية لاستخدام القوى الإنتاجية للتكنولوجيا الحديثة من أجل تحسين جودة الحياة وتخفيف الكدح من على كاهل جميع البشر. مثل هذه الثورة تتضمَّن، كما كَتَبَ الثوري الروسي ليون تروتسكي، “اقتحامًا قسريًا من الجماهير لمسرح الأحداث من أجل التحكُّم في مصائرهم”. بعبارةٍ أخرى، تعني الاشتراكية بإتاحة الطريق أمام البشرية من أجل التحديد الديمقراطي لكيفية استخدام الإمكانيات التحرُّرية الهائلة -غير المُدرَكة إلى حدٍّ كبير- للتكنولوجيا الإنتاجية الحديثة.

تحدث المجاعات في ظلِّ الرأسمالية لأن القرارات المُتعلِّقة بإنتاج وتوزيع الغذاء يتَّخذها رأسماليون لا ينظرون، بحكم نظام المنافسة ضد بعضهم البعض في السوق، إلا لأرباحهم. ولا يحظى أولئك الذين يتأثَّرون بهذه القرارات بأي سلطةٍ للمشاركة في اتخاذها، حتى أن مصالحهم المباشرة لا تُمثِّل رقمًا في معادلة اتخاذ القرار في الشركات الرأسمالية. والانضباط الذي تفرضه المنافسة في السوق يجبر كل رأسمالي على التركيز فقط على صافي أرباحه. وهكذا تُفضِّل الشركات التخلُّص من الغذاء “الفائض” بدلًا من توزيعه على من يحتاجه، نظرًا لتأثير ذلك على هذه الأرباح.

لكن تصوَّروا كيف ستجري الأمور إذا صارت لدى الجماهير السلطة الجماعية لاتخاذ القرار في كيفية استخدام القوى الإنتاجية الهائلة للتكنولوجيا الحديثة. تصوَّروا إذا كان لهم أن يتخذوا القرار في كيفية إنتاج الغذاء وتوزيعه. تصوَّروا إذا كانت لديهم السلطة في النظام العالمي ليضمنوا بها أن مصالحهم تُلبَّى ورغباتهم تُحتَرَم. هذا باختصار هو هدف الاشتراكية: سيطرة الجماهير العادية من العاملين ديمقراطيًا على قوى الإنتاج في المجتمع وتسخيرها لصالحه.

* هذا المقال مترجم عن صحيفة العامل الاشتراكي الأمريكية.