بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نظرية

أوراق اشتراكية (نشرة بحثية دورية تصدرها حركة الاشتراكيين الثوريين) - ورقة سبتمبر 2018:

الديناميات المعاصرة للإمبريالية في الشرق الأوسط – تحليل أوَّلي

عملية-غصن-الزيتون

جاءت الأشهر الأخيرة مليئةً بإشاراتٍ متشائمة في الصراع المُتعمِّق بين الأطراف الرئيسية في الشرق الأوسط، في ما يصفه الاشتراكي الثوري البريطاني أليكس كالينيكوس بـ”مباراة شطرنج متعددة المستويات” للجغرافيا السياسية في المنطقة (1). في مارس 2018، دخلت القوات التركية سوريا، وأجبرت عشرات الآلاف على الفرار من منطقة عفرين، التي تتألَّف في غالبيتها من السُكَّان الأكراد (2). بعد أسابيع قليلة لاحقة، ضَرَبَ وابلٌ من الصواريخ ما ادَّعى مُتحدِّثون رسميون إسرائيليون أنه أهدافٌ إيرانية في سوريا (3). صار الصراع في سوريا بوتقةً للكثير من هذه التطوُّرات. لكن مسارات الحرب الأهلية والتدخُّل العسكري الخارجي هناك، وفي اليمن أيضًا، يعكس العمليات الكامنة للتغيُّر الحادث في توازن القوى بين الدول ورؤوس الأموال على المستويين الإقليمي والعالمي. غالبًا ما تُقدَّم التحوُّلات السياسية المُدمِّرة لدونالد ترامب –مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران- على أنها تأتي بدافعٍ من شخصيته الضالة، أو تحت ضغطٍ من ناخبيه المحليين (وهذه الصورة ينقلها الرئيس الأمريكي نفسه بقدر ما يرسمها آخرون) (4). غير أن القرارات تُشكَّل أيضًا بواسطة الديناميات المُتغيِّرة للتنافس الإمبريالي في المنطقة وعلى المستوى العالمي، تلك الديناميات التي تحاول الطبقة الحاكمة الأمريكية التكيُّف معها.

وبالسير على تراث جملةٍ من الكُتَّاب والمُحلِّلين والمُنظِّرين الاشتراكيين الثوريين، مثل كريس هارمان وأليكس كالينيكوس، والمُفكِّرين الماركسيين من الأجيال الأقدم، بمن فيهم لينين وبوخارين، ترى هذه المقالة الدفع إلى الحرب مُتجذِّرًا في ديناميات تراكم رأس المال نفسه. يؤدي التنافس بين رؤوس الأموال، وبالتالي بين الدول التي تعتمد عليها رؤوس الأموال هيكليًا، إلى دمجٍ لعمليات التنافس الاقتصادي والعسكري بين الدول الرأسمالية الأقوى (5). وهذا يعني ليس فقط وضع التفاعلات بين القوى الكبرى من خارج المنطقة (الولايات المتحدة، والقوى الأوروبية مثل فرنسا والمملكة المتحدة، وروسيا بصورةٍ مبدئية) في الاعتبار، بل أيضًا الدول الإقليمية التي تقبع في نظامٍ إمبريالي إقليمي (شكل من الإمبريالية على مستوى أدنى من نفس النظام) يعيد إنتاج “نسخة من نفس الدينامية التي أدَّت إلى نشوء الإمبريالية الرأسمالية في المقامِ الأول” (6). ليست الإمبريالية مجرَّد علامةٍ على الأداء الناهب المفترس للدول الأقوى، ولا هي حكرٌ على الولايات المتحدة وحلفائها. إضافة إلى أن المنطق الخاص بتراكم رأس المال يعني أن “مقاومة” الطبقات الحاكمة للدول الرأسمالية الأضعف للنهب الذي تمارسه القوى الرأسمالية العالمية لا مناص من أن تعيد إنتاج العمليات الخاصة بالإمبريالية على مستوياتٍ دُنيا من النظام. هذا لا يعني أن على الاشتراكيين أن يتبنوا موقفًا مُحايدًا في ما يتعلَّق بمثل هذه الصراعات. بل في كثيرٍ من الأحيان يكون المطلوب هو أن يدافعوا بصورةٍ مبدئية عن الطرف الضعيف في مواجهة هجمات القوي، بينما يصيغون إستراتيجيةً لكيفية بناء مقاومة حقيقية للإمبريالية، وهي مقاومة لابد أن تتولَّد من أسفل وتتطلَّب في نهايةِ المطاف الإطاحة بتلك النخب من الجنرالات ورجال الأعمال (بصرفِ النظرِ عمَّا يرتدون من ثوبٍ جمهوري أو ملكي)، أولئك الذين يقودون المنطقة نحو المزيد من الحروب (7).

كان تطوُّر نظام إمبريالي إقليمي أمرًا مُتوقَّعًا مع نشوء مراكز أخرى لتراكم رأس المال خارج القلب التاريخي للنظام الرأسمالي، الذي بدوره غالبًا ما كان يعتمد في السابق على الطبقات الحاكمة لتلك الدول الواقعة على “أطراف” النظام، والتي خرجت من شِرك الدور الذي رسمه لها النظام السياسي والاقتصادي الاستعماري كمَواطنِ إنتاجٍ للمواد الخام وأسواقٍ أسيرة للبضائع المُصنَّعة في البلدان “الأم” الإمبريالية. هذا لا يعني بالطبع أن تلك الدول كانت قادرةً على الهربِ من الإمبريالية دفعةً واحدة. وكما ذَكَرَ الاشتراكي الثوري أليكس كالينيكوس، سَعَت الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة بشكلٍ عام، خلال القرنين العشرين والواحد والعشرين، لبناءِ إمبراطورية لا تعتمد هيمنتها فيها على مناطق كبرى خارج حدودها على إقامة المستعمرات أو الانخراط المباشر في الحكم. في المقابل، التفَتَت إلى وسائل أخرى تجعل دولًا رأسمالية من الدرجة الثانية والثالثة تنصاع لإرادتها (8). ومع ذلك، فإن القوة الأكبر التي تمتَّعت بها المراكز الناشئة لتراكم رأس المال في علاقة بعضها ببعض، وفي علاقتها بالقوى الإمبريالية الكبرى، لهي نقطة مهمة في الفرق بين مرحلة الإمبريالية التي رسمها لينين وبوخارين في الربع الأول من القرن العشرين والمراحل اللاحقة لها (9).

ينبغي فهم تطوُّر نظام إمبريالي إقليمي في الشرق الأوسط (10) أولًا وقبل أيِّ شيء من منظور التفاوت بين رؤوس الأموال المُتنافِسة و”الدول” التي تحكمهم. هذا التفاوت إنما هو محوريٌّ في النظام الرأسمالي من خلال عدة عوامل تتضمَّن الطريقة التي نشأت بها الرأسمالية في جزءٍ من العالم أولًا وليس على الفور في كل البلدان، وكذلك الأوضاع دائمة التغيُّر للأطراف المختلفة في اللعبة. لقد تشكَّل النظام الإمبريالي الإقليمي في الشرق الأوسط بواسطة ديناميات المنافسة بين القوى الرأسمالية الكبرى -مثل تراجع القوى الاستعمارية “القديمة”، حيث بريطانيا وفرنسا في مطلع القرن العشرين، وما تلى ذلك من صعودٍ للقوى الإمبريالية “الجديدة، حيث الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، وأفول الاتحاد السوفييتي ومن ثم انهياره في أواخر القرن العشرين- ومن خلال دينامياتٍ مشابهة أيضًا جرت بين الدول الرأسمالية الناشئة في المنطقة. في هذه القوى الناشئة، يتشكَّل التطوُّر الاقتصادي والسياسي، وبالتالي القدرة العسكرية لها، على الدوام وبصورةٍ أساسية من خلال القيود المفروضة على عملهم داخل نظامٍ يكون فيه الحُكَّام النهائيون هم القوى الإمبريالية الكبرى. لكن هذا لا يعني أن تلك القوى الكبرى قادرةٌ دائمًا على ممارسة درجة ثابتة من التأثير في المستويات الدُنيا في النظام. في الحقيقة، كانت السمة الهيكلية الجامعة للنظام الإمبريالي الإقليمي الحالي في الشرق الأوسط، على مدار العقد ونصف العقد الماضي، هي التراجع النسبي للقوة الأمريكية بعد الانتصار البائس على صدَّام حسين في العراق في العام 2003. وتُظهِر السياسة الأمريكية الكارثية في العراق كيف أن العمليات الجارية في النظم الإمبريالية الإقليمية يمكن أن تتسارع على الصعيد العالمي. ولعل أحد المنتفعين من التراجع النسبي للولايات المتحدة هي روسيا، التي يمكن اعتبارها لاعبًا محدود القدرات على المستوى الاقتصادي، لكنها تستند إلى التراث العسكري والديبلوماسي للاتحاد السوفييتي، وتؤكِّد حضورها بقوة في التنافس الجيوسياسي مع الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا الشرقية وسوريا.

جدول 1: أكبر خمس دول في الشرق الأوسط (بما يشمل إيران وتركيا، ويستبعد شمال أفريقيا) من حيث الناتج المحلي الإجمالي (بالدولار الأمريكي) عبر العقود
جدول 1

أما السمة الهيكلية الثانية للنظام، ألا وهي المنافسة المُتعمِّقة من أجل الهيمنة الإقليمية بين إيران وحلفائها من جانب، والمملكة السعودية وحلفائها من الجانبِ الآخر، فتنشأ من ملابساتِ العمليات الجارية في المستويات “العليا” و”الوسطى” للنظام الرأسمالي العالمي. يُعَد صعود المملكة السعودية انعكاسًا لبروزِ مركزٍ جديد لتراكم رأس المال في الخليج، بينما ارتبط بروز إيران من جديد كقوةٍ إقليمية بالتعافي التدريجي (وغالبًا المُقوَّض) للرأسمالية الإيرانية من هزيمتها الكارثية في الحرب مع العراق في الثمانينيات. وهنا، تبرز نقطتان إضافيتان لهما جانبٌ من الأهمية. أولًا، ينبغي وضع التمادي العسكري الأمريكي في العراق في سياقِ عمليةٍ أطول كثيرًا، وهي الأفول البطيء للهيمنة الاقتصادية العالمية للولايات المتحدة على خلفية صعود الصين في قلبِ التراكم الرأسمالي في منطقة شرق آسيا (11). وثانيًا، تُقدِّم الكارثة التي ألمَّت بالولايات المتحدة في العراق تذكيرًا بأن ليس فقط الدول، ولا حتى طبقاتها الحاكمة، هي التي ينبغي وضعها في الاعتبار. فقد هزمت الولايات المتحدة صدَّام حسين والطبقة الحاكمة للدولة البعثية وسحقتهم، لكنها في خضم هذه العملية أطلقت العنان لعصيانٍ استمدَّ قوته من شرائح أوسع في المجتمع العراقي (بما في ذلك الجمهور الشيعي في الطبقة العاملة الذي شكَّلَ حجر الأساس لحركة مقتدى الصدر، والذي اتجه صوب السياسات العراقية القومية وليس السياسات الإسلامية الشيعية المؤيدة لإيران) (12).

وأما السمة الهيكلية الثالثة، فهي الدور الذي اضطلعت به إسرائيل في البنيان الإمبريالي الإقليمي في الشرق الأوسط. هذه الدولة الاستعمارية الاستيطانية فائقة العسكرة تردع سُكَّان المنطقة بما تمارسه من عنفٍ تحذيري لهم ضد الفلسطينيين من جانب، وبتفوُّقها الإقليمي الهائل في التكنولوجيا العسكرية من جانبٍ آخر. إن الحياد السياسي والعسكري لمصر هو الوجه الآخر لصعود إسرائيل. لعبت هزيمة مصر في حرب 1976 دورًا محوريًا في هذا الصدد، وأدَّت أيضًا إلى تطوُّراتٍ مهمة في مجال التنافس الاقتصادي بين البلدين، فحلَّت الهزيمة متبوعةً أولًا بقبولها أجندة واشنطن الاقتصادية النيوليبرالية، ثم بعد ذلك بفترةٍ قصيرة اتفاقية سلامٍ وقَّعَتها مع إسرائيل في كامب ديفيد في سبتمر 1978. أهدرت الطبقة الحاكمة المصرية فرصًا عديدة للانتقال إلى مرحلةٍ أكثر تقدُّمًا من التطوير الصناعي، وقد صُمِّمَت تدفُّقات المساعدات العسكرية الهائلة لضمان أن يقتصر دور الجيش المصري كونه شرطيًا داخليًا، لا طرفًا مهيمنًا في المنطقة. على العكس، إسرائيل هي من سارت في ركبِ الدول “المُتقدِّمة”، وعزَّزَت شراكةً اقتصادية وعسكرية تعود بمنفعةٍ متبادلة بين الطبقة الحاكمة الإسرائيلية والأمريكية.

يمكن قراءة دور إيران باعتبارها قوةً إقليمية أيضًا كعنصرٍ ينم عن استمراريةٍ ممتدة من العصور السابقة، حين كانت سلالة بهلوي تُمثِّل واحدةً من “الركيزتَين التوأمتين” للهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط. بالطبع أخرجت ثورة 1979 إيران بصورةٍ مُفاجِئة من دائرة النفوذ الأمريكي، وهو ما يُفسِّر لماذا يظل الدور الإسرائيلي حاسمًا في الدفاع عن المصالح الأمريكية. الرافعة الأخرى، وفقًا لمبدأ نيكسون، كانت المملكة السعودية التي تأتي للتوِّ وبنفسها –متأخرةً- كقوةٍ إمبريالية إقليمية.

المملكة السعودية وصعود رأس المال الخليجي
كان تدرُّج المملكة السعودية، عبر السنوات القليلة الماضية، من استخدام القوة الناعمة إلى القوة الخشنة خارجيًا، تدرُّجًا حادًا. منذ العام 2015، اضطلعت السعودية بدورٍ كبيرٍ في الأزمة الإنسانية التي ابتلعت اليمن نتيجةً لحملةِ القصفِ الجوي السعودي المُكثَّف التي تلت الحشد النشط لقوى الثورة المضادة في المنطقة منذ 2011؛ حيث غزو البحرين لسحق حركة الاحتجاجات الجماهيرية الناهضة في مارس 2011، وتمويل الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الفتاح السيسي في مصر في يوليو 2013. هذا الدور الجديد كقوةٍ إمبريالية إقليمية إنما هو مُتجذِّرٌ في العمليات الأطول للتحوُّل الذي جرى في اقتصادِ المملكة، كما في اقتصاد منطقة الخليج ككل. وفي الحقيقة، كما طَرَحَ الأكاديمي البريطاني أدهم هنية، فإن تشكيل طبقة رأسمالية خليجية تمتد لتشمل الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي كان عاملًا حاسمًا في بلورة مركزٍ مستقل لتراكم رأس المال في الخليج عبر العقود الأربعة الماضية (13). لكننا سنُركِّز هنا على المملكة السعودية كمُكوِّنٍ محوري لرأس المال الخليجي من حيث حجم اقتصادها، وعدد سُكَّانها، والطموحات الراهنة لحُكَّامها لترجمة التطوُّر الرأسمالية إلى قوةٍ عسكرية (14).

كثيرًا ما يُشار إلى “صدمة النفط” في السبعينيات، حيث الارتفاع السريع لأسعار النفط، كنقطةِ تحوُّلٍ في الاقتصاد السياسي للطاقة في المنطقة. غير أن تأسيس سيطرةٍ من جانبِ الدولة على إنتاج النفط الخام كان إيذانًا بتحوُّلٍ أهم ودائم في العلاقة بين الدولة ورأس المال الدولي والمحلي. في الحالة السعودية، بُسِطَت السيطرة على إنتاج النفط الخام في الثمانينيات، وأرست الأساس لنهوضِ طبقةٍ رأسمالية سعودية ركَّزَت أنشطتها على صناعات المُشتقَّات النفطية (بالأخص البتروكيماويات)، والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الألمونيوم والصلب والأسمنت، علاوة على قطاعات الإنشاءات والاستيراد والتصدير، ومشاريع التجارة بالتجزئة في هيئة المتاجر العملاقة (الهايبرماركت) ومراكز التسوُّق والمشاريع المالية (15).

تشكَّلَت العمليات المتشابكة لتراكم رأس المال وتأسيس الطبقة الرأسمالية في الخليج في إطار التحوُّل النيوليبرالي للاقتصاد العالمي –وأسهمت في هذا التحوُّل أيضًا. أسهمت هذه العمليات في تعزيز الهيمنة الأمريكية من خلال ضمان أن تعمل أسواق النفط بالدولار، وإعادة تدوير نفس دولارات النفط هذه عبر البنوك الأوروبية والأمريكية، مِمَّا سَمَحَ بتحويلهم إلى أشكالٍ جديدة من عبودية الديون فُرِضَت على دول جنوب العالم، وتسريع الميل نحو تحويل رأس المال إلى نقودٍ عبر النظام (16).

إن دور العلاقات مع الطبقة الحاكمة الأمريكية في نهوض رأس المال الخليجي لهو أعقد مِمَّا يبدو للوهلةِ الأولى. وتشخيص رأس المال السعودية باعتباره ببساطة امتدادًا لرأس المال الأمريكي هو أمرٌ خاطئ تمامًا. في المقابل، يرتبط رأس المال السعودي بنظيره الأمريكي بعلاقةٍ نشأت في إطار التناقض بين حتمية التنافس في إنتاج النفط، وقدرة الولايات المتحدة استباقيًا على احتواء وإدارة هذه المنافسة في صالحها بفضلِ كونها أكثر تقدُّمًا من السعودية، وهي الضامن العسكري للدولة السعودية. بالطبع تأسَّسَت السياسة الأمريكية تجاه المملكة السعودية في البداية على قاعدة المنافسة مع الإمبريالية البريطانية القديمة. غير أن المسار الضمني للسياسة الأمريكية تمثَّل، منذ السبعينيات، في رعاية تطوُّر المملكة السعودية كحليفٍ رأسمالي خاضع. وأدَّى المزيج بين الثورة في إيران من جانب، وما أسفرت عنه الحرب العراقية الإيرانية من جانبٍ آخر، إلى اختلال توازن هذه السياسة، ومن ثم تأسيس تواجد عسكري أمريكي هائل ومباشر في الخليج، بما يتضمَّن بناء قواعد أمريكية للمرة الأولى في السعودية بعد العام 1991 (17). وقد حفَّزَ ذلك أول تحدٍ سياسي للعائلة الحاكمة في المملكة من داخل المجتمع السعودي، وبالطبع الضربة العكسية التي أخذت شكل هجمات القاعدة على الولايات المتحدة نفسها في ما بعد بعشرة أعوام.

بدت جهود الطبقة الحاكمة السعودية لتطوير إستراتيجيات جديدة لمواكبة هذه التطوُّرات مقتصرة عند حدٍّ معين في شخصِ وسياساتِ وليِّ العهد محمد بن سلمان. صار وليُّ العهد مثار حديثٍ عالمي منذ توليه هذا المنصب في 2017. يُنسَب إليه شنُّ حملة لـ”مناهضة الفساد” أطاحت بأقارب منافسين له، وصياغة “رؤية” لتنويع الاقتصاد السعودي بعيدًا عن الاعتماد على النفط، وإسقاط حظر قيادة السيارات الذي كان مفروضًا على النساء (18). وكوزيرٍ للدفاع، قاد ابن سلمان التدخُّل السعودي في اليمن، ذلك التدخُل الذي حلَّ كالكارثة على الشعب اليمني، ما أدَّى بغالبية البلاد إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية بعد اجتياح الكوليرا والمعاناة من سوء التغذية. وجاء تطهير قيادة الجيش السعودي في مارس من العام الجاري ليُبرِز كيف أن وليَّ العهد يدفع باتجاه تغييراتٍ في الأشخاص بما يتماشى مع إستراتيجيته الشاملة لتنويع الاقتصاد. إذ جاءت إقالة رئيس أركان الجيش السعودي وقيادات القوات البرية والجوية متزامنةً مع تدشين سياساتٍ صُمِّمَت لصالح تطوير صناعة أسلحة سعودية بشراكةٍ مع رأس مال عسكري دولي (19). وفي الوقت نفسه، حظت “الإصلاحات” الاقتصادية النشطة لمحمد بن سلمان في القالب النيوليبرالي، بما يشمل تغييراتٍ في النظام التشريعي، وتنظيم وترخيص المشروعات، بموافقةٍ وتصديقٍ من جانب صندوق النقد الدولي (20).

إسرائيل: العسكرة الرقمية تحتضن الصهيونية
لطالما اضطلعت إسرائيل بدورٍ محوري في ديناميات الإمبريالية في الشرق الأوسط، حتى رغم تغيُّر طبيعة علاقتها مع القوى الإمبريالية الكبرى على مرِّ العقود. احتضنت الإمبراطورية البريطانية المشروع الصهيوني، لكن بعد إنشاء دولة إسرائيل في العام 1948، تولَّت الولايات المتحدة دور الراعي الإمبريالي. وفي خلال السبعين عامًا منذ ذلك الحين، وصل إجمالي المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية للكيان الصهيوني إلى أكثر من 131 مليار دولار، قياسًا إلى الأسعار الراهنة (21). انتهت تدريجيًا المساعدة الاقتصادية المباشرة، التي كان لها دورٌ حاسم في الحفاظ على الاقتصاد الإسرائيلي طافيًا فوق معدلات التضخُّم الكبيرة والإنفاق العسكري المتزايد بعد ما يُمكن أن يُطلَق عليه الهزيمة في حرب 1973 ضد مصر وسوريا. وفي تلك الأثناء، تنامى الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل، وكذلك نصيب الفرد منه، بصورةٍ كبيرة (انظر الشكلين 1 و2)، وقد دَفَعَ ظهور قطاع جديد عالي التقنية، يجذب ما يقرب من 15% من رأس المال الاستثماري في الأمن الإلكتروني، إلى إعادة توصيف إسرائيل باعتبارها “دولة ناشئة” بإمكانها أن تقفز مباشرةً إلى “الاقتصاد الرقمي” العالمي المزدهر (22).

شكل 1: الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل والأردن (بالمليار دولار)
– المصدر: البنك الدولي

شكل 1

شكل 2: نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي
– المصدر: البنك الدولي

شكل 2

حدث كلُّ هذا في سياق التعاون العسكري الإسرائيلي-الأمريكي المُكثَّف. وقد صُمِّمَت المساعدات العسكرية الأمريكية من أجل الحفاظ على “التفوُّق العسكري النوعي” لإسرائيل على منافسيها الإقليميين. منذ العام 2008، صار لا يمكن الموافقة على مبيعات الأسلحة الأمريكية لدولٍ أخرى في المنطقة من دون إثبات حكومة الدولة أن هذه الأسلحة لن تؤثِّر سلبًا على إسرائيل (23). وكما هو مُوضَّح في الجدول 2، فإن القيمة الإجمالية للمِنح طويلة الأمد التي تُمثِّلها مذكرات التفاهم المُتعاقِبة كانت تزداد بصورةٍ ثابتة في مسار التبدُّلات العديدة بين الديمقراطيين والجمهوريين الذين شغلوا البيت الأبيض. وجزءٌ مهمٌ في هذه المساعدات العسكرية كان يُقدَّم في هيئة اتفاقيات إنتاجٍ مشترك، مثل تلك الاتفاقية التي عُقِدَت في العام 2014 والتي صدَّقَت فيها شركاتٌ أمريكية وصناعاتٌ عسكرية إسرائيلية على العمل معًا من أجل تطوير نظام القبة الحديدية الإسرائيلية المضادة للصواريخ.

جدول 2: مذكرات التفاهم الأمريكية-الإسرائيلية
المصدر: اضغط هنا.

جدول 2

وفي الوقت نفسه، فإن السياسات الجديدة لهجرة العمالة، التي لم تتغيَّر منذ التسعينيات، والتي جاءت في أعقاب الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987، قد استبدلت عمال المياومة الفلسطينيين من الأراضي المحتلة، إذ جاءت محلَّهم بعمالٍ أجانب من دولٍ نامية في قطاعاتٍ مثل الزراعة والبناء وخدمات الرعاية. وخلال التسعينيات، تجاوَزَ عدد هؤلاء العمال الأجانب غير الفلسطينيين العدد الإجمالي للفلسطينيين الذي عملوا في إسرائيل في أيِّ وقتٍ سابق مجتمعين (24). بينما أفضت عملية السلامة في أوسلو وإنشاء سلطة فلسطينية تحت قيادة ياسر عرفات إلى تأسيس جهازٍ جديد من المسئولين الفلسطينيين في تعاونٍ مباشرٍ مع الدولة الإسرائيلية، ما أسفر عن ظهور كيانٍ فلسطيني منكمش، ويهيمن عليه الجانب الإسرائيلي بالكامل من الناحية الاقتصادية والعسكرية.

خلقت سياسة الولايات المتحدة لزيادة الدعم العسكري لإسرائيل زخمًا على مدار عقودٍ عديدة. وحتى قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس كان بالأصل قد مُرِّرَ عام 1995 عبر الكونغرس الأمريكي ذي الأغلبية الجمهورية آنذاك، لكن بيل كلينتون وخلفاءه كانوا يؤجِّلون تنفيذ القرار لمدة ستة أشهر في كلِّ مرة. وقد أدَّى صعود ترامب إلى مواءمة العديد من الاتجاهات أكثر من ذي قبل، ما كثَّفَ بدوره الضغوط من أجل إذعانٍ تام للفلسطينيين. أول عناصر هذه المواءمة كان الزواج الشيطاني بين الإنجيليين الأمريكيين واليمين الصهيوني. ترامب وبنيامين نتنياهو يتشاركون سويًا حتى راعيًا سياسيًا واحدًا، وهو شيلدون أديسون (25)، إمبراطور كازينوهات القمار في الولايات المتحدة. ويدفع ترامب ومستشاروه الذين يديرون سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط (صهره جاريد كوشنر، والسفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هالي، ومحامه جيسون جرينبلات، الذي صار مستشار الرئيس في الشأن الإسرائيلي) باتجاه سياساتٍ تلقى استحسانًا لدى اليمين الإسرائيلي، بما يشمل تخفيضاتٍ في التمويل الأمريكي لمنظمة الأونروا، وهي الوكالة التابعة للأمم المتحدة التي تُوفِّر خدمات التعليم والرعاية الصحية لمئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين المُسجَّلين عبر المنطقة.

وهنا فإن مطالبات ترامب بأن تصبح لديه القدرة على تأمين “صفقة القرن” من أجل إنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لابد أن توضع في هذا السياق الأوسع. يمكن قراءة كلٍّ من نقل السفارة وتقليص تمويل الأونروا كخطوتين استباقيَّتَين للتعامل مع اثنتين من القضايا المثيرة للقلق المُتعلِّقة بـ”التسوية الدائمة”، التي تحاول الولايات المتحدة حلَّهما في صالح إسرائيل، بقبولٍ ضمني من المملكة السعودية والخليج: قضية السيادة في القدس، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين. وتتضمَّن آليات تحقيق ذلك في الأمد القصير تكتيكات العصا وتكتيكات الجزرة على حدٍّ سواء، ما يعني إطلاق الرصاص الحي على حشود المتظاهرين الفلسطينيين العُزَّل والضربات الصاروخية ضد أهدافٍ إيرانية مزعومة في سوريا من جانب، وشريحة مُحتَمَلة من الربح من إعادة إعمار غزة المُدمَّرة لأولئك المنتمين لفتح المستعدين لمجاراة الأمر من جانبٍ آخر. جاءت اجتماعات بروكسل هذا العام بمثابة نافذةٍ للطرق التي أصبحت بها مياه الشرب والكهرباء في غزة أوراقَ مساومةٍ في هذه العملية. طَرَحَ مُمَثِّلو إسرائيل خطةً تُقدَّر بمليار دولار لإعادة إعمار غزة، بما يتضمَّن محطاتٍ لتحلية المياه، وبنيةً تحتية جديدة للكهرباء، وخط أنابيب غاز، وتطويرًا للمنطقة الصناعية عند معبر بيت حانون (26). لكن الشرط المُسبَّق لإنهاء الحصار وبدء إعادة الإعمار هو إزاحة حماس من السلطة وإرساء سيطرة السلطة الفلسطينية من جديد على قطاع غزة، وهي العملية التي شهدت تسارعًا منذ أن أبرَزَ الحصار الذي تزعَّمَته السعودية على قطر (الذي بدأ في يونيو 2017) افتقار حماس للحلفاء على المستوى الإقليمي (27).

إيران: نهضة جديدة لقوةٍ إقليمية؟
لطالما كانت إيران طرفًا مهمًا في الاقتصاد السياسي للمنطقة. وكان اكتشاف النفط هناك في العام 1908 هو ما حفَّزَ السباق من أجل تقسيم احتياطات النفط بالشرق الأوسط بين القوى الاستعمارية الأوروبية، مع تصدُّر بريطانيا السعي للسيطرة على حقول النفط الإيرانية. غير أن الزراعة، على عكس الخليج، قد نهضت بدورٍ مصيري، من خلال إنتاج محاصيل للتصدير مثل القطن، في إدماج إيران في الاقتصاد الرأسمالي العالمي. وحين نضجت الرأسمالية على المستوى العالمي، برزت إيران باعتبار أنها تمتلك العناصر التي تؤهِّل اقتصادها للمرحلة التالية من التطوير. وبالقياس من حيث الناتج المحلي الإجمالي، ونصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي، كان من الصعب التنبؤ في العام 1970 إلى أين ستؤول إيران، وجارتها تركيا، أو كوريا الجنوبية -وهي الدولة ذات الحجم المشابه من للسُكَّان والتي كانت آنذاك في مرحلةٍ مشابهة من التطوُّر الاقتصادي- في التصنيف العالمي (انظر الشكل 3).

وفقًا لروايات صانعي السياسات الغربيين والأكاديميا السائدة، فإن الإطاحة بالملكية في ثورة 1979، والتحوُّل اللاحق إلى سياسات رأسمالية الدولة (في تحدٍ واضح للاتجاه العالمي نحو الليبرالية الجديدة) هو ما يُفسِّر السبب وراء فشل إيران في انتهاج نفس المسار الذي اتبعته كوريا (28). غير أن الكفاح من أجل البقاء، وليس القناعة الأيديولوجية، هو ما دفع قيادة الجمهورية الإيرانية في طريق تطوير رأسمالية دولة ذات سيادة مُطلَقة تقريبًا، بينما سعت الولايات المتحدة لقلب الهزيمة التي تلقَّتها على يدِ ثورةٍ شعبية عن طريق التدخُّل لدعم العراق ضد إيران في الحرب التي استمرت بينهما من 1980 حتى 1988 (29). وبالنظر عبر العدسات الأوَّلية نسبيًا لبيانات الناتج المحلي الإجمالي في الشكل 3، فإن اللحظة التي تحوَّلَ فيها مسار الاقتصاد الإيراني بصورةٍ واضحة كانت في العام 1986، والعام التالي هو الذي تجاوز فيه الناتج المحلي الإجمالي في كوريا ونصيب الفرد فيه نظيره في إيران لأول مرة.

شكل 3: الناتج المجلي الإجمالي لكوريا الجنوبية وتركيا وإيران (بالمليار دولار)
– المصدر: البنك الدولي

شكل 3

منذ منتصف الثمانينيات، شَهَدَ الاقتصاد الإيراني تعافيًا بطيئًا عبر مراحل مختلفة من سياسات الدولة التي وجَّهَتها البرجوازية الجديدة، والتي نمت بدورها في فترة السيادة المُطلَقة الحادة والمحمومة التي فرضتها الحرب مع العراق والعداء من جانب الولايات المتحدة. وكما ذَكَرَ أستاذ العلوم السياسية الإيراني بيمان جعفري، تظلُّ فترة ما بعد الثورة مهمةً بشكلٍ حاسم في تشكيل الرأسمالية الإيرانية اليوم (30). إن اقتصاد الحرب في ظلِّ رأسمالية الدولة لهذه الحقبة ولَّدَ ما يُعرَف بـ”البونياد”، وهي تلك المؤسسات الضخمة التابعة للدولة التي نظَّمَت توزيع الموارد والخدمات لفقراء الريف والحضر، فساعدت بذلك في بناء قاعدةٍ اجتماعية للنظام الجديد، بالإضافة إلى إسهامها في التعبئة الأيديولوجية اللازمة لجهود الحرب.

لم تُقلِّل الفترات اللاحقة للإصلاح النيوليبرالي من أهمية مؤسسات البونياد بالنسبة للاقتصاد أو للدولة، بل لقد دمجتهم في شكلٍ هجين من “الليبرالية الجديدة القائمة بالفعل” التي تجمع بين سماتِ كلٍّ من الليبرالية الجديدة ورأسمالية الدولة (31). يتسم المسار الأطول للتطوُّر الاقتصادي في إيران بالتناقضات الكامنة بين القوة الاقتصادية المُحتَمَلة والواقع الجيوسياسي لعزلة الطبقة الحاكمة الإيرانية وكونها عرضةً للخطر. وحدث مرارًا خلال الأربعة عقود الفائتة أن تفرض الصدمات الجيوسياسية، التي أعادت تشكيل الاقتصاد بشكلٍ مؤقت، نفسها في ذاكرة حُكَّام إيران. كان آخر هذه الصدمات هو الانقلاب السريع في النمو القوي لأوائل الألفية بعد فرضِ عقوبات 2011-2012، إذ هَبَطَ الناتج المحلي في تراجعٍ كبير بعد أن فقدت إيران أسواقها التصديرية في أوروبا.

إلا أن الطبقة الحاكمة الإيرانية قد استفادت بصورةٍ غير مقصودة من نجاح السياسات الأمريكية في العراق، ومن فشل هذه السياسات على حدٍّ سواء. فقد أزاحت الهزيمة العسكرية التي تكبَّدها صدَّام حسين في 1991، وما تلى ذلك من عقوباتٍ ثم إطاحة القوات الأمريكية نظامه في 2003، التهديد الذي كان مفروضًا على إيران من جارها العدائي. واستفاد النظام الإيراني أيضًا من العلاقات طويلة الأمد مع جماعات المعارضة الإسلامية الشيعية العراقية، مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، ما أدَّى في نهاية المطاف إلى هيمنة إيران على النظام السياسي الطائفي الذي أنشأته الولايات المتحدة. دشَّنَت هذه العوامل بدايةً لنمو للنفوذ الإيراني داخل العراق أواخر العقد الأول من الألفية (32). وكذلك فَتَحَت الهزائم الأمريكية في المعارك الباب أمام تمدُّد النفوذ الإيراني العسكري. كان من شأن الدفعة الكبيرة المُتبجِّحة للقوات الأمريكية بين عاميّ 2006 و2008، التي استعادت بها السيطرة على البلاد، أن مهَّدَت الأرض للخسارة الكارثية للموصل، والكثير من مناطق شمالي غرب العراق، لصالح داعش في العام 2014 (33). وقد شقَّ النفوذ العسكري الإيراني طريقه في العراق بشكلٍ كبير عبر تعزيز القوات الطائفية شبه العسكرية المختلفة والمرتبطة بالأحزاب السياسية الشيعية.

اتبعت الطبقة الحاكمة الأمريكية طرقًا متناوِبة في ما يخص العلاقة بإيران (وإن جاءت جميعها ضمن الإطار العام للعدائية والتشكُّك). كان الاتفاق الذي أبرمه باراك أوباما حول البرنامج النووي الإيراني في العام 2015 مبنيًا على افتراضِ أن الولايات المتحدة يمكنها خلق مساحة ضمنية مشتركة مع بعض العناصر داخل الطبقة الحاكمة الإيرانية، وتطرح عليهم في نهاية المطاف مسارًا يعود بهم إلى السوق العالمية بمباركةٍ من الولايات المتحدة (ووفق شروطها بالطبع). أما انسحاب ترامب المفاجئ من الاتفاقية، فهو مبنيٌّ على “الرهان الخطير” (كما جاء في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية) بأن الطبقة الحاكمة في إيران لن تكون لديها القوة الاقتصادية ولا الإرادة السياسية للمُضي قُدُمًا في تطوير أسلحة نووية (وإذا كان لديها ذلك، فحينها ستكون القدرات العسكرية للولايات المتحدة وحليفتيها الإقليميَّتَين، إسرائيل والمملكة السعودية، كافيةً لإبطال هذا التهديد) (34).

المعجزة الاقتصادية التركية ومأزقها الجيوسياسي
على مدار العقود الثلاثة الماضية، صَعَدَ الاقتصاد التركي ليصبح أكبر اقتصادٍ في المنطقة، مُتقدِّمًا دون صعوبة على المملكة السعودية منذ العام 2000، رغم اضطراره لاستيراد 90% من احتياجاته من النفط والغاز. وقد دُفِع النمو قُدُمًا بفعلِ التوسُّع في التصنيع، في حين ذهبت الاستفادة الأكبر إلى المنتجين الصناعيين الأصغر، بالأخص أولئك المتمركزين في المحافظات لا في قطاع الشركات الكبرى في أنقرة وإسطنبول. إن توسُّع رأس المال الصناعي الصغير والمتوسط في المحافظات يُعَد واحدًا من العوامل التي تُفسِّر قدرة حزب العدالة والتنمية الحاكم، بقيادة رجب طيب أردوغان، على الصمود في وجه الضغوط التي مارستها قطاعاتٌ من الدولة وشركاتٌ كبرى تعارض السياسات الإسلامية للحزب، وسعت باستمرار من أجل تحجيم أولئك الذين يحملون رؤيةً إسلامية للعالم من الوصول إلى مقاليد السلطة. ويُرجَّح أيضًا أن النجاح الانتخابي لحزب العدالة والتنمية خلال الألفينيات كان مرتبطًا بالنمو الاقتصادي القوي لتركيا على خلفية تراجع نسبة السُكَّان الذي يعيشون تحت خط الفقر القومي من 28,8% في 2003 إلى 1,6% في العام 2014 (35). تُخفي مثل هذه الإحصائيات لامساواةً اجتماعية ومشكلاتٍ مستمرة في انخفاض الإنتاجية في قطاعاتٍ “غير رسمية” من التصنيع. لكن فكرة أن حكومةً إسلامية حقَّقَت “رخاءً” لقطاعٍ واسعٍ نسبيًا من السُكَّان تساعد في توضيح عمق تناقض القاعدة الاجتماعية لحزب العدالة والتنمية التي دمجت سويًا الطبقة العاملة والسُكَّان الفقراء مع قطاعٍ أكثر ثباتًا وثراءً من رأس المال التركي المُنظَّم في جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين.

يظلُّ مصير “المعجزة الاقتصادية” التركية خلال العقد ونصف العقد الماضي مرتبطًا ارتباطًا لا ينفصم عن ديناميات المنافسة الجيوسياسية. إن موقع تركيا كبوابةٍ للعالم إلى نفط شمالي العراق يعني أن الطبقة الحاكمة في هذا البلد لديها الكثير مِمَّا قد يكون عرضةً للخطر في مسألة من يحكم كركوك والموصل (وهاتان المدينتان صارتا أسواق تصدير مهمة للسلع التركية). تتصل الحدود التركية الشرقية أيضًا مع إيران، التي تفوَّقَت خلال العام الماضي على العراق كونها مُصدِّر النفط الخام الأكبر لتركيا (36).

لطالما كان القمع الذي يتعرَّض له السُكَّان الأكراد على الجانب التركي من الحدود عاملًا يُعقِّد علاقات تركيا مع العراق. خلال الألفينيات، اتبعت الطبقة الحاكمة التركية عملية سلامٍ طويلة الأمد مُصمَّمة من أجل إنهاء التمرُّد الذي يقوده حزب العمال الكردستاني داخل تركيا، بينما في الوقت نفسه تُقوِّض قدرة الحزب على استخدام البلدان المجاورة كظهيرٍ عسكري أو كمصدرٍ للدعم الديبلوماسي والسياسي. كان هذا سببًا وراء العلاقة القوية التي تربط الحكومة التركية بنظام بشار الأسد في سوريا (السبب الآخر هو فتح الأسواق السورية أمام الصادرات التركية)، وكذلك العلاقات الودية المُفاجِئة بين تركيا والحكومة الإقليمية الكردية في أربيل (يقودها الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو ليس صديقًا لحزب العمال الكردستاني).

أدَّى تفكُّك سوريا في صراعٍ مُتعدِّد الأطراف اندلع في أعقابِ الهجوم العسكري لنظام الأسد ضد الانتفاضة الشعبية السورية في 2011، بالأساس إلى تغييرٍ في المشهد الجيوسياسي للحدود الجنوبية والشرقية لتركيا. فقد جَعَلَ تركيا تستضيف 56% من اللاجئين السوريين الذين فروا من بلدهم، وتحوَّلَ نظام الأسد من صديقٍ إلى خصمٍ تقريبًا بين ليلةٍ وضحاها، وظَهَرَ كيانٌ كردي في إقليم روج آفا بين تركيا وسوريا، وبدأت القوات العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي السوري (المتحالف مع حزب العمال الكردستاني، على عكس الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق) في الاضطلاع بدورٍ حاسمٍ كقواتٍ برية تعمل لصالح الولايات المتحدة في جهودها من أجل تدمير تنظيم داعش. وهذه التطوُّرات تكمن وراء تخلي الحكومة التركية المُفاجئ عن عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني ومواصلتها الحرب في المحافظات الشرقية. فقد غزت القوات التركية مؤخرًا مدينة عفرين في شمالي سوريا، ما دَفَعَ آلاف السُكَّان الأكراد للفرار إلى المنفى، وذلك في محاولةٍ لمنع المنطقة من الترابط مع مناطق أخرى تُشكِّل سويًا إقليم روج آفا (37).

سوريا: من الحرب الأهلية إلى الحرب الإقليمية؟
إن الساحة التي تتقاطع فيها ديناميات التنافس بين القوى الإقليمية والعالمية حاليًا بالصورةِ الأكثر ترويعًا هي سوريا. تنشط حاليًا القوى العسكرية المتنافسة من كلِّ “مستوى” في النظام العالمي في صراعاتٍ مُتعدِّدةٍ هناك. إذ أُفيدَ بأن الولايات المتحدة، التي تنشر قواتٍ برية قوامها ألفيّ جندي في سوريا منذ العام 2015، تُخطِّط لتأسيسِ تواجدٍ عسكري “مفتوح الأمد” في البلاد (38). وتقصف البوارج البحرية والقوات الجوية الفرنسية والبريطانية والأمريكية أهدافًا في سوريا على فتراتٍ مُتقطِّعة، بينما يُتَّفَق بشكلٍ عام على أن القوات الجوية الروسية قد حوَّلَت التوازن العسكري في الحرب لصالح نظام الأسد. وأسَّسَت روسيا قاعدةً جديدة في مطار حميميم جنوبي شرق محافظة اللاذقية، وجدَّدَت اتفاقاتٍ طويلة الأمد حول استخدام منشآتها البحرية المتواجدة بالفعل طرطوس (39). تنشط القوى الإقليمية أيضًا في صراعاتٍ عسكرية عديدة في سوريا، إذ تدعم إيران الأسد وتُرسِّخ تواجدها العسكري المباشر ودعمها لحليفها حزب الله في لبنان. وبعد غزو عفرين، ردَّت الحكومة التركية بغضبٍ على إعلان الولايات المتحدة، حليفة تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بشأن خططها لتدريب “قوات حدودية” ترتكز عليها قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد (40). وأخيرًا، هناك أطرافٌ عسكرية متنافسة ومُتعدِّدة على المستوى المحلي، يمكن تصنيفها على أنها “كردية” أو “جهادية سُنيَّة” أو “مؤيدة للحكومة” (بما يشمل وحداتِ جيشٍ نظامية ومنظماتٍ شبه عسكرية)، في محاولةٍ لفهم الطيف الواسع من التحالفات المُتبدِّلة والجبهات المُتغيِّرة باستمرار.

هناك العديد من الأسباب وراء تصعيد الحرب التي شنَّها الأسد منذ البداية على الانتفاضة الشعبية في 2011 إلى صراعٍ لم يُمزِّق سوريا فقط، بل أيضًا أطلق موجاتٍ صادمة عبر الأنظمة الإمبريالية الإقليمية والعالمية. لا يتسع المجال هنا لبحث هذه الديناميات، لكننا نستطيع على الأقل أن نرسم ثلاثة موضوعات تبرز في هذه العمليات المتشابكة. أحد هذه الموضوعات هو تأثير الكارثة التي لحقت بالعراق المجاور لسوريا. وهناك طرقٌ عديدة أثَّرت بها الحلقات المتتابعة من الحرب والحصار والغزو والاحتلال والتمرُّد والصراع الطائفي في العراق على سوريا، بما في ذلك تفتيت سلطة الدولة على الحدود المشتركة بين البلدين، وحركة التدفُّقات الهائلة للاجئين من العراق إلى سوريا، وتدخُّل المنظَّمات العراقية شبه العسكرية في الصراعات في سوريا (بما يشمل ليس فقط الجماعات السُنيَّة مثل داعش، بل أيضًا الميليشيات الشيعية الطائفية التي حشدها نظام الأسد لصالحه). وأدَّى انهيار سلطة الحكومة العراقية في المناطق ذات الأغلبية الكردية في الشمال إلى ظهور دويلة كردية مستقلة بحكم الأمر الواقع، الأمر الذي أسرع في الدفع نحو تأسيس حكم ذاتي إقليمي في المناطق الكردية في سوريا.

ومع ذلك، كانت هناك تأثيراتٌ مُتبادَلة بين هذه العوامل وإستراتيجية الثورة المضادة التي ينتهجها نظام الأسد. وكما جرى الجدال بصورةٍ أكثر تفصيلًا من قبل، وقعت عواقب عميقة جراء قرار الأسد بمعاملة المناطق التي تمرَّدت ضده في 2011 كـ”مناطق معادية”، مُخضِعًا إياها لحصارٍ وقصفٍ جوي (41). كانت إستراتيجية النظام للبقاء تستند أيضًا إلى قدرته على تسليح الطائفية، طارحًا نفسه باعتباره حامي الأقليات ضد الجهادية السُنيَّة، بينما يحشد حلفاءه على أسسٍ طائفية ويُنفِّذ –أو يسمح بوقوع- فظائع طائفية محسوبة من أجل كسر الوحدة العابرة للطوائف والتي برزت في الأيام الأولى من الانتفاضة. وبسبب أن الانتقال من الانتفاضة إلى التمرُّد المُسلَّح، نهايةً بالحرب الأهلية، كان سلسًا على ما يبدو، غالبًا ما يُنسى أن الهيمنة العسكرية للقوات الجهادية السُنيَّة في المعسكر المناهض للحكومة كانت متوقفةً على هزيمة حركة الاحتجاجات الشعبية التي اشتعلت على مدار العام 2011. لم يأت صعود داعش واستيلاؤها على الرقة والموصل إلا في ما بعد، وبلغ ذروته في عاميّ 2014 و2015. وكان من شأنِ عجز قيادات داعش على الحفاظ على مكاسبهم العسكرية –جزئيًا بسبب أن جمودهم الأيديولوجي وَقَفَ عقبةً في طريق أكثر الجوانب واقعية في بناء الدولة- أن فَتَحَ البابَ أمام مرحلةٍ جديدةٍ في حلقة الحرب التي على ما يبدو لا نهاية لها (رغم أن من السابق لأوانه أن نشطب داعش كليةً كقوةٍ عسكرية كما حذَّرَ الكاتب الصحفي الأيرلندي باتريك كوكبيرن) (42). والأكثر من ذلك أنه بينما تتواصل السيطرة البطيئة، لكن الوحشية، لنظام الأسد على المناطق الكبرى المتبقية تحت سيطرة المعارضة، يصبح من الأوضح تحديد هوية المنتصرين والمهزومين على المستوى الإقليمي.

خلف ضباب الادعاءات والادعاءات المضادة، من الواضح أن النفوذ الإيراني قد توسَّع بصورةٍ كبيرة عسكريًا وسياسيًا في العراق وسوريا. وقد اضطلع حزب الله، المتحالف مع إيران، بدورٍ عسكري كبير في دعم هجوم الأسد على قوات المعارضة، وأخذت الجماعات العراقية الشيعية شبه العسكرية، المدعومة من إيران، تتحرَّك نيابةً عن نظام الأسد. ويُقال إن النفوذ الإيراني يترسَّخ بعمقٍ في الدولة السورية، عبر الأدوار التي يقوم بها المستشارون الذين أنشأوا قواتٍ شبه عسكرية قوية داعمة للحكومة (43). ويأمل ذلك القطاع من رأس المال الإيراني المرتبط بصورةٍ أوثق بمؤسسات الدولة، مثل الحرس الثوري، الذين يقودون سياسة التدخُّل في العراق وسوريا، أيضًا في الانتفاع من إعادة الإعمار في ما بعد الحرب (44).

تُعد احتمالية أن تؤدي نتيجة الحرب الأهلية السورية إلى توطيد وضع إيران في النظام الإمبريالي الإقليمي في المنطقة عاملًا كبيرًا وراء انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية. وقد مزج الهجوم العسكري والديبلوماسي المُنسَّق سويًا من جانب إسرائيل بين الضربات الصاروخية المُتكرِّرة على “قواعد إيرانية” مزعومة داخل سوريا، وتصعيد الدعاية الرسمية التي تُسلِّط الضوءَ على تطلُّعات النظام الإيراني لإرساءِ هيمنةٍ إقليمية ورعايته “الإرهاب”. وتصدَّرَ نتنياهو توجيه إصبع الاتهام صوب إيران، إذ عَقَدَ مؤتمرًا صحفيًا كَشَفَ فيه معلوماتٍ “سرية” حول انتهاكٍ إيراني مزعوم لشروط الاتفاق النووي، ضاغطًا بقوةٍ على ترامب من أجل الانسحاب من الاتفاق (45). أما وليّ العهد، الأمير محمد بن سلمان، فقد انضمَّ إلى جوقة الهجوم على إيران، مُندِّدًا بالجمهورية الإسلامية وفق نفس المنوال.

غير أن من المهم ألا نبالغ في تقدير الدور الإيراني. فقد كان تدخُّل فلاديمير بوتين هو ما غيَّرَ المسار العسكري للحرب، إذ اندفعت روسيا بمنطق التنافس الإمبريالي مع الولايات المتحدة، من أجل الدفاع عن حليفها الموجود بالفعل (نظام الأسد)، وكذلك من أجل أن تنتهز فرصة أن تفتح أرضًا جديدة للتدخُّل الروسي عسكريًا وديبلوماسيًا. علاوة على ذلك، سيكون من الخطأ الافتراض أن الضغوط الواقعة على روسيا وإيران في ما يتعلَّق بسوريا متماثلة، رغم التزامهما المُشتَرَك بضمان بقاء نظام الأسد. فالهجمات الصاروخية الإسرائيلية الأخيرة ربما كانت محاولةً لبعث إشارة بأنه في مقابل تقييد وتنظيم الوجود الإيراني في سوريا، ستنعم روسيا بفرصة تحقيق استقرارٍ لـ”إنجازاتها”، التي قد تصبح عُرضةً للخطر حال اندلاعِ حربٍ إقليمية تتضمَّن إسرائيل وإيران (46).

وبالطبع لابد من وضع الانبعاث الجديد لحظوظ إيران الجيوسياسية –بفضل الحسابات الخاطئة الكارثية للولايات المتحدة- في السياق الأوسع للنظام الإمبريالي الإقليمي، الذي تصطف فيه إسرائيل والمملكة السعودية إلى جانبِ بعضهما بشكلٍ أوثق كثيرًا مِمَّا كان في الماضي. وما لا يقل أهميةً عن ذلك هو أن نضع في الاعتبار الطرق التي تتأثَّر خلالها ديناميات التنافس الإمبريالي الإقليمي بالتنافس بين القوى الإمبريالية الكبرى. وكما بحثنا هنا في هذه المقالة، فإن الأدوار الإمبريالية الإقليمية لكلٍّ من إسرائيل والسعودية مشروطةٌ بمواصلة الدعم العسكري والاقتصادي من جانبِ الولايات المتحدة، حتى وإن اختلف طابع العلاقات بينهم. تظلُّ المقاتلات الجوية وحاملات الطائرات الأمريكية هي الضمان النهائي لبقاء آل سعود في 2018، تمامًا كما كانت من قبلِ في 1990. لكن المغامراتية العسكرية لمحمد بن سلمان في اليمن، جنبًا إلى جنبٍ مع الدور القيادي للطبقة الحاكمة السعودية في الثورة المضادة في مصر، يطرحان أن حُكَّام المملكة لم يعودوا ببساطة يقبلون بتركِ القرار العسكري لآخرين، بل لقد صاروا أكثر استعدادًا بصورةٍ متزايدةٍ لخوض الصراعات العسكرية.

وهكذا فإن التراجع النسبي لنفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، الذي تلى المعاناة الطويلة في العراق، لم يؤدِ من تلقاء نفسه إلى إبطاء التنافس الإمبريالي، بل على العكس؛ فقد تمدَّدَت تطلُّعات القوى الإقليمية (إيران والسعودية وإسرائيل وتركيا) والقوى الكبرى المُنافِسة للولايات المتحدة (روسيا) لتملأ الفراغ. يُعَد الأمر إذن بمثابةِ تذكيرٍ –إن كانت هناك حاجةٌ لتذكيرٍ من الأصل- بأن الإمبريالية ليست مرتبطةً بأيِّ دولةٍ أو مجموعةٍ مُعيَّنةٍ من الدول، بل أنها مُتجذِّرةٌ في عملية تراكم رأس المال، ولن تُمحى في نهاية المطاف إلا بالقضاء على الرأسمالية نفسها.

في مواجهة الدمار الاجتماعي بالنطاق المشهود في سوريا والعراق، أو الحرب المُروِّعة التي تلوح في الأفق بين الدول المُسلَّحة نوويًا، يبدو الأمر كما لو أن مقاليد التاريخ الآن واقعةٌ بين أيدي الأطراف ذات القوة والنفوذ. لكن موجات الإضرابات الأخيرة في إيران، والتحرُّكات الشعبية العابرة للانقسامات الطائفية في العراق ضد الفساد، والمظاهرات الهائلة ضد إجراءات التقشُّف المدعومة من صندوق النقد الدولي في الأردن، تُذكِّرنا أن المقاومة الشعبية لا تزال قائمةً. ومن ناحيةٍ أخرى، نرى في الحملات الأمنية في مصر للهجوم على أيِّ إشارةٍ للمقاومة الاجتماعية صدىً لإمكانياتٍ حقيقية على هذا المستوى. فموجة الاعتقالات بتهمة الاحتجاج ضد ارتفاع أسعار تذاكر المترو، والحملة الواسعة من التدخُّل في الانتخابات النقابية تشير إلى ذلك. وينبغي أن يُذكِّرنا ذلك أيضًا بأن حُكَّام الشرق الأوسط يتجاهلون القضايا الطبقية التي ستدفع إلى هلاكهم. لا تزال مسألة كيفية الدمج بين مناهضة الإمبريالية ومقاومة الرأسمالية، من داخل الشرق الأوسط ومن أسفله، قضيةً حاسمةً بالنسبة للاشتراكيين الثوريين، رغم الهزائم والتراجعات منذ 2011.

هوامش:
1) Callinicos, 2018, p9.
أتوجه بالشكر إلى أليكس كالينيكوس، وجاد بوهارون، وفيليب مارفليت، وجون روز لتعليقهم على مسودة هذه المقالة.
2) Margulies, 2018.
3) Sanchez, 2018a.
4) Smith, 2018.
5) لمزيدٍ من الاطلاع حول العلاقة بين الدول ورؤوس الأموال، انظر:
Harman, 1991.
وحول الإمبريالية، انظر:
Bukharin, 1967, Callinicos, Rees, Haynes and Harman, 1994 and Callinicos, 2009.
6) Callinicos, 2009, p185.
7) بينما لا يتوفَّر المجال هنا لفحص هذه المسائل بالتفصيل، تُعد جدالات اليسار حول كيفية فهم الإمبريالية في الشرق الأوسط خلال الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينيات نقطةً مرجعيةً مهمة للنقاشات حول الإمبريالية الإقليمية في المنطقة اليوم.
8) Callinicos, 2009, p166.
9) Callinicos, 2009.
10) يُركِّز التحليل المبنية عليه هذه المقالة على ديناميات الإمبريالية في دول الخليج والشام ومصر، التي يتحدَّث أغلب سُكَّانها اللغة العربية (مع الوضع في الاعتبار أن بعض دول الشام تتضمَّن أقليات مهمة تتحدَّث الكردية)، بالإضافة إلى إيران وتركيا وإسرائيل. محدودية المجال حجَّمَت مناقشة منطقة المغرب العربي.
11) Callinicos, 2018.
12) Alexander and Assaf, 2005a and 2005b.
Herring and Rangwala, 2006.
13) Hanieh, 2011.
14) هذا لا يعني أن محاولات المملكة السعودية لتوكيد قيادتها لباقي دول الخليج كانت تلقى نجاحًا طيلة الوقت. والحصار الذي فُرِضَ على قطر منذ يونيو 2017 لهو مثالٌ على ذلك. فبدلًا من إخضاع قطر، بعد عامٍ من قطع العلاقات الاقتصادية والديبلوماسية، يبدو أن الطبقة الحاكمة القطرية قد عمِّقَت علاقاتها الإستراتيجية مع الصين وإيران حتى لا تنهار تحت ضغوط جيرانها الأكبر. انظر على سبيل المثال حول علاقتها بالصين:
Chowdhury, 2018
15) Hanieh, 2011.
16) Hanieh, 2011, p47.
17) Smith, 1991.
18) Stancati and Malsin, 2018.
19) Carey, 2018.
20) Al-Baqmi, 2018.
21) Thomas, 2017.
22) Economist, 2017.
23) Thomas, 2017.
24) Population and Immigration Authority, 2016, p11.
25) Clifton, 2017.
26) Landau, 2018; Chair of the Ad Hoc Liaison Committee, 2018.
27) Williams, 2018.
28) Maloney, 2015.
29) Callinicos, 1988.
30) Jafari, 2009.
31) Jafari, 2009; Afary, 2017.
32) Nader, 2015.
33) Alexander, 2016.
34) Sanger and Kirkpatrick, 2018.
35) OECD, 2016, p18.
36) Tiryakioglu, 2018.
37) Margulies, 2018.
38) BBC News, 2018.
39) Tass, 2017.
40) BBC News, 2018.
41) Alexander and Bouharoun, 2016.
42) Cockburn, 2018.
43) Sinjab, 2017.
44) Blanche, 2017.
45) Sanger and Kirkpatrick, 2018.
46) Sanchez, 2018b.

مراجع:

Afary, Frieda, 2017, “The Particular Features of the Islamic Republic’s Capitalism and the Need for a Humanist Alternative to Capitalism/Militarism”, Alliance of Middle Eastern Socialists (28 June), https://tinyurl.com/ya9yw4ah

 

Al-Baqmi, Shuja, 2018, “IMF Expects Saudi Growth, Lauds Reforms”, Asharq al-Awsat (24 May), https://aawsat.com/english/home/article/1278521/imf-expects-saudi-economic-growth-lauds-reforms

 

Alexander, Anne, 2016, “ISIS, Imperialism and the War in Syria”, International Socialism 149(winter), http://isj.org.uk/isis-imperialism-and-the-war-in-syria/

 

Alexander, Anne, and Simon Assaf, 2005a, “Iraq: Rise of the Resistance”, International Socialism 105 (winter), http://isj.org.uk/iraq-the-rise-of-the-resistance/

 

Alexander, Anne, and Simon Assaf, 2005b, “Elections and the Resistance in Iraq”, International Socialism 106 (spring), http://isj.org.uk/the-elections-and-the-resistance-in-iraq/

 

Alexander, Anne, and Jad Bouharoun, 2016, Syria: Revolution, Counter-revolution and War(Socialist Workers Party).

 

BBC News, 2018, “US Plans Open-ended Military Presence in Syria” (18 January), www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-42731222

 

Blanche, Ed, 2017, “In Syria, IRGC Banks on Reconstruction Boom”, Arab Weekly (19 March), https://thearabweekly.com/syria-irgc-banks-reconstruction-boom

 

Bukharin, Nikolai, 1967 [1917], Imperialism and World Economy (H Fertig).

 

Callinicos, Alex, 1988, “An Imperialist Peace?”, Socialist Worker Review, issue 112, www.marxisme.dk/arkiv/callinic/1988/09/iraniraq.htm

 

Callinicos, Alex, 2009, Imperialism and Global Political Economy (Polity Press).

 

Callinicos, Alex, 2018, “Trump gets Serious”, International Socialism 158 (spring), http://isj.org.uk/trump-gets-serious/

 

Callinicos, Alex, John Rees, Mike Haynes and Chris Harman, 1994, Marxism and the New Imperialism (Bookmarks).

 

Carey, Glen, 2018, “Saudi Prince’s Big Military Revamp Means Billions to Business”, Bloomberg(1 March), www.bloomberg.com/news/articles/2018-03-01/saudi-military-gets-the-mbs-treatment

 

Chair of the Ad Hoc Liaison Committee, 2018, “Meeting of the Ad Hoc Liaison Committee—Chair’s Summary”, Norwegian Foreign Ministry (20 March), www.regjeringen.no/contentassets/da90bc8f385a4394b368a181085dfa06/summary_ahlc1803_ny.pdf

 

Chowdhury, Debasish Roy, 2018, “China a Pillar of Strength in Qatar’s Fightback Against Arab Blockade”, South China Morning Post (9 June), www.scmp.com/week-asia/geopolitics/article/2149915/china-pillar-strength-qatars-fightback-against-arab-blockade

 

Clifton, Eli, 2017, “Is Sheldon Adelson Behind Trump’s Decision on Jerusalem?” +972mag (5 December), https://972mag.com/is-sheldon-adelson-behind-trumps-decision-on-jerusalem/131218/

 

Cockburn, Patrick, 2018, “Inside Syria: With its Enemies Diverted or Fighting Each Other, Isis is Making a Swift and Deadly Comeback”, Independent (4 March), https://tinyurl.com/ya4bpsw9

 

Economist, 2017, “Israel’s Economy is a Study in Contrasts” (18 May), www.economist.com/special-report/2017/05/18/israels-economy-is-a-study-in-contrasts

 

Hanieh, Adam, 2011, Capitalism and Class in the Gulf Arab States (Palgrave Macmillan).

 

Harman, Chris, 1991, “The State and Capitalism Today”, International Socialism 51 (summer), www.marxists.org/archive/harman/1991/xx/statcap.htm

 

Herring, Eric, and Glen Rangwala, 2006, Iraq in Fragments: The Occupation and its Legacy (Hurst).

 

Jafari, Peyman, 2009, “Rupture and Revolt in Iran”, International Socialism 124 (autumn), http://isj.org.uk/rupture-and-revolt-in-iran/

 

Landau, Noa, 2018, Israel Presents $1 Billion Rehabilitation Plan for Gaza, but Demands Palestinian Authority Take Over, Haaretz (1 February), www.haaretz.com/israel-news/.premium-israel-offers-1-billion-rehab-plan-for-gaza-at-emergency-confab-1.5784390

 

Maloney, Suzanne, 2015, Iran’s Political Economy Since the Revolution (Cambridge University Press).

 

Margulies, Ron, 2018, “Why Turkish Troops are in Syria”, International Socialism 158 (spring), http://isj.org.uk/why-turkish-troops-are-in-syria/

 

Nader, Alireza, 2015, “Iran’s Role in Iraq: Room for Cooperation?”, RAND Corporation, www.rand.org/pubs/perspectives/PE151.html

 

OECD, 2016, “Turkey”, OECD Economic Surveys (July), https://read.oecd-ilibrary.org/economics/oecd-economic-surveys-turkey-2016_eco_surveys-tur-2016-en#page1

 

Population and Immigration Authority, 2016, “Labour Migration to Israel”, www.gov.il/BlobFolder/reports/foreign_workers_in_israel_2016_report/he/foreign_workers_israel_review_0916.pdf

 

Sanchez, Raf, 2018a, “Israel Strikes Back Against Syrian Targets and Threatens ‘Storm’ on Iran after Golan Heights Attack”, Telegraph (11 May), www.telegraph.co.uk/news/2018/05/10/israel-fires-barrage-missiles-syria-accusing-iranian-forces/

 

Sanchez, Raf, 2018b, “Israel Sees an Opportunity to Drive Iran out of Syria as Russia Looks to its Own Interests”, Telegraph (29 May), www.telegraph.co.uk/news/2018/05/28/israel-sees-opportunity-drive-wedge-iran-russia-syria/

 

Sanger, David and David Kirkpatrick, 2018, “Behind Trump’s Termination of Iran Deal is a Risky Bet”, New York Times (8 May), www.nytimes.com/2018/05/08/us/politics/trump-iran-nuclear-deal-news-analysis-.html

 

Sharp, Jeremy, 2018, “US Foreign Aid to Israel”, Congressional Research Service Briefing (10 April), https://fas.org/sgp/crs/mideast/RL33222.pdf

 

Sinjab, Lina, 2017, “Iran is Building a New Source of Shia Influence Inside Syria”, Chatham House (November), https://tinyurl.com/yag59bez

 

Smith, David, 1991 “The Postwar Gulf: Return to Twin Pillars?”, Defense Technical Information Centre, www.dtic.mil/dtic/tr/fulltext/u2/a528003.pdf

 

Smith, David, 2018, “Pastors at Embassy Opening Highlight Evangelicals’ Deal with The Donald”, Guardian (15 May), https://tinyurl.com/y8g8ruh9

 

Stancati, Margherita, and Jared Malsin, 2018, “Saudi Crown Prince Turns from Turmoil at Home to Diplomacy Abroad”, Wall Street Journal (4 March), www.wsj.com/articles/saudi-crown-prince-turns-from-turmoil-at-home-to-diplomacy-abroad-1520179615

 

Tass, 2017, “Moscow Cements Deal with Damascus to keep 49-year Presence at Syrian Naval and Air Bases”, Tass (20 January), http://tass.com/defense/926348

 

Thomas, Clayton 2017, “Arms Sales in the Middle East”, Congressional Research Service (11 October), https://fas.org/sgp/crs/mideast/R44984.pdf

 

Tiryakioglu, Muhsin, 2018, “Iran Keeps Top Position as Crude Oil Exporter to Turkey”, Anadolu (30 May), www.aa.com.tr/en/economy/iran-keeps-top-position-as-crude-oil-exporter-to-turkey/1160729

 

Williams, Dan, 2018, “Qatar says Gaza aid Spares Israel War, shows Doha does not back Hamas”, Reuters (22 February), www.reuters.com/article/us-qatar-israel-diplomacy/qatar-says-gaza-aid-spares-israel-war-shows-doha-does-not-back-hamas-idUSKCN1G62JR