بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هل الرأسمالية تشجِّع على الإبداع؟

هناك العديد من الافتراضات الشائعة حول مسألة الإبداع الفردي في ظلِّ الرأسمالية، سواء كان إبداعًا فنيًا أو أدبيًا، أو ابتكارًا هندسيًا، أو تطويرًا في الإنتاج، أو أيًّا ما كان. سنُفنِّد في هذا المقال عددًا من هذه الافتراضات لنرى من خلالها علاقة الرأسمالية بالإبداع ووجهة النظر الاشتراكية إزاء ذلك. من يُعزِّز الإبداع لدى البشر ومن يخنقه؟

المنافسة والإبداع
يزعم الافتراض الأول أن الإبداع ليس صفةً إنسانية، بل أن الرأسمالية المعاصرة هي التي تجعل الناس –أو المُتميِّزين منهم على الأقل بحسب داعمي هذا الافتراض- يكتسبون مهاراتٍ إبداعية ويُطوِّرونها.

“الحاجة أم الاختراع” كما يقولون، لكن الحاجة الوحيدة التي تعترف بها الرأسمالية هي الحاجة إلى زيادة الأرباح التي يجنيها أصحاب رأس المال في السوق. تقوم الرأسمالية على المنافسة، حيث يسابق الرأسماليون بعضهم على الحصول على حصصٍ أكبر من السوق في هذا المنتج أو ذاك، ومن أجل ذلك لابد من المزيد من الأرباح التي تُستَخدَم في ما بعد في المزيد من الإنتاج الذي يُضَخُّ في السوق، وهكذا.

هذا هو المعيار الأساسي للرأسماليين في تحديد ما إذا كان الإبداع والابتكار في هذا المجال أو ذاك مفيدًا أم لا. هل سيؤدي هذا الابتكار أو الإبداع إلى تطوير الإنتاجية في الشركة أو المصنع الذي أملكه كرأسمالي أم لا؟ هل من شأن هذه الفكرة الإبداعية الجديدة أو تلك أن تُعزِّز من وضعي التنافسي في السوق أم لا؟ ينطبق هذا تقريبًا على كلِّ الصناعات والقطاعات الخدمية في العالم بأسره.

هذا هو المنظور الوحيد للإبداع والابتكار في ظلِّ الرأسمالية، وهذه حقيقة لا يُقرَّها الاشتراكيون فحسب، بل حتى أشد مناصري الرأسمالية الذي يرون أن التنافس المستمر هو السبيل لتقدُّم البشرية. الأزمة في ذلك أن النظر إلى الإبداع البشري من خلال عدسات المنافسة وزيادة الأرباح يُقيِّد هذا الإبداع نفسه ويحجزه في خانةٍ محدودة للغاية بالنسبة للقدرات الفائقة للبشر جميعًا. ما الذي إذن يمكن أن يقنِع شركات الدواء الكبرى في العالم للاستثمار في اختراعاتٍ دوائية جديدة لمعالجة مرضٍ شائع لدى ملايين من البشر ما لم يجد هذا الاستثمار مستهلِكًا قادرًا على الدفع لكي يتحقَّق الربح؟

لقد حقَّقَت الرأسمالية في قرونٍ معدودة من التطوُّر ما لم تشهده البشرية في عشرات الآلاف من السنين. اليوم نقود السيارات ونستقل الطائرات ونستخدم الهواتف المحمولة والإنترنت، وكلُّ هذه أشياءٌ لم يكن من الممكن تصوُّرها حتى قبل مائة عام فقط. لكن التنافس المحموم الذي يقوم عليه النظام الرأسمالي يسقط منه الملايين دون سدِّ حتى احتياجاتهم الأساسية، بل أن الرأسمالية هي في الوقت نفسه، ومنذ أمدٍ طويل، عبءٌ على توجيه القدرات الإبداعية لإثراء البشرية ككل، وليس فقط أولئك القادرين على الدفع والاستهلاك. هناك على سبيل المثال تطوُّراتٌ إبداعيةٌ هائلة نشهدها في مجال الهواتف المحمولة والإلكترونيات عبر العالم، لأنها تُحقِّق أرباحًا طائلة (الأرباح التشغيلية لشركة سامسونج وحدها بلغت 52.7 مليار دولار عام 2018)، لكننا لم نر الرأسمالية تطلِق ولو جزءًا ضئيلًا من هذا الإبداع مثلًا لعلاج أمراضٍ شائعة في العالم يعود بعضها إلى القرون الوسطى (حالات الوفاة من الكوليرا مثلًا تصل إلى 143 ألف حالة سنويًا في العالم)، لأن المصابين بمثل هذه الأمراض –وأغلبيتهم الساحقة من الفقراء- لا يُشكِّلون سوقًا مُربِحة.

لأن الرأسمالية مبنية على التنافس ومراكمة الثروات، فالابتكار والإبداع هنا تستخدمه الرأسمالية فقط لزيادة الأرباح، وليس لتلبية احتياجات البشر. لكن الأمر المهم أيضًا هنا أن هذا يخنق الإبداع نفسه ويُهمِل كلَّ أشكال الإبداع الأخرى التي لا تخدم الأرباح، والتي يمكن أن تدفع مستقبل البشرية جمعاء قفزاتٍ إلى الأمام.

الرأسمالية تكافئ المبدعين؟
أمرٌ آخر يقوله أصحاب الافتراض السابق هو أن الفضل في الفكرة الإبداعية يرجع إلى صاحبها –فقط صاحبها- وعليه لابد أن يُكافَأ على مجهوده الإبداعي في المجال الذي يختص فيه بأن يحصل على الأرباح من فائض عمل العمال لديه. يرسم هذا الافتراض صورةً غريبة توحي وكأن الفكرة الإبداعية تولَّدَت عند صاحبها بالوحي من الفضاء الخارجي، وليس باعتبار أن كلَّ إبداعٍ وكلَّ فكرةٍ وكلَّ شخصٍ هم نتاج المجتمع الذي نشأوا فيه.

لا شكَّ أن صاحب هذا الإبداع أو ذاك لابد أن يُكافَأ على إبداعه. لكن الإبداع ليس مسألةً فرديةً صرفة كما تتعامل معها الرأسمالية، بل أنها تجري في خضم عمليةٍ اجتماعيةٍ شاملة. صاحب هذه الإبداع أو ذاك قد تعلَّم على يدِّ مُدرِّسين في المدارس، وعولِجَ على يدِّ أطباء في المستشفيات، علاوة على أن مأكله وملبسه ومسكنه، وحتى وسائل ترفيهه، هي نفسها نتاج عمل أعداد لا حصر لها من العمال والموظفين في مُختَلَف قطاعات الاقتصاد. لابد أن يكون لهؤلاء أيضًا نصيبٌ من المكافأة على الفكرة الإبداعية، أي أن يكون للإبداع والأفكار الخلَّاقة أثرٌ على إثراء المجتمع ككل.

لكن، هل الرأسمالية تكافئ المبدعين فعلًا على إبداعهم؟

إحدى النقاط المثيرة للاستغراب في الحجج التي تدافع عن تشجيع الرأسمالية للإبداع هي أن كلَّ شيءٍ يُعزَى إلى صاحب الفكرة، الذي هو نفسه صاحب الشركة أو المؤسسة أو مجموعة الشركات، وكأنه يقوم بكافة العمل الذهني -ناهيكم عن العمل البدني- بنفسه، أو وكأن ما مِن مجلس إدارةٍ وأقسامٍ ومُصمِّمين ومُوظَّفين وعمالٍ يقومون بالعمل وبالإبداع هم أيضًا في تصميم المنتج وإنتاجه وتسويقه وما إلى ذلك. لماذا على سبيل المثال لا يُكافَأ المُهندسون والتقنيون الذين يُصمِّمون هاتفًا محمولًا في شركة سامسونج التي أشرنا إليها من قبل، مثلما يُكافَأ مجلس إدراتها بأرباحٍ تبلغ عشرات المليارات؟ هذا إبداع أيضًا، أليس كذلك؟

لنفترض أن رأسماليًا صغيرًا لديه رأس مال قيمته مليون جنيهًا، قرَّر أن يستثمر في فكرةٍ “إبداعية” أنارت رأسه. وظَّفَ عمالًا ومُوظَّفين وأطلق مشروعه، وصار يُعلِن عن مُعدَّل صافي ربح 100 ألف جنيه في العام –بعد دفع الأجور وتكلفة المواد الخام وإحلال الآلات المتهالكة، وما إلى ذلك. من البديهي أنه بعد عشرة أعوام سيكون قد عوَّض مبلغ المليون جنيه التي استثمره في البداية، وبعد عشرين عامًا يكون قد ضاعَفَ هذا المبلغ، على أقل تقدير، من عمل عماله ومُوظَّفيه الذين لا يتقاضون إلا الفتات. أليست هذه مكافأة تُغطي “إبداعه”؟ فماذا نقول إذن عن مستثمرٍ مثل بيل جيتس تتجاوز ثروته 100 مليار دولار ويقولون إنه “بدأ من الصفر”؟ أليست هذه مكافأة مُبالَغ فيها؟ (هذا لا يعني أن الاشتراكية لن تكافئ المبدعين، لكن لا يمكن أن يكون ذلك من خلال منحهم القدرة على استغلال عمل الغير).

هناك الكثير من الإبداعات التي نراها كلَّ يومٍ في مجالاتٍ شتى حول العالم، لماذا لا يُكافَأ أصحاب هذه الإبداعات مثلما “يُكافَأ” بيل جيتس كما يدَّعي المدافعون عن الرأسمالية؟ ذلك لأن الرأسمالية في الأصل لا تكافئ على الإبداع، إنها تكافئ على امتلاك رأس المال؛ أي القدرة على استغلال عمل العمال والموظفين. إذا كان لديك 50 ألف عامل وموظف مثل بيل جيتس، ستتجاوز ثروتك 100 مليار دولار. وإذا كان لديك 648 ألف عامل مثل جيف بيزوس، ستصل ثروتك إلى 149 مليار دولار. ربما كان جيتس وبيزوس أمهر وأقدر –بالمعايير الرأسمالية- من رأسماليين آخرين، لكن ما لم تكن لديهما القدرة على استغلال كل هذه الأعداد الهائلة من العمال، لما احتلَّا المراكز المتقدمة في قوائم أغنى أغنياء العالم. الرأسمالية لا ترى أيَّ قيمةٍ للإبداع من دون رأس مال واستغلال. كم من إبداعٍ إذن لم يكن مدعومًا برأس مال ومن ثم لم يظهر إلى الوجود أصلًا بسبب ذلك؟

الرأسمالية تخنق الإبداع
تُراكِم الرأسمالية الفقر والعَوَز لدى الجانب الأكبر من سُكَّان العالم، والثروة والأرباح الطائلة لدى أقليةٍ ضئيلةٍ من كبار الرأسماليين. ففي حين يعيش 46% من سُكَّان الأرض على أقل من 5.5 دولار للفرد الواحد يوميًا، تزيد ثروات أغنى رجال الأعمال في العالم على مدار الثانية، حتى وصلت ثروات أغنى 26 شخص في العالم إلى أكثر مِمَّا يمتلكه النصف الأفقر من سُكَّان العالم ككل (3.8 مليار نسمة). جيف بيزوس، الذي ضربنا به المثل من قبل كصاحب أكبر ثروةٍ في تاريخ البشرية، يتقاضى مُوظَّفوه 25 ألف دولار سنويًا في المتوسط، بينما يحصل هو على أرباحٍ تُقدَّر بـ191 ألف دولار في الدقيقة الواحدة، أي يحصل كلَّ 8 ثوانٍ فقط على ما يتقاضاه الموظَّف لديه في عامٍ كاملٍ من العمل.

يُولَد البشر في بيئاتٍ مُتنوِّعة، وتُؤثِّر هذه البيئات على قدراتهم التي من المُحتَمَل تطويرها إلى آفاقٍ لا يمكن تخيُّلها أو تقويضها حتى القضاء عليها تمامًا. والظروف السيئة التي تفرضها الرأسمالية في أرجاء العالم بالتأكيد تُقوِّض المجال أمام تطوير الإبداع لدى غالبية ساحقة من البشر. يكفي أن نتصوَّر أن الفقر الشائع في العالم يدفع 218 مليون طفل إلى سوق العمل (150 مليون منهم يكابدون شروطًا صحية سيئة، و73 مليون يعملون في أشغالٍ خطرة تُهدِّد حياتهم). ومن الواضح أن مراحل التعليم الأساسية (هل يمكن أن يكون هناك إبداعٌ بدونها؟) ليست من أولويات الرأسمالية، فنجد أن هناك 776 مليون أُمِّي في العالم، 68% منهم من النساء.

علاوة على كلِّ ذلك، فإن من أكثر السمات التي تُميِّز الرأسمالية كنظامٍ اجتماعي هي فصل العمل الذهني عن العمل البدني المباشر. علينا جميعًا أن نعمل على الماكينات أو على المكاتب أو في خدماتٍ كالنقل أو التوزيع لساعاتٍ طويلة، في أعمالٍ أغلبها شديدة الرتابة -الذي يخلو من أيِّ إبداع- من أجل زيادة أرباح الشركة أو المصنع أو المؤسسة التي نعمل بها. ومن الطريف أن الرأسمالية نفسها خلقت أشكالًا مُتنوِّعة من الوظائف الرقابية، فقط للتأكُّد من أن الناس يؤدون العمل الممل المرسوم لهم؛ أي فقط من أجل تحطيم فرديتهم والقضاء على إمكانية فتح الباب لإبداعهم في عملهم، فقط لضمان امتثالهم الأعمى لتعليمات الشركة التي يعملون بها، بالطبع دون أدنى ديمقراطية في مناقشة هذه التعليمات حتى.

ومن ناحيةٍ أخرى، بدلًا من أن يؤدي التقدُّم التكنولوجي الهائل الذي توصَّلَت إليه البشرية إلى تخفيف أعباء العمل وساعات العمل على العاملين بأجر، لكي يتوفَّر لهم من الوقت ما يسمح لهم بالاهتمام بالثقافات والفنون والعلوم، وبأن ينطلقوا في أيِّ مجالٍ يمكن أن يُبدِعوا فيه، لا يزال عليهم العمل لساعات العمل نفسها سعيًا وراء الفتات مِمَّا يحقِّقونه كأرباح، فقط لكي يعيدوا دورة الإنتاج في اليوم التالي وفي الشهر التالي، وهكذا. كوريا الجنوبية مثلًا، يُضرَب بها المثل كثيرًا على أنها من أكثر الدول اعتمادًا على أحدث تقنيات الإنتاج في مجالاتٍ شتى. ومع ذلك، لا تزال ثاني أكثر دولة في العالم (بعد المكسيك) من حيث متوسط عدد ساعات العمل السنوية للعامل العادي (2113 ساعة في السنة).

إذا كانت الرأسمالية تُقوِّض الإبداع لدى غالبية البشر عامةً بما تخلقه من ظروفٍ تخنق الفرص لديهم، أو تجعلهم على أقصى تقدير يقضون حياتهم فقط في الركض وراء لقمة عيشهم، فإنها تخنق هذه الفرص بصورةٍ مُضاعَفة لدى النساء. تعيش النساء عبر العالم في حصارٍ بين نسبٍ أعلى من البطالة والأميَّة، وفرصٍ أقل في التعليم من الرجال، في حين تقع أعباء العمل المنزلي، في ظلِّ النظام الاجتماعي القائم في العالم بأكمله، على عاتقهن. لعلَّ هذه الظروف الصعبة التي تسيطر على حياة النساء عبر العالم -بالإضافة إلى التمييز الرائج ضدهن لصالح الرجال- هي ما تدفعنا، حتى ولو بصورةٍ غير مقصودة، إلى الاحتفاء بإنجازاتهن الإبداعية بصورةٍ أكبر.

الرأسمالية تكبت الإبداع لدى البشر بالظروف الصعبة التي تجبر مليارات البشر على تحمُّلها، ثم بعد ذلك تحتفي بالإبداعات باعتبارها “استثناء” عن القاعدة، لأن القاعدة بالنسبة لها هو أن ينخرط كلُّ إنسانٍ قادرٍ على العمل -بصرف النظر عن قدراته ومواهبه التي تُميِّزه- في عملٍ رتيب مرسوم بدقة فقط لخدمة أرباحها، وليذهب إلى الجحيم أيُّ إبداعٍ لا يخدم التنافس والأرباح. لقد صار من الضروري التخلُّص من هذا النظام الاجتماعي العالمي من أجل تحرير الطاقات الإبداعية الهائلة لدى البشر. لكن، هل من تصوُّرٍ بديل يُحقِّق ذلك؟

الاشتراكية والإبداع
الصورة الأوَّلية التي تتبادر للكثير من الأذهان عند الحديث عن الاشتراكية والإبداع هي تلك الصورة الرمادية الكئيبة التي يقضي فيها المجتمع على القدرات والإمكانيات والمواهب المختلفة لدى الأفراد الذين لا يتمايز الواحد فيهم عن الآخر. يشتق الكثيرون هذه الصورة بالأخص من الحياة في ظلِّ الاتحاد السوفييتي السابق.

لنرجع أولًا إلى الوراء. قامت الجمهورية السوفييتية في روسيا بعد ثورة 1917 الاشتراكية، التي استولت فيها مجالس العمال الديمقراطية (السوفييتات) على السلطة. كانت هذه المجالس تمثِّل ملايين العمال الذين صنعوا الثورة من أجل إدارة الإنتاج والتوزيع وتقرير سياسات الجمهورية الوليدة. على سبيل المثال، سوفييت بتروجراد (عاصمة روسيا آنذاك) كان مُكوَّنًا من ألف عامل مندوب، وكلُّ مندوب منهم كان مُنتَخَبًا من ألف عامل من زملائه. لم يكن هؤلاء المندوبون يتمتَّعون بأيِّ ميزاتٍ إضافية عن زملائهم الذين انتخبوهم، فيما كان من الممكن استبدالهم في أيِّ وقتٍ (لم يكن عليهم الانتظار لمدة 4 أو 5 سنوات كما في الديمقراطيات الرأسمالية).

في ظلِّ هذا النظام في إدارة المجتمع، لم يكن الإنتاج يهدف إلى مراكمة الأرباح في المقام الأول كما في المجتمع الرأسمالي، بل أولًا إلى سدِّ احتياجات البشر. علاوة على ذلك، لم يكن التنافس هو القوة الدافعة للإنتاج، وبالتالي كان من الطبيعي أن يتقلَّص يوم العمل، ويصير العمال وفقًا لذلك لديهم من الوقت ما يمكن أن يقضوه في الاهتمام بمجالاتٍ عامة والانخراط في العمل السياسي، أو في تنمية قدراتهم ومواهبهم، أو في الاطلاع على الثقافات والفنون والعلوم والآداب وما إلى ذلك. على سبيل المثال، كان تزاحم العمال على الاستادات الكبرى ليستمعوا إلى محاضراتٍ حول الدراما الإغريقية مشهدًا مألوفًا خلال سنوات الثورة الروسية. لقد أيقظت الثورة الاشتراكية عطشًا هائلًا للمعرفة والتعليم وتنمية القدرات البشرية لدى كلِّ شخص، وكان ذلك بصورةٍ عامة مناخًا يُشجِّع على الإبداع بكلِّ تأكيد.

للأسف، لم تستمر مثل هذه الأوضاع إلا لسنواتٍ قليلة، إلى أن صَعَدَ ستالين وبيروقراطيته الجديدة على رأس السلطة. صَعَدَت هذه البيروقراطية على خلفية الإنهاك الشديد الذي أُصيبَت به الطبقة العاملة الروسية الديمقراطية والمُنظَّمة نتيجة سنواتٍ من الحرب والحصار والتجويع من جانب جيوش أوروبا، التي حشدت قواتها للقضاء على هذا النموذج الثوري. وعلاوة على ذلك، مُنِيَت ثورات أوروبا التي اندلعت في أعقاب الثورة الروسية (1917 – 1923) بسلسلةٍ من الهزائم، مِمَّا عمِّق من عزلة الثورة الروسية نفسها. بنى ستالين دولته على أنقاض الثورة الروسية، ومارَسَت هذه الدولة أشكال الاضطهاد والاستغلال نفسها التي كانت سائدةً من قبل، بل ربما بصورةٍ أكثر تكثيفًا من أجل اللحاق بركب المنافسة مع الدول الغربية المُتقدِّمة.

مورِسَت أشكال الاستغلال الرأسمالي والاضطهاد في ظلِّ ستالين، وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي، لصالح الدولة، وليس لصالح رجال الأعمال والمُلَّاك الكبار (لهذا نُطلِق عليه نظام “رأسمالية الدولة”). ومن أجل انتهاج هذا التوجُّه، كان لابد من بناء ديكتاتورية راسخة؛ بمعسكرات اعتقال وشرطة سرية، إلخ. الأوضاع التي عاشت فيها الجماهير في حقبة ستالين ومن بعده، هي التي خرجت منها الصورة النمطية الكئيبة التي يُقضَى فيها على التميُّزات الفردية بين الأشخاص وتُدفَن فيها المواهب والقدرات. نعم، كان الاتحاد السوفييتي يُهيِّئ المناخ لكبت الإبداع لا لإطلاق قدرات البشر، ذلك أنه كان شكلًا من أشكال الرأسمالية -رأسمالية الدولة- وليس الاشتراكية.

على العكس من هذه الصورة، نشأت الأفكار الاشتراكية، حتى من قبل كارل ماركس، بالأساس من واقع حياة البشر في مراحل نشأة الرأسمالية، حيث الانسحاق الكامل للغالبية العظمى أمام آلة توليد الأرباح. نشأت هذه الأفكار في إطار البحث عن منهجٍ نضالي يُحرِّر البشر من نير الاستغلال ويُحرِّر طاقاتهم وقدراتهم، أي يُكرِّس الإمكانات الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية من أجل كلِّ طفل يحمل في داخله عبقرية موتسارت أن يصبح هو موتسارت. ولا يمكن أن يتحقَّق ذلك إلا بإسقاط الرأسمالية، التي تمنع غالبية البشر من التمتُّع بهذه الإمكانات المجتمعية.

يستحق البشر جميعًا أن يعيشوا في ظلِّ مجتمعٍ كهذا. يستحقون أن يعيشوا في ظلِّ مجتمعٍ يكون فيه، على حدِّ قول ماركس، “التطوُّر الحر لكلِّ فردٍ شرطًا للتطوُّر الحر لجميع الأفراد”.