بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نظرية

عرض كتاب

بين الخنوع والنضال: الدين والسلطة حول العالم

نُشر كتاب بول سيجيل (Paul Siegel) “بين الخنوع والنضال: الدين والسلطة حول العالم” (The Meek and the Militant: Religion and Power Across the World) لأول مرة في عام 1986، وهو كتاب غني بالمعلومات وسهل القراءة لكل من اختزل الموقف الماركسي من الدين أو لخصه بشكل غير دقيق في اقتباس ماركس الشهير: “الدين أفيون الشعوب”. يبدأ سيجيل بتحديد أهمية الدور الذي يلعبه الدين في القضايا السياسية التاريخية والحالية. في هذا العمل، يحاول سيجيل أن يضع الأمور في نصابها مستعرضًا العديد من المفاهيم الخاطئة عن عداء الماركسية للدين.

في الجزء الأول من كتابه، يحلل سيجيل النقد الديني الماركسي. يبدأ ذلك بتعقب التطور الفكري للآراء الماركسية عن الدين إلى وجهة نظر ماديي التنوير الفرنسيين عنه. وبعد شرح وجهة نظر الماديين، ينتقل سيجيل إلى الرؤية الماركسية للدين، والتي تبدأ بنقد لرؤية الماديين وتتطرق إلى عدة مواضيع بما في ذلك تحليل أصول الدين وإدراكها كأيديولوجية ثم إلى الاغتراب الديني.

يُختتم الجزء الأول من الكتاب بمقارنة سيجل للماركسية والدين، والتعامل مع التهمة غير الدقيقة التي أطلقها المدافعون عن الدين عن أن الماركسية، وهي أيديولوجية من المفترض أنها ترفض الدين على حد زعمهم، قد تحولت في حد ذاتها إلى ديانة وهمية يأتي ماركس كرسولها المقدس.

في الجزء الثاني من الكتاب، يتتبع سيجيل أصول الديانات الغربية الرئيسية بدءً باليهودية تليها الكاثوليكية والبروتستانتية وانتهاء بمختلف طوائف المسيحية داخل الولايات المتحدة. يتتبع كل قسم فرعي في هذا الجزء من الكتاب أصل كل دين وتطوره إلى الحداثة. فيعرض أصول وتطور كل دين مع سياقاته الاجتماعية والاقتصادية مع عرض خرائط غنية لما أضافته البصمات البشرية في خلق الأديان. في هذا الخارطة، يتم البحث باختصار عن مشاعر العمال تجاه الدين، مما يكشف في العادة افتقار العمال إلى التقيد الديني والولاء السطحي للمفاهيم الدينية كخطوة في تطورهم الوظيفي. ومع ذلك، تتم الإشارة إلى تنامي التدين الأمريكي بين الطبقة العاملة في العقود القليلة الماضية، ما يلقي الضوء على التنبؤ المبكر بمآل الميول الحالية لأقصى اليمين في السياسة الأمريكية.

يتناول الجزء الثالث من الكتاب أصول وتطور الديانات الرئيسية في آسيا والشرق الأوسط، والتي تشمل الهندوسية والبوذية والإسلام. وفي تشابه كبير مع الجزء السابق من الكتاب، يتعمق سيجيل في الظروف الاجتماعية التي نشأت فيها هذه الأديان والطرق التي تطورت بها وتكيفت مع ديناميكيات المجتمع المتغيرة.

الجزء الرابع والأخير من الكتاب يتناول الدين والنضال من أجل الاشتراكية من خلال تحليل مواقف الأحزاب الماركسية من الدين عبر التاريخ. لاستكمال هذه المهمة، يستكشف سيجيل رؤية لينين حول الدين، وكذلك آراء الحزب الشيوعي الروسي، والحزب الشيوعي الصيني، وأتباع كاسترو في كوبا، والساندينستا في نيكاراجوا. ينتقد سيغل بشكل خاص الأحزاب الشيوعية الروسية والصينية وعداوتهم الوحشية ضد الدين ثم من بعدها تبنيهم الانتهازي له.

خلال الكتاب يؤكد سيجيل أن النظرة الماركسية للدين “كأفيون الشعوب” هي استنتاج سطحي لموضوع تمت دراسته على نطاق واسع ودقيق من خلال أعمال ماركس وإنجلز. بل يقول سيجيل أن اقتباس “الأفيون” الشهير يتم أخذه في الواقع خارج السياق لأن ما يسبق هذه الجملة مباشرة في العمل الأصلي هو جملة: “المعاناة الدينية هي في الوقت نفسه تعبير عن المعاناة الواقعية والاحتجاج ضد معاناة واقعية”. ويرى سيجيل ان هذا السياق هو الذي يجسد النظرة الماركسية الحقيقية حول الدين، والتي تجعله” دواءً يمكّن الجماهير من تحمل بؤسهم من خلال فقدان أنفسهم في أحلام تحرمهم من القدرة على الثورة “، ولكن، والأهم من ذلك، يمكن أيضًا أن يستفز الناس “للاحتجاج والنضال، إنه دواء قادر على التحفيز كما أنه قادر على التخدير”، لكنه “لا يؤدي وحده أبدًا إلى إدراك واقعي”.

بعبارة أخرى، في حين أن الماركسية تنظر إلى الدين بتشكك شديد، فإنها، رغم ذلك، تتفهم أنه ليس فقط يمكن أن يكون أداة في علاقات قوى الإنتاج التي تستخدم للتلاعب بالجماهير، بل يمكن أن يكون أيضًا أداة ثورية للشعب إذا ما تبدلت الأحوال. على هذا النحو، فإن الموقف الماركسي من الدين هو مزيج من الفصل والتسامح. يجب أن يكون الدين منفصلاً عن الدولة، ولكن يجب أن يتم التسامح معه وحمايته إذا كان للنضال الاجتماعي ان يستمر باستدامة. بمجرد أن تتحقق الاشتراكية، لن يوجد أي داعٍ إلى مهاجمة الدين. إذا كان الدين دواءً للاغتراب والمعاناة ومخدرًا اجتماعيًا فإن الحل لا يكمن في صدمة المدمن بالامتناع، بل بالأحرى معالجة المرض الأساسي للظلم الاجتماعي الذي يسبب أعراض الإدمان من البداية.

بالنسبة لأي قارئ متدين، ينبغي أن يؤخذ هذا الكتاب بقدر من سعة الصدر، حيث يتم تمحيص أسس متنوعة من المبادئ الدينية التي يفترض ألا جدال بشأنها، ولكن هذا التمحيص ضروري لرحلة الوصول إلى استنتاج مدعوم بالمعرفة. الغرض من هذا العمل الأكاديمي المثير للاهتمام ليس الاستهزاء بالدين. على الإطلاق. بل هو تمجيد الروح البشرية التي تسعى إلى النضال ضد الظلم وتسعى من أجل عالم أفضل، سواء كانت تؤمن بقناعاتها السياسية أو إلهها أو كليهما. إنه يحمل رسالة أمل غير مكتوبة مفادها أنه لا توجد ضرورة لأن تفرقنا القوى التي ترغب في السيطرة علينا باستخدام الدين، بل إنه يمكن أن يكون أداة للتغيير الإيجابي، ويجب أن يُقابل دائمًا بالتسامح في سبيل تحقيق أي عدالة اجتماعية حقيقية.