بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رمسيس لبيب: لماذا أنا اشتراكي؟

سألت نفسي هذا السؤال منذ ما يقرب من خمسين عامًا، ولم تتغير إجابتي حتى الآن رغم كل ما حدث، فأنا اشتراكي لأني أرفض النظام الرأسمالي كنظام طبقي يقوم على استغلال وظلم وقهر حفنة من البشر للأغلبية الساحقة. ففي النظام الرأسمالي يستولي المالكون لوسائل الإنتاج، وهم قلة، على فائض قيمة عمل الملايين من العمال الذين يتم اعتصارهم بكل الطرق حتى تتزايد أرباح الرأسماليين.

إن وجود هذا النظام يشترط وجود الملكية والثروة والقدرة والرفاهية بيد الأقلية، وترك الحرمان والعوز والعناء للأغلبية. وفيه لا ينطلق سباق البشر من أجل الحصول على وسائل العيش من نقطة واحدة، فالقلة ترث مع ميلادها الثروة، والقدرة على التعلم، وفرص المناصب، بينما الكثرة، وهم أبناء العاملين، لا يرثون بميلادهم سوى الفقر والعجز. وبقيام هذا النظام على الملكية الفردية يصبح المال هو القوة الأسمى التي يقاس بها كل شيء حتى الإنسان نفسه. إن هذا النظام يؤجج النزاع بين الإنسان وأخيه الإنسان، وكأننا في غابة، بدلاً من الاحتشاد الإنساني للصراع مع الطبيعة. ومن شأن هذا كله أن يشوه إنسانية الإنسان، إنسانية المالكين وغير المالكين.

والنظام الرأسمالي يولد اغتراب الإنسان العامل عن ناتج عمله المتراكم عبر السنين، والمتمثل في أدوات الإنتاج، والسلع، وكل ما أبدعته سواعد وعقول الملايين. وهو بالضرورة يحرم العاملين من الاستمتاع بإبداعات الفكر والفن والعمل على تنمية إنسانيتهم وازدهارها. النظام الرأسمالي يتسبب بأزماته المتكررة وشبه الدورية في تعطيل وتدمير الطاقة الإنتاجية وتعطل العاملين وتسريحهم، وهو في سعيه إلى الربح بكل الطرق، يدمر البيئة ويستنزف إمكانيات العالم.

وجود النظام الرأسمالي يتلازم مع السعي إلى فتح أسواق جديدة والاستيلاء على المواد الخام في البلاد الأخرى، الأمر الذي يجعل حروب الاستعمار قدرًا مرتبطًا بهذا النظام، ويكفي أن نتذكر ما فعلته البلدان الرأسمالية المتقدمة خلال قرون بأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وهذا النظام يولد بالضرورة الاتجاهات العنصرية كالفاشية والنازية لتبرير الحروب الاستعمارية من أجل إعادة اقتسام الأسواق، كالحرب العالمية الأولى والثانية، اللتين سببتا الكثير من الخراب والموت والدمار.

أنا أرفض الزعم بأن الملكية الخاصة هي وحدها التي تحقق زيادة وتطور الإنتاج، وذلك استنادًا إلى فشل بعض تجارب قطاع الدولة، أو ما يسمى بالقطاع العام. أرفض هذا الزعم لأنه في أنظمة الملكية الخاصة يعمل من لا يملكون، ويملك من لا يعملون. وإذا وجدت ملكية عامة حقيقية للعاملين في مناخ ديمقراطي يحقق رقابتهم بحيث يشعر العاملون أنهم يملكون حقًا أدوات الإنتاج وعائدها، فلا بد أن يتطور الإنتاج بما لا يقاس.
أرفض أيضًا الزعم بديمقراطية النظم الرأسمالية، لأن هذه الديمقراطية شكلية لا يتمتع بها – إن وجدت – إلا من يملك المال ووسائل الإعلام، وبالتالي صناديق الانتخاب، وعضوية المجالس التشريعية، التي تضم الرأسمالية ووكلاء أعمالهم. والحقيقة أن أي قدر من الديمقراطية يوجد في البلدان الرأسمالية هو نتاج معارك خاضها العاملون وأريقت فيها دماؤهم.

أنا اشتراكي لأن المجتمع الاشتراكي نقيض المجتمع الرأسمالي، فلا استغلال فيه ولا قهر، ولا استيلاء على فائض قيم العاملين، لأن أدوات الإنتاج تكون في المجتمع الاشتراكي مملوكة ملكية عامة لكل الشعب، وكل يبذل ما يستطيع من جهد، ويأخذ حسب عمله، ومن لا يعمل ويكون قادرًا على العمل لا يأكل.

وفي المجتمع الاشتراكي، تتمتع الأغلبية الساحقة بالديمقراطية الحقيقية في ظل سلطة الطبقة العاملة وحلفائها أو ما يسمى بديكتاتورية البروليتاريا – التي شوهت وأسيء فهمها – التي تعني ديمقراطية الطبقة العاملة وحلفائها من الفلاحين والجماهير الشعبية، والحرمان منها – في حدود معينة ولفترة محددة – للمالكين القدامى وأنصارهم، وهو ما ينبغي أن تفعله الثورة الاشتراكية لأن إسقاط سلطة المالكين ونزع ملكيتهم لا يعني زوال خطرهم، ويكفي أن نتذكر ما فعلته الثورة الفرنسية ثورة البرجوازية.

وأنا اشتراكي ماركسي لأن الماركسية هي النظرية الوحيدة التي تقدم المنهج الثوري لإسقاط سلطة رأس المال وبناء المجتمع الاشتراكي. وقد ثبت أن كل النظريات التي نادت بالإصلاح التدريجي، بدءًا من الفابية ومرورًا بفكر الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، انتهت إلى الدوران في طاحونة النظام الرأسمالي ومصالحه. إن كل دعاوي إصلاح المجتمع الرأسمالي وترقيعه، هي تضليل وخداع العاملين، والثورة هي الطريق الوحيد لإسقاط سلطة رأس المال.

الماركسية، على عكس ما يقوله البعض، ليست عقيدة جامدة أو مكتملة، بل إنها مرشد للعمل والنضال، لا بد أن تثري بالاكتشافات العلمية الجديدة وخبرات الشعوب. وإذا بدا في بعض المراحل التاريخية أن الماركسية تمر بأزمة، فإنها أزمة نمو، لا أزمة حياة أو وجود، وقد مرت الماركسية منذ أن وضع أسسها ماركس وإنجلز بأزمات خرجت منها أكثر ثراء وأكثر ثورية.

وإذا كانت بعض الأنظمة التي أطلقت على نفسها اشتراكية، وأعلنت انتماءها للماركسية قد سقطت، فإن سقوطها لم يكن بسبب تبنيها للماركسية، بل بسبب الخروج على المبادئ الأساسية للماركسية، وفي مقدمتها ضرورة السلطة الفعلية للطبقة العاملة وحلفائها.
إن الماركسية هي المنهج الثوري الوحيد لتغيير المجتمع الذي عرفه البشر حتى الآن. أنا اشتراكي وأعرف أن الطريق إلى الاشتراكية طويل وشاق، لأن البشرية التي عاشت في مجتمعات طبقية لآلاف السنين، وعرفت النظام الرأسمالي منذ أكثر من خمسة قرون، لا يمكن أن تصل إلى الاشتراكية في عشرات السنين. وأعرف أيضًا أن طريق النضال الإنساني لا يمضي في خط مستقيم، فلا بد من التعرجات والنكسات في الطريق الذي يفضي إلى الانتصار.

لقد قامت أول ثورة تستهدف العدل الاجتماعي في مصر القديمة في نهاية الأسرة السادسة الفرعونية منذ أكثر من أربعة آلاف عام، ثم قامت ثورة اسبارتاكوس، ثم ثورة القرامطة، ثم كوميونة باريس، ثم ثورة أكتوبر وهبات ثورية أخرى في البلدان الرأسمالية المتقدمة، أي أن نضال العاملين والمقهورين لم يتوقف أبدًا. وطالما وجد الظالمون والمظلومون، فإن الشوق إلى الخلاص لا ينتهي، ودومًا يولد الأبناء الطيبون الذين ينتمون بصدق إلى العاملين ويهبون حياتهم من أجل خلاص الإنسان في وطنهم والعالم.

وحياة المناضل الاشتراكي ليست مجرد مشقات وتضحيات النضال. إنها رحبة برحابة العالم ومليئة بالمشاعر الإنسانية النبيلة ودافئة بالصحبة النضالية في الوطن والعالم. حياة المناضل الاشتراكي هي حياة إنسانية حقة، يتسق فيها الموقف والفعل مع صورت العقل وأشواق الوجدان النبيل، حياة تليق بالإنسان، بزهرة العالم ومجده، أنا محظوظ، لأنني عرفت الطريق إلى النضال الاشتراكي.