بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هيجل والتاريخ والثورة

تحدَّث كل من تيري سوليفان ودوني جلوكشتاين، مؤلِّفا كتاب “هيجل والثورة – Hegel and Revolution”، الصادر عن دار بوكماركس البريطانية في يناير 2020، لمجلة سوشيالست ريفيو البريطانية عن هيجل والتاريخ والديالكتيك والحاجة الماسَّة لفهمهم.

لماذا ينبغي على كلِّ اشتراكي اليوم أن يهتم بهيجل؟ ألم يكن فيلسوفًا معقدًا ومجردًا وبرجوازيًا؟

قد نجادل بأن هيجل يستحق الاهتمام الدقيق رغم كونه فيسلوفًا معقدًا ومجردًا وبرجوازي وقراءته تشبه “مضغ الحصى”. كان هذا أحد أسباب تأليف كتابٍ يعبِّد الطريق إلى جوهر فكره. الأمر المهم هنا ليس هذا النص أو ذلك، بل الأسلوب الكلي والنهج الذي سلكه. طبَّق ماركس ذلك في زمنه، وهو ما يمكن وينبغي على الاشتراكيين اليوم أن يطبقوه.

لنأخذ قضية الاغتراب نموذجًا، حاول هيجل أن يكتشف العلاقة بين البشر والعالم الذي نعيش فيه. كانت رؤيته جريئة بحيث رأى أن كلَّ شيءٍ هو جزءٌ من كلٍّ متصل. اليوم، ندرك بألمٍ الأثر الذي خلَّفَته البشرية (وبالأخص رأسماليو الوقود الحفري) على المناخ، ولكننا نعتبر العالم الخارجي، بما فيه المناخ، وجودًا ينفصل عن وجودنا وأحيانًا يتصرَّف ضده. قليلون هم من سيوافقون على تفسير هيجل للاغتراب اليوم (بناءً على مفهوم الغربة عن الله)، لكن حقيقة أنه طرح السؤال مهمة للغاية.

يُعَدُّ التاريخ مثالًا آخر على منهج هيجل. في الفترة التي سبقته كان التاريخ يُعامل باعتباره سجلًا مُصمَت للأحداث أو دعايةً تمجِّد هذا الفرد أو ذاك من الطبقة الحاكمة. أصرَّ هيجل على أن هناك صراعًا بين القوى يدفع التغيُّر التاريخي للأمام، وهو ما نستطيع فهمه. مرةً أخرى، لا تحظى إجابته بأن التاريخ هو تاريخ تطوُّر “الفكرة المُطلَقة” بدعمٍ يُذكَر في الوقت الحاضر، ولكن من خلال محاولته لفهم الماضي، أثار السؤال حول كيفية تشكيل المستقبل.

لا ينبغي انتقاد هيجل على أنه فيلسوفٌ برجوازي، على العكس، فقد اكتسب رؤىً حول الاغتراب والتاريخ بالذات لأنه كان فردًا من البرجوازية؛ الطبقة التي كانت في قلب حراكٍ ثوري ضخم خلال حياته.

كانت الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789 لحظةً غيَّرَت العالم. أظهرت مشاهد مثل اقتحام الباستيل كيف يمكن للناس تغيير المجتمع الذي يعيشون فيه (بدلًا من عمله كقوةٍ معادية تتسلَّط عليهم). أظهرت كذلك كيف أن التاريخ هو عمليةٌ من التناقض والتغيير؛ تتطوَّر وتتشكَّل من خلال الفعل الإنساني، وليس تتابعًا لانهائيًا من أحداثٍ منفصلة.

وبمجرد أن أخذ الرأسماليون زمام الأمور في المجتمع، فقد كفوا عن أن يكونوا ثوريين، وأصبح هيجل رجعيًا مع بقية طبقته. لقد عارض هيجل حدوث تغيير أبعد، ولكن منهجه لفهم العالم وعملية التغيير ظلَّ نجمًا مرشدًا.

ما هي العلاقة بين ماركس وهيجل؟ ربما سمعنا أن ماركس أوقَفَ هيجل على قدميه، فهل مضى بعد ذلك؟

حاجج كارل ماركس بأن جدل هيجل كان “يقف على رأسه” وأن ذلك الوضع ينبغي قلبه لاكتشاف “النواة العقلانية داخل الغلاف الصوفي”. وكانت تلك طريقةً بليغة لفهم العلاقة بين الفيلسوفين. ينطبق ذلك على الأقل بمفاهيم الجدل ورواية هيجل عن الاغتراب والتغيُّر التاريخي، والتي نعتقد أنها المجالات الثلاثة الأكثر إلهامًا لماركس وإنجلز وللحركة الماركسية والاشتراكية الأوسع.

بعبارةٍ أخرى، اعتمد ماركس على المفاهيم المركزية التي قدَّمها هيجل بينما رفض كثيرًا مِمَّا كان منها هامشيًا، ثم قام بتكييف هذه المفاهيم داخل فهمٍ يعترف بالدور الذي تضطلع به الأفكار في تشكيل العالم، لكنه رأى أن العمل وتلبية احتياجاتنا من الطعام والشراب والمأوى أساسًا لكلِّ ما نقوم به.

تأمَّل كيف يحوِّل ماركس تفسير هيجل لتغيُّر التاريخ. يتفق ماركس (وإنجلز) مع هيجل في أن كلَّ محاولات فهم العالم يجب وضعها في سياقٍ تاريخي، وأن التاريخ يتوافق مع قوانين وأنماط تطوُّرية. يتفق كلاهما كذلك مع ادِّعاء هيجل بأن الأفكار والوجود المادي كلاهما مهمٌ في تشكيل التاريخ. غير أنهما يصران على أن الوجود المادي هو العامل الأهم. بالإضافة إلى ما سبق، يتفق ماركس وإنجلز أن ما يحرِّك التاريخ هو التناقضات الداخلية، أي الديالكتيك، لكنهما واضحان في أن هذه الحركة ليست تلقائية وأنه تحدث أحيانًا تداعياتٌ غير مقصودة للأفعال.

يُعتَبَر الفصل الخاص بالديالكتيك محوريًا في الكتاب وهو عسيرٌ بعض الشيء. لماذا هو مهمٌ من وجهة نظركما؟

“الدياليكتيك” هو منهج للجدل يتضمن بطريقةٍ ما عملية تناقض بين أضداد. الطريق الأسهل لمعرفة كيف يعمل الديالكتيك يمرُّ من خلال مثال الرأسمالية. يمتلك الرأسماليون وسائل الإنتاج الاقتصادي ويتحكَّمون فيها، لكنهم لا يمتلكون قوة العمل اللازمة لتشغيلها؛ وبدلًا من ذلك، يحتاجون إلى طبقةٍ أخرى، وهي الطبقة العاملة التي تضطر لبيع قوة عملها من أجل البقاء. الرأسماليون والعمال أضداد من حيث أن كلَّ طبقةٍ تختلف بشكلٍ جذري عن الأخرى. تشير عملية التناقض إلى الصراع أو التوتُّر الموجود بين القوتين المتعاكستين. أكاد أؤكد أن قرَّاء المجلة يدركون الصراع بين أصحاب العمل والعمال بكلِّ وضوح. علاوة على ذلك، فإن هذا الصراع هو الذي يحدث التغيير في ظلِّ الرأسمالية.

هذا ما يجعل الديالكتيك بتلك الأهمية. فهو يكشف أن هناك مصالح جوهرية متضاربة داخل المجتمع، وأن هذه المصالح هي التي تدفع تغيُّر التاريخ.

غير أننا ينبغي أن نشير إلى أن هيجل لم يكن أول من استخدم الديالكتيك، ففي الحقيقة تأثَّر هيجل بالفيلسوف اليوناني القديم أفلاطون وتلميذه المفكر الألماني إيمانويل كانط. استخدم كلٌّ من أفلاطون وكانط الديالكتيك لتعزيز التشكيك، وهو وجهة النظر التي تبدأ من أننا لا يمكننا أن نعرف شيئًا عن العالم حولنا. رغم ذلك، لم تكن تلك نية هيجل. فقد رأى الديالكتيك باعتباره مدخلًا لفهم الطرق الجوهرية التي نرى بها العالم، أي مخزون المعرفة الجمعي لدى البشرية الذي ينتقل من جيلٍ إلى جيل.

نودُّ أن نعتذر لقرَّاء الكتاب إذا كان ما نكتبه عن الجدل لا يزال صعبًا، لأن أحد أهدافنا المعلنة كان جعل هيجل واضحًا وفي متناوَل الجميع. في دفاعنا يمكننا الإشارة أن حتى من هم مثلنا من المتعاطفين مع هيجل وصفوا قراءته بأنها “تجربةٌ مُرهِقة، وهي المكافئ الفكري لمضغ الحصى”. في ضوء ذلك، ربنا سنأخذ وصف عملنا بـ”الصعوبة” باعتباره ثناءً!

لماذا يتجاهل بعض الماركسيين هيجل والديالكتيك؟

لإجابة هذا السؤال، فحن بحاجةٍ لفهم كيف يمكن للماركسية أن تبدو بدون ديالكتيك. رفض هيجل، وماركس لاحقًا، فكرة أن التاريخ يوجد باعتباره قوةً مستقلةً تحملنا في أعقابه.

وكما جادل ماركس، فإن البشر “يصنعون تاريخهم”. إذا ألغيت الديالكتيك، أي إذا ألغيت الفكرة بأن التغيير هو نتيجة عملياتٍ من التناقض بين الأضداد مثلما تحدَّثنا أعلاه، فلن يتبقى لك إلا فكرة أن الاشتراكية أمرٌ حتمي، وليست شيئًا ينبغي النضال من أجله والفوز به. لن يتبقى لك إلا ماركسية ميكانيكية.

كان أكثر الأحداث إزعاجًا هو عندما حدث ذلك في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، حين مثَّلَت الفاشية في أوروبا أكبر خطر واجهته الطبقة العاملة على الإطلاق. بالنسبة للماركسية الميكانيكية، كانت الفاشية انحرافًا وجيزًا عن المسار التصاعدي العام لتقدُّم التاريخ، وهذا هو التحليل الذي قاد الحزب الشيوعي الألماني إلى القول بأن أيَّ انتصار لهتلر سيكون قصير الأجل. وهذا ما يكمن أيضًا وراء سياسة “الفترة الثالثة” للأممية الشيوعية (الكومنترن).

بتوجيهٍ من ستالين، أعلن الكومنترن أن الرأسمالية تدخل مرحلة الانهيار النهائي وأن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية تمثَّل في واقع الأمر “فاشية اجتماعية”. وبالتالي، جادل الكومنترن بأنه لا يجب على الأحزاب الشيوعية ألا تعمل مع الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية ضد الفاشيين فحسب، بل أن تبذل ما في وسعها لتدميرها أيضًا. أما ما تلا ذلك من صعودٍ لموسوليني، وفرانكو، وهتلر بصورةٍ أكثر فظاعة، فهو يُظهِر مأساة ما يمكن أن تؤدي إليه الماركسية غير الهيجلية.

لنكن واضحين؛ إننا لا نجادل هنا بأن الماركسية الميكانيكية للستالينية والصعود اللاحق للفاشية كانا نتيجة أن ستالين مثلًا لم يقرأ هيجل بشكل كافي. ولكن تسيُّد الماركسية الميكانيكية كان بالأحرى تبريرًا نظريًا للإجراءات المتخذة لأسبابٍ اقتصادية و/أو سياسية.

وبالنظر إلى ذلك، فإن إدراكًا أوضح لمركزية فكر هيجل في الفهم الماركسي للعالم ربما كان قد سهَّلَ على الثوريين رؤية أخطاء الماركسية الميكانيكية ومعارضة التشوُّهات والادِّعاءات الباطلة لأرثوذكسية الستالينية وسياساتها.

لذا في هذا المثال الأبرز للماركسيين الذين رفضوا الديالكتيك، فإن سببهم في ذلك كان أن يبرِّروا نظريًا قراراتٍ سياسية واقتصادية غير مستساغة.

كيف يساعد فهم هيجل الاشتراكيين الذين يريدون تغيير العالم اليوم؟

كلُّ من يريد تغيير العالم يواجه عقباتٍ ضخمة. تتحكَّم الطبقة الرأسمالية بالاقتصاد، وتهيمن على الدولة، وتمتلك الصحافة، وهكذا. حتى أخلص الاشتراكيين قد يُدفَع في اتجاهين مُضلِّلين.

أولهما الإيمان بالقوى المجهولة التي ستخلق الاشتراكية بشكلٍ تلقائي: أي أن النمو المستمر للطبقة العاملة، أو العود المحتوم للأزمة الاقتصادية قد ينهي الرأسمالية بشكلٍ ما بدون تدخل بشري. وقد تبنَّت الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية، إضافةً إلى الستالينية، هذا النهج في بدايات القرن العشرين. أما الاتجاه الثاني، فيتمثَّل في تخيُّل أنه يمكن تجاهل الظروف الفعلية للزمن وأن قوة الإرادة والتفاني المطلق للقضية سيكونان كافيين لإحداث تغييرٍ تدريجي.

يتجنَّب منهج هيجل كلا الفخين، ولذلك وجده ماركس وإنجلز مفيدًا للغاية. فهو يتطلَّب تحليلًا للصورة الكلية مع رفض السلبية، إذ يدرك أن القوى المتناقضة توجد جنبًا إلى جنب مع التدخُّل البشري في الصراع بينهم.

يختلف العالم الذي نعيش فيه اليوم جذريًا عن العالم الذي أمضى فيه هيجل حياته في القرن التاسع عشر. لكن يمكننا التعلُّم من أحد أعظم مفكري المرحلة الثورية البرجوازية عندما ننظر إلى التغيير الثوري اليوم. ومع الكارثة البيئية التي تلاحقنا، يصبح هذا التغيير أكثر إلحاحًا من أيِّ وقتٍ مضى.

*المقال مترجم عن مجلة “سوشاليست ريفيو” البريطانية.