بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف شوَّهَت الستالينية الأفكار الماركسية

ستالين

كانت الثورة الروسية هي الحدث الأهم في العصر الحديث، لكن هزيمتها، التي حسمها صعود جوزيف ستالين إلى السلطة، منحت الرأسمالية فرصةً جديدةً للحياة. لقد دمرت تلك الهزيمة الحركة الشيوعية الأممية وأدت إلى انتصار الفاشية الألمانية والإسبانية، والهولوكوست، والحرب العالمية الثانية، وجلبت الحرب الباردة والتهديد المصاحب لها بنهاية العالم النووية. لقد أثر هذا الحدث على مسار التمردات المناهضة للاستعمار، والتي كان الكثير منها يتطلع إلى الاتحاد السوفييتي للحصول على المساعدة والتوجيه، وأثقل وأخَّر نهوض حركات اجتماعية راديكالية جديدة في الدول الغربية منذ الستينيات فصاعدًا.

في معظم أنحاء العالم، تفككت الدول الستالينية. وبالمثل، انهارت العديد من الأحزاب الشيوعية التي تبعتها أو تحولت إلى أشكالٍ جديدة مشوهة. ولكن حتى في الأماكن التي يبدو أن الستالينية المنظمة قد تلاشت فيها، فإن إرثها الأيديولوجي لا يزال قائمًا. كما هو الحال مع كل دولة قمعية، كان على البيروقراطية الستالينية أن تنتج أيديولوجيا تبرر وجودها. تعودنا على حكام مجتمعات السوق الرأسمالية الحرة الذين يروجون لمزيج من القومية والقيم “الديمقراطية” والتقوى الدينية لإقناع ضحاياهم بأننا جميعًا في نفس الفريق. كان للستالينية نسختها الخاصة من تلك الحيل، التي كانت تعبِّر عنها باللغة الماركسية. لقد ترك هذا إرثًا سامًا يعيق الحركات الاجتماعية حتى يومنا هذا.

أمضت البروباجندا الستالينية عقودًا في إنتاج نسخة من الماركسية تلبي احتياجاتها المؤسسية الخاصة. أُعيدت صياغة نظرية ثورة الطبقة العاملة العالمية لتلبية احتياجات الساسة القوميين ومديري المصانع المستبدين والجنرالات العسكريين. أصبحت النظرية الوحيدة التي يمكن أن تساعد البشرية على الإفلات من الدائرة اللانهائية للحرب والقمع وعدم المساواة والدمار البيئي، جزءًا من المشكلة.

لا يدرك العديد من المنضمين حديثًا إلى اليسار أن العديد من الحجج التي يصادفونها متأثرة بتزوير “الماركسية” الستالينية. لاستعادة الماركسية كإستراتيجية ثورية يمكنها تفسير العالم وتغييره، يجب علينا تحديد التشوهات التي فرضتها عليها التجربة الستالينية ونبذها.

ماذا تعني الستالينية؟
“الستالينية” كلمة معقدة لها معاني كثيرة. لم تكن لستالين كفرد أي مساهمات نظرية أو إستراتيجية ملحوظة. و”الستالينية” لا تعني عقيدةً لجوزيف ستالين ورؤيته للعالم.. ليس ثمة شيء من هذا القبيل.

ظهر هذا المفهوم مع هزيمة الثورة الروسية. استولى العمال على السلطة في روسيا في نهاية عام 1917، لكن الجميع كانوا يعلمون أنه لا أمل في بناء مجتمع اشتراكي في ذلك الاقتصاد الذي يمزِّقه الفقر ويغلب عليه الطابع الريفي. كان على الحركة الثورية أن تنتشر عبر أوروبا. ولقد انتشرت بالفعل، لكنها هُزِمَت في النهاية من قبل الرأسماليين وأنصارهم السياسيين الأكثر تنظيماً، ففرضوا على روسيا العزلة والحصار والتجويع. ومع تضاؤل ​​الطبقة العاملة الروسية، سيطر مسؤولو الدولة -بما في ذلك العديد من الثوريين السابقين- على تنظيم المجتمع. سرعان ما تنامت قوتهم، وأصبح ستالين زعيمهم ونصيرهم في الحكومة.

كانت “الستالينية” تعني في البداية فصيلًا في السياسة الروسية: مجموعة بيروقراطيي الدولة. كان هؤلاء البيروقراطيون، وفي مقدمتهم جوزيف ستالين، يفضِّلون نهجًا حذرًا لضمان الحفاظ على سلطتهم. وكان هذا يعني، من ناحية، الابتعاد عن أي “مغامرات” ثورية تهدِّد الاستقرار السياسي. ومن ناحيةٍ أخرى، التنمية المنهجية للحلفاء في الأحزاب الشيوعية الأممية، وإقناعهم بأن مهمتهم الرئيسية هي دعم الحكومة الروسية.

في نهاية العشرينيات من القرن الماضي، اتخذت الستالينية معنىً جديدًا. بينما كان الاقتصاد الروسي غير المستقر يتجه نحو أزمة تهدد النسيج الاجتماعي بأكمله، اضطلعت مجموعة ستالين البيروقراطية بخطوةٍ مروعة. انقلبوا على حلفائهم السابقين، وأطلقوا حملةً عنيفة للسيطرة على الاقتصاد الروسي.
حولت مجموعة ستالين نفسها إلى مجموعةٍ حاكمة لا منازع لها في إطار نظام شمولي، من خلال تدمير حياة الفلاحين التقليدية، وفرض السيطرة الكاملة على الإنتاج الزراعي والمصانع، والقضاء التام على أي معارضة سياسية.

في نهاية المطاف، هُزِمَت الطبقة العاملة الروسية الثورية التي هددت الرأسمالية العالمية عام 1917، وكانت الهزيمة شاملة. ولدفن الثورة الروسية إلى الأبد، حاكَمَ ستالين قادتها الباقين على جرائم وهمية وأعدمهم. جَمَعَ بيروقراطيو ستالين بين القوة الاقتصادية والسياسية، إذ سيطروا على كلٍّ من الدولة ووسائل الإنتاج.

أصبحت “الستالينية” بذلك تعني شيئًا آخر: طريقة خاصة لتنظيم استغلال واضطهاد الطبقة العاملة، مع وجود دولة الحزب الواحد في السيطرة الكاملة على النظام الاقتصادي، وممارسة الحكم من خلال مزيجٍ من إرهاب الدولة والأيديولوجيا “الماركسية”. الستالينية تعني الأيديولوجيا التي روَّج لها هؤلاء الحكام، والتي انتشرت في جميع أنحاء العالم على يد الأحزاب الشيوعية. أخيرًا، أصبحت الستالينية تعني تكتيكات وأساليب تلك الأحزاب الشيوعية خارج روسيا، والتي تحوَّلَت من أحزاب عمالية ثورية إلى كيانات منغلقة ومتبقرطة، حتى حين كانت تحتفظ بقطاعٍ كبير من الأنصار داخل الطبقة العاملة واقعين تحت تأثير الأوهام بأن الحكم القائم في روسيا كان حكمًا اشتراكيًا.

تشويه الاشتراكية
أدى صعود الستالينية إلى تدمير الرؤية الاشتراكية. الاشتراكية هي مجتمع لا طبقي وتعاوني ومتحرِّر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال النضال الجماعي والديمقراطي للطبقة العاملة. في منتصف الثلاثينيات، أعلن ستالين: “مجتمعنا السوفييتي هو مجتمعٌ اشتراكي … مجتمعنا يتكون حصريًا من الكادحين الأحرار في المدن والريف”. كان هذا عبثًا، إذ كانت الاشتراكية مستحيلة التحقُّق في بلدٍ واحد معزول في نظام العالم الرأسمالي. في تلك اللحظة بالذات، كان النظام الستاليني قد وصل إلى ذروته في السخرة والقمع السياسي خلال جنون “الإرهاب العظيم”، الذي أُعدِمَ فيه مئات الآلاف من معارضي النظام أو اختفوا قسريًا أو سُجِنوا في معسكرات العمل، بينما تعرَّضَ العمال لمعاملة وحشية من قبل مدراء المصانع الستالينيين.

كان لدى الاشتراكيين ثلاثة خيارات. الأول هو قبول الواقع، إذ أن المشروع الثوري قد هُزِمَ في روسيا، وأصبحت الحكومة الروسية القوية الآن عدوًا للثورة الاشتراكية، وبالتالي يجب أن يبدأوا مرةً أخرى من الصفر لبناء مجتمع قائم على الديمقراطية العمالية. بالنسبة للكثيرين، الذين كانوا خائفين ومُحبَطين بالفعل من التهديد المتزايد من جانب الفاشية في أوروبا والكساد العظيم الأخير، كان من الصعب للغاية قبول ذلك. في المقابل، كان الخيار الثاني هو رفض الاعتراف بالواقع الواضح للحياة الروسية وقبول أي ادِّعاءات خيالية وغير منطقية قدَّمتها الحكومة الروسية. أما الخيار الثالث، فكان يتمثَّل في تعديل “الاشتراكية” ذاتها لتتناسب مع الواقع الرهيب لروسيا، بحيث أصبحت “الاشتراكية” تعني ببساطة سيطرة الحكومة على الحياة الاقتصادية، بلا أي صلة حقيقية بالمثل العليا للديمقراطية العمالية أو الحرية الإنسانية.

معظم الستالينيين مزجوا بين الخيارين الأخيرين. لذلك فَقَدَت الاشتراكية مصداقيتها على مدى عقود على يد دعاتها، الذين ربطوها بالاستبداد والتضليل.

وجد الستالينيون إلهامًا سياسيًا ونفسيًا في الاعتقاد بأن الاشتراكية قد انتصرت في مكانٍ ما في العالم. أطلقوا حملاتٍ سياسية قوية همَّشت الرؤى الحقيقية للاشتراكية المناهضة للستالينية. في الأوقات الصعبة، غنى الشيوعيون خارج روسيا أناشيد شبه دينية مثل “الأرض السوفييتية”، وهي واحدة من أشهر الأغاني الشيوعية في الثلاثينيات:

الأرض السوفييتية عزيزة على كل كادح
السلام والتقدم يبنيان آمالهما عليك
لا توجد أرض أخرى في جميع أنحاء العالم
حيث يسير الإنسان على الأرض فخورًا هكذا وحرًا

لم تدم هذه الطمأنينة. لقد وضعت الشيوعيين إلى جانب المستغِلين والمضطهِدين ضد الطبقة العاملة. لقد جعلت من “الاشتراكية” كلمة قذرة في نظر الكثيرين ممن ناضلوا من أجل حقوق العمال والديمقراطية. عند وفاة ستالين في عام 1953، أدت انتفاضات العمال والانشقاقات في البيروقراطية الروسية إلى أنه حتى عتاة الشيوعيين لم يعد بإمكانهم تجنُّب الحقيقة. دفع ذلك المزيد والمزيد من النشطاء الستالينيين إلى اليأس لأنهم أدركوا أنهم كانوا يكذبون. فقط النواة المتشددة الأكثر خداعًا هي التي لا تزال تحتفل بالدول “الشيوعية” لقتلها العمال المضربين -وهو تقليدٌ هامشي من الاستبداد المفرط الذي، للأسف، لم يختف بعد.

لا تزال الدول “الستالينية” قائمة، وإن بخصائص قومية مختلفة؛ دول الحزب الواحد التي يرأسها حكامٌ يدَّعون الاشتراكية ويجمعون بين القوة الاقتصادية والسياسية ويستغلون الطبقة العاملة. على عكس الاشتراكية، التي تتطلب نضالًا واعيًا للطبقة العاملة الأممية، من السهل نسبيًا تأسيس مثل هذه الدول من خلال القوة الغاشمة. لا يزال المنطق الستاليني ينطبق على بعض الذين يشعرون بالحاجة شبه الدينية للاعتقاد بأن العمال يحكمون كوريا الشمالية وأن ما مِن لديه سببٌ للتنديد بالحكومة الصينية إلا عملاء وكالة المخابرات المركزية، والذين يشوهون اسم “الاشتراكية”. لا تزال الفكرة قائمة بأن الاشتراكية قد جُرِّبَت وفشلت في روسيا، مما يجعل من الصعب على الراديكاليين الجدد التعرُّف على الإمكانات التحررية للنظرية الماركسية.

انتقدت الحركة الماركسية الثورية ما يُسمَّى بالديمقراطية الرأسمالية، لأنها لم تكن ديمقراطية بما فيه الكفاية. تترك الديمقراطية الليبرالية السلطة الاجتماعية الحقيقية في أيدي الرأسماليين، الذين يسيطرون علينا في العمل ويضعون قيودًا على سياستنا. لكن هناك نوع آخر من الديمقراطية، ألا وهي الديمقراطية العمالية، التي تتحقَّق من خلال الصراع الطبقي، وهي أكثر ديمقراطية من أي شيء يمكن تحقيقه في السياسة الرأسمالية. لقد شوَّه الستالينيون القوة المذهلة للنقد الماركسي للديمقراطية الرأسمالية، واستخدموه لتبرير تدمير جميع أشكال الديمقراطية وحقوق العمال. لقد زعموا أن أي نقد لنظامهم الشمولي هو نقد “ليبرالي” -وهكذا، وبشكلٍ لا يدعو للمفاجأة، يعتبرون الكثيرين ممن يرفضون النظام الستاليني، لأسبابٍ وجيهة، أنهم يرفضون الماركسية لصالح الليبرالية، أو ما هو أسوأ منها. هذا يعني أنهم لا يستطيعون التوصل إلى إستراتيجية حقيقية لتحدي الرأسمالية، إذ سدَّت التشوهات الستالينية هذا الطريق أمامهم.

الاشتراكية هي مجتمع تقرر فيه الإنسانية مصيرها بشكل جماعي، دون التشوهات التي تفرضها الطبقة الرأسمالية المستغِلة حين تتحكم في عملية الإنتاج. لا يمكن أن تكون دولةً يسيطر عليها مديرو المصانع “الشيوعيون” أو جنرالات الجيش أو أي مسيطرين آخرين من هذا النوع. إن رفض التشويه الستاليني للاشتراكية يسمح لنا باستعادة جوهر الماركسية: إستراتيجية إرساء الاشتراكية من خلال النضال العالمي للطبقة العاملة.

الستالينية والأحزاب الشيوعية
فرضت الستالينية رؤيتها الاستبدادية “للاشتراكية” على المنظمات السياسية التي تنتمي لها. لا يمكن للأحزاب الشيوعية الستالينية أن تكون مؤسسات عمالية ديمقراطية، لأن مثل هذه الأحزاب قد تتصرَّف على نحوٍ يتعارض مع احتياجات الحكام الروس. لقد طوَّروا بيروقراطيات فائقة القوة يمكنها أن تفرض تحولات حادة في سياستها العامة دون أن تفقد ولاء أعضائها. كان الشيوعيون يُلَقنون أن “اللينينية” تعني الطاعة العمياء للقادة. وأُعيدَت كتابة التاريخ وتزييفه لخلق أسطورة أن البلاشفة كانوا دائمًا يطيعون لينين بشكل أعمى، وأن ستالين كان أعظم تلميذ للينين وأن أيًّا من كان يتزعَّم الحزب الشيوعي محليًا في بلدٍ ما فهو خادمٌ مُفضَّل لدى ستالين. لن تتحقق الثورة الاشتراكية إلا إذا أطاع نشطاء الحزب جميع الفرمانات بشكل أعمى.

كان اهتمام البيروقراطيين الروس هو ممارسة الدبلوماسية كقوةٍ عظمى، وليس الثورة الاشتراكية. لذلك سعت الأحزاب الشيوعية في كثير من الأحيان إلى السلطة والتصديق عليها في ظلِّ المجتمعات الرأسمالية. أثناء الدفاع عن إرهاب الدولة في روسيا، انحاز الستالينيون في الخارج إلى الليبراليين اليمينيين. لقد حاولوا المشاركة في الحكومات الرأسمالية، وسعوا إلى مناصب بيروقراطية مدفوعة الأجر ورفيعة المستوى في النقابات العمالية، وروَّجوا لسياساتٍ نخبوية ومحافظة تنفِّر الراديكاليين والمناضلين بشكل متزايد، حتى أصبحت الأحزاب الشيوعية تمثِّل الجناح اليميني للحركة العمالية في العديد من الدول.

في السنوات التالية، قامت “الثورات” الستالينية في أنحاءٍ كثيرة من العالم، إذ تبنَّت المزيد من الدول قيادة الدولة للاقتصاد، بهدف التصنيع السريع من خلال مركزة كل السلطة في يد بيروقراطية الدولة. بدأ مؤيدو تلك البلدان يعتقدون أن الاشتراكية، على عكس رؤية ماركس الأساسية، يمكن تحقيقها من خلال الغزو العسكري أو الانقلابات أو الإصلاح التشريعي السلمي. يمكن لأيِّ شيء تقريبًا، باستثناء ثورة العمال الأممية، أن ينتهي بمجتمعٍ على النمط الستاليني. بالنسبة لأولئك الذين رأوا هذه المجتمعات على أنها “اشتراكية”، أصبح التنظيم الاشتراكي بالنسبة لهم يعني أيَّ شيء تقريبًا إلا النضال من أجل سلطة العمال على الصعيد الأممي.

خلقت الستالينية نموذجًا وهميًا لـ”الحزب اللينيني” الذي يغلق النقاش ويغلق الباب أمام المعارضة ويسعى إلى السلطة والنفوذ بأي وسيلة معوجة متاحة في المجتمع الرأسمالي. هذا النموذج المثير للاشمئزاز دفع بالعديد من الراديكاليين المناهضين للستالينية إلى رفض التنظيم السياسي بالكامل. أي منظمة ماركسية ثورية فعالة -بما في ذلك تلك التي قادها لينين نفسه- تحترم الطبيعة الديمقراطية للنضال العمالي. إنها تناقش الإستراتيجية داخليًا وخارجيًا، وتنتقد وتصحِّح أخطاءها، وتحاول قيادة الطبقة العاملة بأكملها إلى السلطة كجزءٍ من حركةٍ أوسع. وهدفها ليس وضع قادتها في مواقع النفوذ داخل الرأسمالية، ولكن بناء المؤسسات الثورية للعمال التي يمكن أن تطيح الهياكل القمعية للرأسمالية وتحل محلها. هذه الرؤية للثورة، والتنظيم الثوري، حجبها القادة الستالينيون عن عمد لأنها كانت تهددهم بقدر ما كانت تهدد أي رأسمالي. لقد سلب هذا التستر من الراديكاليين سلاحهم الأكثر فاعلية في محاربة الرأسمالية: حزب عمالي اشتراكي جماهيري وديمقراطي وثوري.

سياسات مدمرة
طالما أن الإرث الستاليني يشوِّش فهمنا للماركسية، فإننا في موقفٍ أضعف في نضالنا ضد النظام الرأسمالي. على سبيل المثال، تمر الرأسمالية العالمية الآن بأزمة بيئية متسارعة بفضل التلوث الصناعي الذي لا ينتهي. إن مجتمعًا منقسمًا إلى طبقات على أساس اقتصادي ولا يكون فيه للأغلبية رأيٌ في عملية الإنتاج، لا يمكن أن تكون لديه القدرة على إعادة تكييف نفسه في توازنٍ مع البيئة. تعمل الطبقة الرأسمالية الحاكمة على زيادة قوتها وأرباحها، حتى لو دمَّرَت الكوكب. يدفع التفاوت الاجتماعي عواقب الكارثة البيئية على الطبقة العاملة وفقراء العالم. في المقابل، يجب أن يكون الحل واضحًا: ثورة أممية لإرساء مجتمع اشتراكي تستطيع فيه الإنسانية تعديل واستعادة علاقتنا مع الطبيعة، خالية من دافع الربح والاضطهاد الطبقي.

لكن الستالينية شوهت ذلك حتى. لقد دمَّر القادة الروس البيئة وسمَّموا الأرض في سعيهم لمنافسة مخزون الولايات المتحدة من الدبابات والصواريخ النووية. لقد دفنوا حقائق علمية مزعجة سياسيًا، تمامًا مثل أي شركة وقود أحفوري، وأعاقوا قدرة البشرية على فهم تأثيرنا على العالم الطبيعي والتحكم فيه بوعي. وفي كل خطوة، كانوا ينتجون صورةً كاريكاتورية عن “الماركسية” لتبرير هذه الخطوة، وكانت نسختهم من “الماركسية” تدور حول مراكمة المزيد والمزيد من “قوى الإنتاج”، منفصلة عن أي مظهر من مظاهر التحرر البشري. يبدو أن هذا يبرر لوم علماء البيئة بأن الماركسية ليست سوى صورة طبق الأصل للرأسمالية، وأن الثورة الاشتراكية لن تساعد في إنقاذ البيئة. استعاد المؤلفون الماركسيون المعاصرون، مثل جون بيلامي فوستر، الصلة الوثيقة بين النظرية الثورية الماركسية والفهم البيئي. وحدها ثورة العمال العالمية هي التي يمكن أن تضمن إنهاء التدمير البيئي؛ تقدم الماركسية أقوى إستراتيجية لأي حركة بيئية. لكن “الإنتاجية” الستالينية أخَّرت تنفيذ هذه الإستراتيجية لما يقرب من قرن من الزمان تاركةً المشكلة تتفاقم يومًا بعد يوم.

فيما يتعلق بالجنس والنوع الاجتماعي والجنسانية، قدمت الماركسية نظريةً دحضت أي أسس “طبيعية” للتمييز. كان الماركسيون من أوائل الناشطين في مجال حقوق المرأة والحرية الجنسية، ومع نمو تلك الحركات في أوائل القرن العشرين، كان الماركسيون من بين أفضل المنظرين والإستراتيجيين والقادة لها. حتى في روسيا، التي كانت مجتمعًا بطريركيًا يُدار جزء كبير من الريف فيه بواسطة رجال القرى المحليين، أحدثت ثورة العمال عام 1917 تطورات هائلة ورائدة على مستوى العالم في مجال حقوق المرأة، وفهم المثلية الجنسية، وجوانب أخرى من التحرر الجنسي.

كل ذلك انهار مع توطيد البيروقراطية الستالينية. مثل الرأسماليين الغربيين، أرادوا توفير المال لإعادة إنتاج عمالهم المستغَلين. وكان هذا يعني إعادة الحياة الأسرية التقليدية من خلال قوانين قاسية عاقبت أنماط الحياة غير التقليدية وأجبرت النساء على العودة إلى الأدوار الجنسية التقليدية. حُظِرَ الإجهاض والطلاق، وتحولت الأسرة إلى وحدةٍ من الانضباط السياسي، إذ كان يمكن معاقبة أي شخص على جرائم ارتكبها أحد أفراد الأسرة، لذلك كان على أفراد كل عائلة مراقبة بعضهم البعض نيابةً عن الدولة. وفي جميع أنحاء العالم، كان على الأحزاب الشيوعية الستالينية تبرير وتمجيد ذلك باعتباره حالة طبيعية في المجتمع الاشتراكي.

ليس من المستغرب أن الناشطات النسويات ومجتمع الميم -حتى الراديكاليين منهم الذين ينجذبون إلى السياسة المناهضة للرأسمالية- قد انزعجوا من استمرار الاضطهاد الواضح في مجتمع “اشتراكي”. لقد حاولوا تعديل أو إعادة كتابة الماركسية، أو تجاهلوها بالكامل. أدت هذه المأساة إلى تخلي العديد من النشطاء الشجعان عن السياسة الثورية برمتها. لكن إذا أدركنا أن الستالينية لم تكن “اشتراكية”، بل كانت تعبيرًا عن ثورة مهزومة ومسحوقة، يمكننا استعادة الإمكانات التحررية للماركسية كإستراتيجية لتحقيق الحرية الحقيقية من كل أنواع الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي والجنس. وهذا يتطلب تحدي التحيز الجنسي، والشوفينية، ورهاب المثلية الجنسية التي ميزت السياسة الجنسية الستالينية -وتحدي أي ربط للماركسية بتصورها الستاليني.

فيما يتعلق بالعرق والقومية والإمبريالية، كانت الستالينية أيضًا توشك على تدمير النهج الاشتراكي الثوري. شجع ستالين نوعًا مبالغًا لدرجة الغرابة من الشوفينية القومية الروسية، وشجع الأحزاب الشيوعية الأجنبية على عبادة أعلام أوطانهم وتبني رؤى محافظة داعية للحروب، وخانت الستالينية تيار معاداة الاستعمار والنضالات ضد العنصرية في جميع أنحاء العالم (على سبيل المثال، كان اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية في عهد ستالين أول دولة تؤيد تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم). كانت كل جريمة من جرائم الرأسمالية تُدعَم بتبريرٍ “ماركسي” من قبل البيروقراطية الستالينية.

لكن تبقى حقيقة أن هذا النظام الرأسمالي الذي يحركه الربح هو أصل مشاكل العالم، وأن الماركسية -النضال من أجل ثورة الطبقة العاملة العالمية- هي الحل الوحيد. ومع ظهور القومية والعنصرية والصراع الإمبريالي وعدم المساواة والكوارث البيئية في طليعة السياسات العالمية، تحتاج الحركات الاجتماعية حول العالم إلى إعادة اكتشاف الحل. يجب أن نتجاهل الكذبة الستالينية وأن نعيد اكتشاف الطريقة الماركسية: منظمات اشتراكية عمالية أممية، منظمة ديمقراطيًا، وتناضل من أجل الثورة، تخوض كل نضال من أجل العدالة وتربطه بالنضال النهائي ضد النظام الرأسمالي من أجل عالم اشتراكي.

* المقال بقلم دانيال تايلور – موقع العلم الأحمر الأسترالي