العدد 26
الاشتراكية والحرب
يعتبر القرن الحالي هو قرن الحروب، فقد قتل 10 ملايين شخص في الحرب العالمية الأولى وقتل 55 مليون في الثانية و2 مليون في الحرب الهندية الصينية وتمتلك الدول النووية الوسائل القادرة على إبادة الجنس البشرى عدة مرات.
إن تفسير هذا الرعب يصعب على أولئك الذين يقبلون المجتمع الحالي كما هو عليه، وهم مدفوعون للاستنتاج بأن هناك بعض الدوافع الغريزية لدى الإنسان تدفعه للاستمتاع بالمذابح الجماعية. ولكن المجتمع البشرى لم يكن يعرف دائما الحرب، فقد لاحظ جوردون شايلد على أوروبا في العصر الحجري “أن الدنوبانز الأوائل كان لديهم تقاليد سلمية فلم تكن لديهم أسلحة للحرب، تلك الأدوات كانت غائبة عن كهوفهم وقراهم كان ينقصها الدفاعات العسكرية. ولكن في فترة لاحقة أصبحت الأسلحة أكثر المصطلحات شيوعاً”.
إن الحرب ليست بسبب أي دوافع أو غرائز إنسانية عدوانية، إنها نتاج تقسيم المجتمع إلى طبقات، فمنذ خمسة آلاف وعشرة آلاف سنة مضت ظهرت أولى الطبقات التي تملك الثروة، كان عليها أن تجد الوسائل التي تدافع بها عن ثرواتها، فبدأت في إنشاء القوات المسلحة والدولة بعيداً عن بقية المجتمع. وأتاح لها ذلك فيما بعد زيادة ثرواتها عن طريق غزو ونهب المجتمعات الأخرى.
إن تقسيم المجتمع إلى طبقات أدى إلى أن تصبح الحرب صفة دائمة للحياة البشرية. فلم يستطع ملاك العبيد في روما واليونان القديمة الحياة بدون الحروب المستمرة التي تؤدى إلى زيادة أعداد العبيد، واضطر الأمراء الإقطاعيين في العصور الوسطى أن يسلحوا أنفسهم بكثافة لكي يحموا أراضيهم وأقنانهم من غزو الأمراء الإقطاعيين الأخرين.
وعندما بدأت الطبقة الرأسمالية الحكمة في الظهور منذ 300 أو 400 سنة مضت دخلت في حروب طويلة -استمرت منذ القرن السادس عشر حتى التاسع عشر- لكي تؤسس حكمها على أنقاض الحكم الإقطاعي. واستخدمت الدول الرأسمالية الأكثر نجاحا -مثل بريطانيا- الحروب لكي تزيد من ثرواتها من خلال نهب المستعمرات في ايرلندا والهند وما وراء البحار، ونقل ملايين الأشخاص كعبيد من أفريقيا إلى أمريكا وحولوا العالم كله إلى مصدر للنهب لأنفسهم.
أنشأ المجتمع الرأسمالي نفسه عبر الحرب، فلا عجب أن يعتقد من يعيشون فيه أن الحرب كانت ضرورية وعادلة. ولكن الرأسمالية لا يمكن أن تؤسس تماما على الحرب، فغالبية ثرواتها تأتى من استغلال العمال في المصانع والمناجم وهذه الثروة يمكن أن تقسم إذا ما حدث آي صراع في داخل الدولة نفسها. لذلك فكل طبقة رأسمالية محلية تريد السلام داخل أراضيها بينما تسعى لشن الحرب خارجها. فعندما تشجع المفاهيم “العسكرية” نجدها تهاجم بقوة “العنف”، فالإيديولوجية الرأسمالية تجمع بطريقة متناقضة تماماً بين تعظيم العسكرية والعبارات السلمية.
وفى القرن الحالي أصبحت الاستعدادات للحرب أكثر أهمية بالنسبة للنظام الرأسمالي أكثر من أي وقت مضى، ففي القرن التاسع عشر كان الإنتاج الرأسمالي يقوم على العديد من الشركات الصغيرة التي تنافس بعضها بعضاً. وكان جهاز الدولة محدوداً لينظم علاقاتهم مع بعضهم البعض ومع عمالهم، ولكن في القرن الحالي التهمت الشركات الكبرى غالبية الشركات الصغيرة لذلك قلت المنافسة داخل الحدود الدولة الواحدة. وأصبحت المنافسة أكثر وأكثر عالمية بين الشركات العملاقة في الدول المختلفة.
ولا توجد دولة رأسمالية عالمية لكي تنظم هذه المنافسة بل إن الدول الرأسمالية تقدم الدعم لرأسمالييها لكي يتميزوا عن منافسيهم الأجانب. إن صراع الحياة والموت للرأسماليات المختلفة مع بعضها البعض يصبح صراع حياة أو موت للدول المختلفة بكل ما تمتلكه من أسلحة تدميرية ضخمة.
حدث مرتين أن قاد هذا الصراع إلى حرب عالمية، فكانت الحرب العالمية الأولى والثانية حروبا إمبريالية بين الدول الرأسمالية للهيمنة على العالم. وكانت الحرب الباردة استمراراً لهذا الصراع بين أكبر الدول الرأسمالية الذين واجهوا بعضهم البعض بحلفي وارسو والناتو.
وكنتيجة لهذا الصراع العالمي اندلعت العديد من الحروب في أجزاء مختلفة من العالم. وعادة ما كانت حروبا بين الدول الرأسمالية المختلفة على من يسيطر على منطقة معينة -مثل الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت في 1980 واستمرت ثمانية سنوات- وتبارت القوى العظمى في بيع السلاح ذات التكنولوجيا المعقدة والحديثة لدول العالم الثالث.
ورغم ذلك فإن هناك العديد من الأشخاص الذين يقبلون بقية النظام الرأسمالي لا يحبون هذا الواقع الأليم، إنهم يريدون الرأسمالية ولا يريدون الحرب ويحاولون أن يجدوا بدائل داخل النظام، وعلى سبيل المثال يوجد من يعتقدون أن الأمم المتحدة يمكنها أن تمنع الحرب. وظهرت حركات للسلام في أوروبا وأمريكا الشمالية في نهاية السبعينات للدعوة لوقف الحروب ووقف إنتاج الأسلحة ولنزع السلاح. وهذه الحركات لم تفهم أن الطبقات الرأسمالية الحاكمة في كل مكان في العالم تعرف أن الحرب وسيلة لكي يزداد نفوذهم . ولتدعيم الوطنية لدى العمال والفلاحين فالحرب هي نتاج ضروري لتقسيم المجتمع إلى طبقات والتهديد بها لن انتهى في ظل بقاء هذه الطبقات الحاكمة.
إن اعتقاد حركات السلام بأنه يمكن النضال ضد الحرب بمعزل عن الصراع بين رأس المال والعمل كان سبب فشلهم، لأنهم فشلوا في تحريك وتعبئة القوة الوحيدة القادرة على وقف الاندفاع نحو الحرب وهى الطبقة العاملة، فالثورة الاشتراكية التي تقودها الطبقة العاملة يمكنها وحدها أن تنهى الرعب من الحرب.





