بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عالمة نفس تتحدى الطريقة التي ننظر بها إلى المرض النفسي

في منتصف عام 2024، تم الإعلان رسميًا عن تعافيّ من حالة صحية نفسية تُعرف باسم اضطراب الشخصية الحدّية (BPD). كان قرار هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) بأنني لم أعد أستوفي معايير هذا التشخيص بمثابة راحة لي ولم يكن مفاجئًا.

لم أكن قد عانيت من الأعراض المرتبطة باضطراب الشخصية الحدّية لمدة تقارب الثلاث سنوات، وهو ما تزامن مع قراري بالتوقف عن شرب الكحول وتحسُّن ظروفي المعيشية المادية. إلا أن اختفاء ما يعتبره بعض الأطباء النفسيين مرضًا مزمنًا وغير قابل للشفاء، أثار لدي العديد من التساؤلات.

هل كنت أعاني فعلًا من عقل مختل أو مريض، أم أن معاناتي كانت استجابة مفهومة لتجاربي وظروفي المحيطة؟ هل كانت التسمية التشخيصية مفيدة أم أنها حبستني داخل صندوق صغير موصوم بشدة؟ هل عطلت قدرتي على الوصول إلى معنى أعمق في قصة حياتي، مما أعاق رحلتي الإنسانية نحو النضج العاطفي من خلال الحكم على نسخة أصغر سنًا من نفسي بحمل عبء “شخصية مضطربة” إلى المستقبل، وربما بشكل دائم؟

بالنسبة للبعض، قد يكون تلقي التشخيص بمثابة راحة. إذ يمكن أن يكون ضروريًا للوصول إلى خدمات الصحة النفسية التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية والحصول على المساعدات الحكومية اللازمة للبقاء.

لكن، سواء اعتبرنا التشخيص النفسي مصدر تمكين، أو باعثًا على السكينة، أو وسيلة لتحقيق غاية، أو عبئًا موصومًا، أو حتى فارغًا في جوهره، فإنه من الجدير التأمل فيما إذا كان أحد أعظم إنجازات المشروع النيوليبرالي هو الفصل المنهجي بين سوء الصحة النفسية — أو المعاناة النفسية — وبين الوعي السياسي.
تقول الدكتورة لوسي جونستون، الاستشارية في علم النفس الإكلينيكي والمدربة المستقلة: “كنت بلا شك جزءًا من نظام يهدف إلى نزع الطابع السياسي عن معاناة الناس”.

تتحدث إليّ عبر تطبيق زووم، متجاهلة بأدب سعالي ورشحتي الناتجة عن نزلة شتوية، تتحدث إليّ جونستون التي تمتلك خبرة تزيد عن ثلاثين عامًا في العمل بمجال الصحة النفسية للبالغين، وتُعَدّ واحدة من واضعي إطار “القوة–التهديد–المعنى” (PTMF)، وهو بديل مفاهيمي للنماذج التي تقوم على تصنيف المعاناة العاطفية كأمراض واضطرابات طبية.

أما في موضوع الحوار، فإن جونستون تتخذ موقفًا حاسمًا. حين سألتها عمّا إذا كان من الممكن تحقيق صحة نفسية حقيقية أو رفاه نفسي في ظل النظام الرأسمالي، عارضت طريقة طرح السؤال.

تقول: “لا أعتقد أن مفهوم الصحة النفسية مفيد دائمًا. أؤمن أن الناس يعانون، يشعرون باليأس، يفقدون الأمل، يفكرون بالانتحار، ويجدون صعوبة بالغة في التأقلم مع حياتهم اليومية. لكنني لا أُسمي ذلك مشكلة صحة نفسية، لأنك بمجرد أن تفعل ذلك، تفصل بين السياق واستجابة الشخص.”

وتضرب جونستون مثالًا على ارتفاع معدلات المشكلات النفسية المبلغ عنها بين المعلمين. فتقول: “ما يقوله المعلمون هو: نحن مُنهكون، لا نملك الموارد، لدينا صفوف دراسية مكتظة، ومطلوب منا تحقيق جميع هذه الأهداف.” ووصف ذلك على أنه مشكلة صحة نفسية يدعو إلى حلول نفسية، بدلًا من الاعتراف بأنهم ببساطة يردّون بشكل مفهوم على ظروفهم المستحيلة.

وتضيف: “أعتقد أن هناك فرقًا شاسعًا بين أن نقول إن المعلمين مرهَقون ومحبطون، وبين أن نقول إن لديهم مشكلة نفسية — فالوصف الثاني يخفي السياق بالفعل.”
السياق هو جوهر إطار القوة–التهديد–المعنى، الذي يدرس كيف تؤثر إساءة استخدام السلطة — بدءًا من العنف والإيذاء وصولًا إلى العوامل الاجتماعية الأوسع مثل الفقر وعدم المساواة والتمييز — على حياة الأفراد.

ويعيد هذا الإطار تفسير الأعراض باعتبارها استراتيجيات بقاء، طُوّرت بوعي أو دون وعي، لتمكين الأفراد من حماية أنفسهم وتلبية احتياجاتهم الأساسية. ويُستخدم هذا الإطار حاليًا في عدد من المؤسسات التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية في لندن، كما يُوصى به كممارسة جيدة في دليل NHS England لعنابر المرضى النفسيين البالغين، ويهدف إلى مساعدة الناس على صياغة روايات أكثر أملًا عن حياتهم، بدلًا من أن ينظروا إلى أنفسهم باعتبارهم مذنبين أو ضعفاء أو ناقصين أو مرضى نفسيًا.

تُتابع جونستون قائلة: “لقد عملت لعقود داخل نظام الصحة النفسية، ولا أعتقد أنني التقيت يومًا بشخص، وبعد التعرّف عليه بشكل أعمق، لم أجد سببًا وجيهًا لما يشعر به.”

وفقًا لإطار القوة–التهديد–المعنى (PTMF)، إذا تتبعت معاناة شخص ما العاطفية بما فيه الكفاية إلى جذورها، ستجد دائمًا سياقًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا. ومع ذلك، تشدد جونستون على أن ذلك لا يعني غياب العوامل الأكثر مباشرة. وتقول: “إنها طبقات. الطبقات تُبنى فوق بعضها البعض. الضغوط التي يمارسها عليك أفراد عائلتك، على سبيل المثال، هي انعكاس للضغوط التي يمارسها عليك المجتمع الأوسع.”

وتُضيف: “إن الفكرة الكاملة التي تنظر إلى المعاناة، في بعض الحالات، على أنها مرض نفسي، ظهرت بالتزامن مع التصنيع في القرن التاسع عشر. فالحياة البشرية بطبيعتها تتضمن المعاناة — لا يمكننا تفاديها. ولكن، هل يخلق النظام الرأسمالي المعاصر مزيدًا من أشكال المعاناة التي تُصنَّف كاعتلالات نفسية؟ نعم، بلا شك. لأن أعدادًا هائلة من الناس محرومون مما يحتاجونه ليعيشوا حياة مريحة ومُرضية، وأيضًا لأن الرأسمالية تتطلب منا أن نظل في حالة من عدم الرضا؛ إذ إننا لن نستهلك المنتجات ما لم نشعر بذلك. فهي قائمة على عدم الرضا، وتعتمد عليه، وتخلق المزيد منه بشكل حتمي.”

من الصعب إنكار الارتفاع الحاصل في معدلات الأشخاص الذين يستوفون معايير الاضطرابات النفسية في دول الشمال العالمي. الرقم المتداول بأن “واحدًا من كل أربعة” أشخاص يعاني من مشكلة نفسية، والذي غالبًا ما تستشهد به الجمعيات الخيرية مثل “مايند”، يعود لعام 2007 وأصبح قديمًا.

وفقًا لدراسة أُجريت عام 2020، فإن 86% منا — أي ما يقرب من تسعة من كل عشرة أشخاص — سيستوفون معايير واحدة على الأقل من الاضطرابات النفسية بحلول سن الخامسة والأربعين. وإذا كنا نتجه نحو مجتمع يعاني فيه الجميع تقريبًا من اعتلالات نفسية، فربما حان الوقت لنحوّل أنظارنا بعيدًا عن الفرد وتسميات الاضطراب الفردية، إلى السياق الأوسع والبيئة والهياكل التي نعيش ضمنها.

وبالنسبة لجونستون، فإن الطريقة الوحيدة لفهم الارتفاع الأخير في أعداد الأشخاص الذين يستوفون معايير المشكلات النفسية، هي باعتباره “استجابة للمشروع النيوليبرالي، الذي يُلحِق، بطبيعة الحال، أضرارًا كارثية بالجميع، حتى أولئك الأكثر امتيازًا. لذا، أصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى إقناعنا بأن مشكلاتنا تنبع من داخلنا.”

إن تفسير “الشيء الكامن بداخلنا” — الذي يعرّف سوء الصحة النفسية كمشكلة في دماغ الفرد تتطلب تشخيصًا (تسمية) وحلولًا فردية (وغالبًا ما تكون مدرّة للربح)، بدءًا من الأدوية والعلاج بالكلام وصولًا إلى تطبيقات العافية وكتب المساعدة الذاتية ودروس اليوغا — لم يكن يومًا أمرًا راودني الشك فيه.

فمنذ سن السادسة عشرة، وُصفت لي أنواع مختلفة من مضادات الاكتئاب، وأُطلقت عليّ عدة تسميات تشخيصية. كانت معاناتي حقيقية، وأردت تفسيرًا نفسيًا لها. ومثلي مثل كثيرين، وجدت في البداية راحة وسكينة في تلقي تلك التشخيصات. فما هو أكثر إنسانية من رغبتنا في إيجاد إجابات، والانتماء إلى مجتمعات داعمة، والتوقف عن الشعور بأننا سيئون أو ضعفاء أو كسالى أو عاجزون عن التكيّف؟

وهنا يظهر تفسير “الدماغ/اللوم”، الذي طوّرته زميلة جونستون، البروفيسورة ماري بويل. تقول جونستون: “لدينا وسائل محدودة جدًا لفهم معاناتنا. فإما أن نُرجع الأمر إلى الدماغ، مع الرسالة الضمنية: ‘الحمد لله، لا داعي لأن أشعر بالذنب أو الخزي أو الفشل. أو، إذا لم يكن السبب في الدماغ، نُرجعه إلى أنفسنا: ‘لا بد أن الخطأ خطئي، لا بد أنني عديم القيمة، لا بد أنني فاشل. نحن بحاجة إلى إيجاد تفسيرات تقع في المنتصف، تفسيرات تُظهر كيف أننا نبذل قصارى جهدنا في ظروف شبه مستحيلة. وهذا خطاب أكثر دقة، وأكثر صعوبة في إيصاله.”

عندما يُنزَع الطابع السياسي عن المعاناة النفسية وتُجرد من سياقها ضمن النظام الرأسمالي المعاصر، تصبح مشكلة فردية — إما بتفسير “الدماغ” أو تفسير “اللوم”. ولا يكون هناك دافع للبحث عن تفسيرات جذرية وجماعية وسياسية لمعاناتنا وشعورنا بالضيق، ولا خطر في أن تُوضَع طريقة تنظيم المجتمع تحت المجهر.
وبالنسبة للجيلين “الألفية” و”زد” على وجه الخصوص، قد يتحول التشخيص النفسي إلى شكل من أشكال العلامة الشخصية أو تسليع الذات. ويتجلى ذلك بوضوح في النظام البيئي الضخم للمؤثرين في مجال الصحة النفسية وصنّاع المحتوى الذين يسوّقون لأنفسهم عبر تشخيصاتهم كهوية — مما يحقق لهم ميزة إضافية، وهي ضمان أن تُظهر الخوارزميات محتواهم لجماهير مهتمة.

“لماذا لا يتمتع أيٌّ منّا تقريبًا بهوية مستقرة وآمنة؟” تسأل جونستون. سؤالها كان بلاغيًا، لكنني أشرت إلى تفتّت المجتمعات، والعزلة الاجتماعية، والعمل غير المستقر، والفقر، والمطالب المستمرة للأداء على وسائل التواصل الاجتماعي، والانفصال عن الطبيعة. فتجيب: “في هذا الفراغ، يصبح هناك متسع لبيع هوية جديدة وفورية.”

أسأل جونستون كيف يمكننا تحدي السرديات الفردية المحيطة بالصحة النفسية وتوظيف روح الجماعية، والتضامن، والوعي الطبقي لمواجهة التجارب المؤلمة من شعور بالوحدة، والقلق، والفراغ، وانعدام القيمة الذاتية في ظل الرأسمالية.

فتقول: “أعتقد أن الأمر، بطريقة ما، يعود إلى ذلك المصطلح القديم: ‘رفع الوعي’. في خدمات الصحة، نحن كأخصائيين نفسيين لدينا بديل عن إطلاق التسميات: وهو ‘التكوين النفسي’. هذا مصطلح تقني يعني: ‘سنعمل معًا على وضع قصة شخصية حول أصول معاناتك.” المناهج القائمة على فهم الصدمات النفسية مثل إطار القوة–التهديد–المعنى (PTMF) والتكوين النفسي، تعطي الأولوية لتفسير مشترك، دائم التطور ومُشيد بالتعاون حول المعاناة، دون أن يتطلب بالضرورة تصنيف الشخص أو إطلاق تشخيص عليه. وتُكمل: “لا حاجة لأن نقول، ‘لأنك مصاب باضطراب في الشخصية’ — فهذا يصبح بلا جدوى.”

وتتخيل جونستون عالمًا لا يهيمن فيه النموذج الطبي البيولوجي للصحة النفسية. ومع ذلك، تُطرح تساؤلات حول مدى سرعة تحقق ذلك. هي وزميلتها بويل تعترفان بأنه، على المدى القصير، وفي ظل نظام المساعدات الاجتماعية القاسي وغير الكافي، “ستظل هناك حاجة للتشخيصات النفسية ليتمكن الأشخاص من الوصول إلى الخدمات”، مع التأكيد على أن “الأولوية هي حماية حقوق متلقي الخدمات في الوصول إلى الموارد والدعم الأساسيين.”

لكنها مع ذلك تخبرني أن هناك مؤشرات على أن السردية الحالية “تتآكل”، مذكّرةً إيّاي بأن التاريخ شهد ظهور طرق جديدة لرؤية العالم كانت غير متوافقة تمامًا مع النماذج السابقة — وأثارت قدرًا هائلًا من المقاومة.

وتضيف: “النموذج الجديد يجب أن يكون قائمًا على الفهم السردي، وهناك العديد من هذه السرديات، لا سيّما في المجتمعات غير الغربية التي لم تُستعمر بعد بنمط تفكيرنا. يجب أن تُبرز هذه السرديات الروابط بين معاناتنا وسياقنا الاجتماعي […] ما لم نُغير السردية الأساسية، سنظل ندور في نفس الحلقة.”

بقلم هارييت ويليامسون، منشور في موقع Novara Media بتاريخ 17 فبراير 2025
هارييت ويليامسون صحفية ومحررة سابقة في “بينك نيوز” وصحيفة “الإندبندنت”.