كيف يمكن للعمال أن يصبحوا ثوريين

إن الاشتراكية من أسفل تعني أن تتولى الطبقة العاملة زمام المجتمع، وأن تديره بنفسها ولصالحها. ولكن ماذا لو كان العمال غير مهتمين بلعب هذا الدور؟ ماذا لو أنهم لا يرون أنفسهم بالأساس كجزء أساسي من الطبقة العاملة؟
لقد بدأ كارل ماركس في التفاعل مع هذه القضية ومحاولة فهمها في القرن التاسع عشر.
لقد ميز كارل ماركس بين “الطبقة في ذاتها ” و” الطبقة لذاتها “. فالناس يصبحون جزءً أساسياً من الطبقة العاملة حين يُجبرون – بحكم الحاجة – إلي بيع قوة عملهم لصاحب العمل من أجل البقاء.
إنه تعريف موضوعي، فكل من يعمل لكسب لقمة العيش، فهو يُعد من الطبقة العاملة، سواء كان يعد نفسه كذلك أم لا.
لكن هذا لا يجعل الطبقة العاملة بشكل تلقائي طبقة “لذاتها”، فالطبقة تصبح طبقة “لذاتها ” حينما تبدأ في التنظيم الجماعي من أجل المصالح المشتركة.
فمثلاً إذا كنت إشتراكياً في مكان عملك أو تتحدث مع الناس في الشارع، فإنك ستجد بعض من يوافقونك الرأي. لكنهم يظلون أقلية. وفي المقابل، ستجد آخرين يعبرون عن أفكار رجعية أو عنصرية بشكل كامل.
لكن أغلب الذين ستقابلهم سيحملون خليطاً من الأفكار. وكثيراً ما يؤمنون بأفكار متناقضة أو حتى متعارضة بشكل مباشر مع بعضها البعض.
فمثلاً قد يقول شخص: إن مديري عديم الفائدة ولا يعرف شيئاً عن كيفية إدارة العمل.
ولكنه يقول لاحقاً أيضاً: لا يمكننا فرض ضرائب علي الأغنياء لأنهم قد يغادرون البلاد، ونحن بحاجة إليهم لخلق فرص عمل.
إن الجماهير التي تسير جنباً إلي جنب مع الاشتراكيين الثوريين في الحراكات الجماهيرية قد لا يتفقون بالضرورة مع كل ما يطرحه الاشتراكيون الثوريون من أفكار. فقد يكونوا مناهضين للعنصرية، ولكنهم ليسوا مقتنعين بوجود عالم بلا حدود، أو قد يكونوا لا يشاركونا الرأي بشأن تحرر العابرين/ات جنسياً، أو ضرورة مواجهة الصهيونية.
ليس من الغريب أن يؤمن الناس بجميع تلك الأفكار المختلطة والمتناقضة. فكما قال كريس هارمان: “إن هذه الأفكار تنشأ من التفاعل بين تجارب الناس والأفكار السائدة في المجتمع الذي يحيون بداخله”.
نحن نتعرض جميعاً وباستمرار إلي جرعة يومية من الأفكار التي يروج لها السياسيون، ومؤسسات التعليم، ووسائل الإعلام، التي تخبرنا أننا جميعاً نعيش في حالة من التنافسية والفردانية.
إنهم يشجعوننا على التطلع بإعجاب إلى العائلات المالكة، وعلى إزدراء المضطهدين بدلاً من التوحد معهم. قد قال ماركس: ” إن أفكار الطبقة الحاكمة – في كل عصر – هي الأفكار السائدة “.
قد نري أن هذه الأفكار لا تخدم المصالح الحقيقية للناس. لكن هذا لا يعني أن العمال هم مجرد ضحايا خداع تمارسه الطبقات الحاكمة. ولو كان حقاً الأمر كذلك، فنحن بحاجة إلي أزالة تلك الغشاوة عن أعينهم، لكي يروا حقيقة الأوضاع.
إن الماركسي الإيطالي أنطونيو جرامشي قد عاد إلى تناول مسألة الوعي الطبقي في نهاية عام 1920. فقد ميز جرامشي بين ما أطلق عليه “الحس المشترك” و”الحس السليم”.
إن “الحس المشترك” هو المزيج المتناقض من الأفكار والمعتقدات التي يؤمن بها العمال. إنه نوع من الفهم الضمني لكيفية سير العالم، لكنه مجزأ وغير متماسك.
لكن هذا الخليط يتضمن ما أطلق عليه جرامشي “النواة للحس السليم”، هي التي بإمكانها أن تتجاوز الحس المشترك وتتحول إلي رؤية نقدية. وبتعبير آخر، يمكن للناس أن يطوروا فهماً ورؤية أكثر نقدية وتماسكاً لكيفية عمل وسير العالم من حولهم.
ولكن كيف يمكننا دفع الناس إلي التفكير بهذا “الحس السليم” وتبنيه؟
يرى بعض اليساريين أن الطريق إلى التغيير يأتي عبر تحسين التعليم. ويهدفون إلى تقويض العنصرية عبر استهداف الناخبين المحتمل تصويتهم إلي أحزاب اليمين المتطرف، ومحاولة شرح الأمور لهم، وإقناعهم بأن معلوماتهم وتصوراتهم غير صحيحة.
إن هذا النوع من التفكير متجذر في الرؤية الليبرالية التي ترى أننا جميعاً في صراع بين الأفكار، وأن الأفكار الأفضل، ينتصر أصحابها في النهاية، إذا استطاعوا فقط إيصال أفكارهم إلي عدد كافي من الناس.
غالباً ما يتجسد ذلك على هيئة جلسات تجريبية تهدف إلى تمكين مناهضي العنصرية من تطوير أفضل الحجج وإستخدامها في توعية الناس واطلاعهم عليها. إن الهدف يبدو أن يتمكن طرفنا في نهاية المطاف من الإنتصار عبر دفع الناس تدريجياً إلى تبني وجهة نظرنا.
إن التعليم يعتبر جانب مهم فيما يقوم به الاشتراكيين. فغالباً ما نحاول مواجهة أكاذيب العنصريين عن طريق نشر معلومات ومنشورات توعوية. ونؤيد أيضاً إقناع الناس برفض ومواجهة الأفكار العنصرية المتعصبة. كما نريد أن يفهم الناس بشكل أعمق كيف يسير العالم من حولهم، وأن يكتسبوا ثقة أكبر في الأفكار الإشتراكية.
لكن إستراتيجية إقناع الناس بحجج فردية، تتجاهل الكيفية التي يمكن بها لأفكار الناس أن تتغير على نطاق جماعي واسع في المواقف والموجات الثورية، يمكن أن يحدث ذلك بوتيرة سريعة للغاية، لأن “الحس المشترك ” لدى الناس يصطدم بواقعهم المادي وتجاربهم المباشرة.
في عام 1913 كانت روسيا تحتفل بمرور 300 عام على حكم عائلة رومانوف. وشارك القيصر الروسي نيقولا الثاني وعائلته في جولة على متن باخرة بخارية على نهر الفولجا. وفي كل مكان ذهبوا إليه، أقيمت الإحتفالات. وصفت ابنة القيصر الروسي الكبري (أولجا نيكولايفنا رومانوفا) شاهد حشود العمال وهم يندفعون للسقوط على الأرض وتقبيل ظل والدها. كانت المدن تُزين بالأعلام والملصقات وكميات كبيرة من الأشرطة الصفراء والسوداء، الألوان التي ترمز لعائلة رومانوف.
للمرة الأولى، أُنتجت طوابع بريدية تحمل صورة القيصر، لكن عمال البريد تسببوا في مشكلات بالبريد، بعدما رفضوا تشويه صورة نيكولاس الثاني عند ختمها.
لقد شهدت روسيا موجة من النضالات الثورية في عام 1905، حينما فوجئت الديكتاتورية الروسية بالإضرابات الجماهيرية التي شارك فيها مئات الآلاف من العمال.
اضطر القيصر إلي الموافقة علي إنشاء الدوما، أي البرلمان، رغم أن صلاحياته كانت محدودة للغاية. بحلول عام 1913، وبعد حتواء الثورة عن طريق القمع الوحشي، شعر القيصر وعائلته بالأمان الكافي للاستمتاع بحياتهم الفارهة.
لكن تحت السطح الذي يبدوا هادئاً، كانت تتصاعد التوترات الطبقية. وخلال عدة سنوات فقط، كان النظام القديم قد إنهار.
لقد خلقت الحرب العالمية الأولى مآسي عديدة، وأدت إلي مقتل مليون وسبعمائة ألف شخص في روسيا. وفي بداية عام 1917، قادت عاملات مصانع النسيج إضرابات جماهيرية وعمالية إحتجاجاً على نقص الخبز.
اتسعت الحركة لتشمل نصف عمال مصانع سانت بطرسبرغ البالغ عددهم 400 ألف عامل، وبدأت الحركة بالمطالبة بإنهاء الحرب والديكتاتورية. وأُجبر القيصر، الذي بدا وكأنه يمتلك موازين القوى، على التنازل عن العرش.
بحلول أكتوبر، كان هناك مئات المجالس العمالية أو “السوفيتات” في جميع أنحاء روسيا. وقد تشكلت هذه المجالس من مندوبين منتخبين من أماكن العمل بعدما بدأ الناس بتنظيم أنفسهم بشكل ديمقراطي للسيطرة علي حياتهم. وتمكن البلاشفة فيما بعد بقيادة ثورة ثانية، أطاحت بالحكومة المؤقتة التي كانت أقيمت في فبراير.
لقد أطاحت الثورة الروسية بكل الأفكار الرجعية التي كانت تعتبر من الثوابت، فغيرت حياة النساء كمثال، منحت الثورة للنساء حق التعليم، وحق التصويت، وحق الإجهاض، والمساواة في العمل والميراث، كما فتحت المجال أمام النساء والرجال لإختبار أساليب جديدة في الحياة.
عبرت أعمال الثورية ألكساندرا كولونتاي عن السرعة التي تغيرت بها تطلعات الناس. ففي قصة لها تحت عنوان ” الأجيال الثلاثة “، تقول زينيا لوالدتها: بمجرد ألا تصبح لدي مشاعر تجاه شريكي، سوف نتفق بشكل متبادل علي الإنفصال، ويمضي كلُ في طريقه، وربما أجد شخص آخر، وربما لا.
في كل ثورة حدثت منذ ذلك الوقت، سواء في البرتغال 1974-1975، أو الثورة المصرية في 2011، أو الثورة السودانية عام 2018-2019، يمكننا رؤية أمثلة مشابهة على التحولات الجذرية في أفكار الناس عندما يشاركون بأعداد هائلة وبشكل جماعي في نضالات جماهيرية. بالطبع، لا يمكننا إنتظار ثورة حتي تتحول الطبقة العاملة إلى “طبقة لذاتها”. لكن الطريقة التي تتصادم بها أفكار الطبقة الحاكمة مع تجارب الناس اليومية، من الممكن أن تخلق فرصاً للاشتراكيين يتمكنوا عبرها من إثارة أفكارنا.
يوجد الآن هناك حركة جماهيرية استثنائية في شوارع مينيسوتا. صحيح أنها بعيدة كل البعد عن كونها وضعاً ثورياً، لكن أعداد كبيرة من الناس يُقال لهم من قبل الرئيس أن المهاجرين هم المسؤولين عن الجريمة. وهم يرفضون تلك الأكاذيب.
إن تجربة العيش والعمل بجانب أشخاص من خلفيات مختلفة، تتعارض مع الأفكار الرجعية التي يتعرض لها الناس.
إن العمال الذين يئسوا قبل بضعة أشهر من صعوبة تنظيم أنفسهم في أماكن العمل، يشاركون الآن في مسيرات بجانب زملائهم، أو أنهم يشاركون جيرانهم في إقامة حواجز على الطرق لمنع دخول العملاء الفيدراليين إلي مناطقهم – وهو أمر لم يكن يتخيل الكثير منهم يوماً القيام به -.
إن المشاركة في هذه النضالات يمكن أن تبدأ في تقويض الأفكار الرجعية، يتطلب الأمر فقط تنظيماً من قبل الثوريين لاستغلال هذه الفرص، وتنظيم أكثر العمال وعياً بطبقتهم.
*نشر المقال في جريدة العامل الاشتراكي البريطانية





