بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في نقد مدرسة التبعية

ثمة فخ نظري خطير يقع فيه كثير من اليسار: أن تبدأ بأدوات ماركس وتنتهي بنتائج بيسمارك. مدرسة التبعية لم تقع في هذا الفخ بالصدفة، بل بحكم عيب منهجي بنيوي في صميم مشروعها، عيب يجعلها تُشخّص الرأسمالية العالمية بدقة وتقترح حلاً يعيد إنتاجها بوجه مختلف. هذا المقال ليس رفضاً لكل ما أنجزته المدرسة. أندريه غوندر فرانك وأرغيري إيمانويل وسمير أمين كشفوا ما ظل مخفياً طويلاً: أن التخلف ليس حالة أصلية بل نتاج مُنتَج، وأن التنمية في المركز والتخلف في الأطراف وجهان لعملة واحدة. لكن التشخيص الصحيح لا يضمن الوصفة الصحيحة، والوصفة هنا خاطئة بشكل يستحق المحاكمة الصريحة، لأن الخطأ النظري في لحظات كهذه ليس ترفاً أكاديمياً بل عائق مادي أمام أي إمكانية حقيقية للتحرر.

النقطة التي تنهار عندها مدرسة التبعية ليست في تحليلها للنظام الرأسمالي العالمي، بل في سؤال واحد تتحاشى الإجابة عنه بوضوح: من هو الفاعل التاريخي القادر على تغيير هذه البنية؟ سمير أمين، وهو أكثر ممثلي المدرسة تطوراً وعمقاً، يقع هنا في تناقض بنيوي صارخ. حين يحلل اقتصاد المركز الرأسمالي يستخدم لغة طبقية صارمة: تراكم رأس المال، استغلال قوة العمل، فائض القيمة، تناقضات بنيوية لا تحلها إلا إعادة تنظيم علاقات الإنتاج ذاتها. لكن حين ينتقل للحديث عن الأطراف يتحول الفاعل الرئيسي تلقائياً من الطبقة إلى الأمة، ومن الصراع الطبقي إلى مواجهة الهيمنة، ومن البروليتاريا إلى “الشعوب.” نظامان تحليليان مختلفان يعملان في نص واحد، دون أن يُقدم أمين أي مبرر نظري لهذا الانقسام، لأن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال ستُفكك أطروحته من الداخل.

أرغيري إيمانويل في نظرية التبادل غير المتكافئ، التي طوّرها في كتابه “L’Échange Inégal” عام 1969، يُثبت بشكل مقنع أن الدول الغنية تستفيد من التبادل التجاري الدولي على حساب الدول الفقيرة عبر آلية أجور متفاوتة تُتيح نقل فائض القيمة من الأطراف إلى المركز بصورة منهجية. لكن حله الضمني هو تصحيح هذا التبادل عبر الحماية الجمركية والتنمية الوطنية المستقلة، أي رأسمالية وطنية مُصلَحة لا تجاوز للرأسمالية ذاتها. يبدأ من ماركس وينتهي إلى فريدريك ليست. أما أندريه غوندر فرانك، الذي أرسى في كتابه “Capitalism and Underdevelopment in Latin America” عام 1967 أطروحة أن التخلف نتاج تاريخي مُنتَج لا حالة أصلية، فقد دفع هذا المنطق في مسار يجعل الخروج من التبعية مشروطاً بإعادة بناء علاقة الأطراف بالنظام العالمي عبر الدولة الوطنية، وهو في جوهره رأسمالية قومية تُدار عبر الدولة حتى لو لم يُسمها بهذا الاسم. أما سمير أمين فيدفع هذا المنطق إلى نهايته الصريحة في مشروع “فك الارتباط” عن النظام العالمي الذي طوّره في كتابه “Delinking: Towards a Polycentric World” عام 1990، ولم يواجه نتائجه المنطقية بالصراحة الكافية.

هذا التناقض المشترك بين الثلاثة ليس هفوة أسلوبية ولا قصوراً فردياً. هو نتيجة حتمية لرفض سؤال الفاعل الطبقي. حين لا تجيب على “من يُغير؟” تجد نفسك مضطراً للإجابة بالأمة، لأنها الكتلة الوحيدة المتاحة حين تتخلى عن الطبقة. وحين تضع الأمة في موقع الطبقة كفاعل تاريخي، لا تُعيد فقط صياغة التحليل بل تُعيد توجيه السياسة بأكملها. فجأة تصبح البرجوازية الوطنية، الطبقة التي أثبت التاريخ مراراً أنها تفضل التسوية مع الإمبريالية على تعبئة العمال، شريكة محتملة في “الجبهة الوطنية.” وفجأة يصبح قمع الإضرابات مقبولاً في ظروف المعركة. وفجأة يصبح العامل الذي يطالب بحقه عائقاً أمام مشروع التحرر.

“العمال ليس لهم وطن.” جملة ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي ليست شعاراً رومانسياً، بل تشخيص مادي دقيق لموقع الطبقة العاملة في علاقات الإنتاج، موقع يجعل مصلحتها البنيوية في إلغاء الاستغلال لا في الحفاظ على الدولة القومية التي تُديره وتُعيد إنتاجه. الطبقة العاملة في مصر والطبقة العاملة في ألمانيا تشتركان في شيء جوهري واحد: كلتاهما تبيع قوة عملها لمن يمتلك وسائل الإنتاج، وكلتاهما تُنتج فائضاً يُستخرج منها بصورة ممنهجة. هذا الواقع المشترك لا تلغيه الحدود الجغرافية ولا تفاوت مستويات المعيشة بين المركز والأطراف، وإن كانت نظرية التبادل غير المتكافئ عند إيمانويل تكشف بجلاء أن هذا التفاوت ليس طبيعياً بل مُنتَجاً بآليات بنيوية محددة داخل نفس المنظومة الرأسمالية.

النتيجة التاريخية لاستبدال الطبقة بالأمة ليست افتراضاً نظرياً بل وثيقة دم موثقة. المجلس العسكري يعدم العاملين الشهيدين خميس والبقري، ثم يعلن ناصر التحرر الوطني ويرفع شعار الكرامة والسيادة. الجبهات الشعبية تبتلع الطبقة العاملة وتُسكتها باسم المعركة الكبرى، ثم تتفاوض مع الإمبريالية حين تضعف، وتُسلّم ما كانت تدعي حمايته. هذا المسار تكرر في القاهرة وداكار وجاكرتا وبغداد والخرطوم، وفي كل مكان اعتمد فيه التحرر الوطني على تجميد الصراع الطبقي الداخلي باسم الوحدة الوطنية.

غير أن هذا الخطأ لم يكن حكراً على الناصريين وحدهم، بل كان خطأ اليسار الستاليني المصري ذاته قبل أن يكون خطأهم، وكان خطأً مُدمّراً لأنه لم يأتِ من الخارج بل نبع من الداخل النظري للمشروع نفسه. الحزب الشيوعي المصري الذي ناضل عقوداً وقاسى القمع الناصري في سجون الواحات، انتهى عام 1965 إلى حل نفسه طوعاً والانضمام بأعضائه إلى الاتحاد الاشتراكي العربي، أي إلى الجهاز البيروقراطي للدولة ذاتها التي كانت تسجنهم بالأمس. لم يكن ذلك مجرد هزيمة سياسية بل انهيار نظري كامل، إذ كشف أن اليسار الستاليني المصري لم يملك في نهاية المطاف مفهوماً حقيقياً للاستقلالية الطبقية يُتيح له الوقوف في مواجهة دولة تتكلم لغة التحرر والسيادة. منطق المراحل الحتمية الستاليني، الذي يجعل التحرر الوطني شرطاً سابقاً للتحرر الاجتماعي، أوصل أصحابه بالضرورة إلى القبول بقيادة البرجوازية الوطنية ممثلةً في الجيش والدولة، وحين تُقبل بهذه القيادة لا تعود تملك معياراً مستقلاً تنتقد به ولا حدوداً تقف عندها.

هذا المنطق بعينه هو ما أعاد إنتاج نفسه في الثالث من يوليو 2013، لكن هذه المرة بصورة أكثر فجاجةً وأشد كشفاً. حين نفّذ الجيش انقلابه، لم يقف إلى جانبه الناصريون وحدهم، بل وقف معهم اليسار القومي والعروبي والستاليني بكل أطيافه، من حزب التجمع إلى بقايا الحزب الشيوعي المصري وامتداداته، مُرحّبين بـ”تصحيح مسار الثورة” على يد الجيش ذاته الذي صاغت يوليو طابعه البيروقراطي العسكري منذ البداية. والأهم أن هذا الموقف لم يكن انحرافاً عن مبادئهم ولا خيانةً لتاريخهم، بل كان تطبيقاً أميناً ومتسقاً لمنطق مدرسة التبعية ذاتها: حين تضع السيادة الوطنية فوق الصراع الطبقي وتجعل الدولة الوطنية حاملة مشروع التحرر بصرف النظر عن طبيعتها الطبقية، فأنت بذلك تُسلّم نفسك مسبقاً لمن يمسك الدولة. وحين يمسكها الجيش ويرفع شعار السيادة ومواجهة المؤامرة الخارجية، لا تملك من داخل منطقك أي أداة نظرية للمقاومة، لأنك أفرغت مسبقاً كل محتوى طبقي من مفهوم التحرر. وحين وقعت مجزرة رابعة في أغسطس 2013 وسقط أكثر من ألف قتيل في ساعات، صمت معظمهم أوغيّبوا أنفسهم، لأن بنيتهم الأيديولوجية لا تملك أدوات لإدانة دولة يضعونها في موقع الفاعل التاريخي للتحرر. الاستقلالية الطبقية حين تُفقد لا تُسترد بالشعارات، وحين تذهب تذهب معها القدرة على قول لا في اللحظة التي يكون فيها لا ضرورةً وجودية.

المفارقة في قلب مدرسة التبعية هي أنها وُلدت لتفسير فشل مشاريع التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات، لكنها انتهت إلى توفير الغطاء النظري لتكرارها. حين يقول أمين إن “فك الارتباط” هو الحل، هو يقول ضمناً: جربوا نفس الوصفة مرة أخرى لكن بجدية أكبر. والسؤال الذي لا تجيب عنه المدرسة هو: من سيُنفذ هذا الفك؟ الجواب الضمني غير المُعلن هو دائماً الدولة، أي بيروقراطية عسكرية أو حزبية تتولى تمثيل مصالح الشعب وتتكلم باسمه وتحكم بدلاً منه. وهذا بالضبط ما أنتج رأسمالية الدولة الناصرية والبعثية والسوفيتية: بيروقراطيات بدأت بشعارات التحرر وراكمت الامتيازات في الظل وأعادت إنتاج الاستغلال بوجه مختلف، ثم انهارت وفتحت الباب للرأسمالية الغربية بشروط أسوأ مما كانت عليه قبل التحرر.

يُقدّم خصوم تروتسكي، من ناصريين وستالينيين وتبعيين على حد سواء، الثورةَ الدائمة كمغامرة طوباوية تتجاهل الشروط الموضوعية وتقفز فوق مراحل تاريخية حتمية. هذا التشويه يكشف أكثر مما يخفي، لأن الثورة الدائمة في جوهرها ليست استراتيجية ثورية ضيقة بل رفض منهجي للمادية الميكانيكية التي حوّلت الماركسية من علم التحرر إلى علم المراحل الحتمية المتعاقبة. ماركس نفسه حذّر في رسائله الأخيرة إلى فيرا زاسوليتش من تحويل تحليله التاريخي لأوروبا الغربية إلى نظرية عالمية صارمة يجب أن تمر بها كل المجتمعات بالترتيب ذاته. تروتسكي التقط هذا التحذير وطوّره في مواجهة الستالينية التي أعادت إنتاج المادية الميكانيكية بصورة أكثر جموداً وأشد خدمةً للبيروقراطية الحاكمة. فأثبت أن التطور اللامتكافئ والمركّب للرأسمالية في البلدان المتأخرة يجعل من المستحيل تكرار المسار الأوروبي، وأن البرجوازية في هذه البلدان، المرتبطة عضوياً بالسوق العالمي والخائفة من تعبئة الجماهير أكثر بكثير من خوفها من الهيمنة الأجنبية، عاجزة بنيوياً لا سياسياً فقط عن إنجاز مهام الاستقلال والتنمية الشاملة. ومن هنا النتيجة الحتمية: إما أن تقود الطبقة العاملة بنفسها، أو تأتي قيادة بديلة من البيروقراطية العسكرية أو الحزبية، وما تُنتجه هذه القيادة البديلة هو دائماً ثورة مضادة بخطاب ثوري وشعارات تحرر. والأهم أن الثورة الدائمة تحل إشكالية البيروقراطية من الجذر لا من الفروع، لأنها لا تُفوّض الطبقة العاملة لحزب يمثلها ولا لدولة تتكلم باسمها. حين تكون الطبقة هي الفاعل المباشر المنظَّم في مواقع الإنتاج ذاتها، تُقطع الدائرة التي أنتجت ستالين وناصر والأسد في مراحل مختلفة من نفس المنطق البيروقراطي.

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين الاشتراكية العلمية ومدرسة التبعية في أوضح صوره. مدرسة التبعية تسأل: كيف نبني دولة وطنية مستقلة قادرة على مواجهة الهيمنة الخارجية وتحقيق التنمية داخل النظام الرأسمالي العالمي أو على هامشه؟ الاشتراكية العلمية تسأل سؤالاً مختلفاً جذرياً: كيف تُحرر الطبقة العاملة نفسها من كل أشكال الاستغلال بما فيها دولتها الوطنية التي تُديره؟ السؤالان لا يلتقيان لأنهما لا ينطلقان من نفس الموقع الطبقي ولا يخدمان نفس المصلحة المادية. مدرسة التبعية لم تُميّز يوماً بوضوح كافٍ بين الاشتراكية ورأسمالية الدولة، وفي أحيان كثيرة دافعت عن الأخيرة باعتبارها مقاومة للأولى. وبذلك أسهمت في تشويه مفهوم الاشتراكية وتحويله إلى شعار يرتديه أي نظام يحتاج لشرعية ثورية، من القاهرة الناصرية إلى الجزائر بعد الاستقلال إلى أنظمة أفريقية لم يتبق منها اليوم إلا أجهزة القمع وديون صندوق النقد الدولي. والأخطر أن هذا التشويه لا يُفسد التحليل النظري فقط بل يُشوّه قدرة الطبقة العاملة على تصور بديل حقيقي خارج إطار الدولة القومية، وهذا أخطر أشكال الهيمنة على الإطلاق، ليس القمع المباشر بل استحالة تخيّل الخروج.

السؤال الذي يُلقيه خصوم الثورة الدائمة دائماً، أين تحققت نظريتك؟ ينطوي على مغالطة مضمرة. الاشتراكية بمعناها الدقيق، التحرر الذاتي للطبقة العاملة وسلطتها الفعلية على وسائل إنتاجها وقرارها السياسي المباشر، لم تتجاوز لحظات مضيئة سرعان ما قُضي عليها: كومونة باريس ثلاثة وسبعون يوماً ثم الغرق في الدم، مجالس السوفيتات الروسية قبل أن تُبتلع تدريجياً بالبيروقراطية البلشفية التي حوّلتها إلى ديكور للسلطة المركزية، لحظات متفرقة في تاريخ الحركة العمالية لم تُعطَ الوقت الكافي لتُثبت قدرتها على بناء نظام مستقر. ما جُرِّب في القرن العشرين وسُمّي اشتراكية كان في معظمه رأسمالية دولة بخطاب اشتراكي. والفارق ليس أيديولوجياً بل مادياً محدداً: في رأسمالية الدولة يُستخرج فائض القيمة من العمال ويتراكم في يد بيروقراطية حاكمة بدلاً من رأسمالي فردي، وهذا لا يُغير طبيعة الاستغلال بل يُغير هوية المستغِل فقط. الاشتراكية لم تُهزم. لم تُجرَّب بعد. والفرق بين الجملتين هو الفرق بين اليأس والثورة.​​​​​​​​​​​​​​​​