تصدع التفاعلات بين المجتمع والطبيعة
لماذا طحنت ليفربول 180 ألف قطة مصرية محنطة؟

في مزاد أُقيم في مدينة ليفربول يوم 10 فبراير 1890، بيعت نحو 180 ألف مومياء لقطط مصرية أثرية محنطة، بلغ وزنها الإجمالي قرابة 20 طنًا، لاستخدامها سمادًا زراعيًا. وكانت هذه القطط قد اكتُشفت على يد فلاح قرب قرية إسطبل عنتر، بالقرب من بني حسن بمحافظة المنيا، داخل نطاق معبد قديم للإلهة باخت. اشترى بعض السياح المومياوات المميزة من أطفال القرية، بينما بيع الباقي وشُحن إلى ليفربول بوصفه مادة خامًا للتسميد. في ذلك الوقت، كانت بعثات التنقيب الأوروبية تبحث عن الكنوز والتوابيت الذهبية، وكانت مومياوات الحيوانات تُعامل باعتبارها عائقًا أمام الحفر. وهكذا، فإن القطط التي قُدمت يومًا قرابين أو سعيًا إلى الخلود في الحياة الأخرى، انتهى بها الأمر ضحيةً للتسليع المخبول في السوق الرأسمالية.
صناعة نبش القبور
لم تكن تلك الواقعة استثناءً. ففي القرن التاسع عشر، تحولت أزمة خصوبة الأراضي الزراعية في أوروبا إلى معضلة حقيقية، دفعت القوى الصناعية إلى نهب الجثث والمواد العضوية من أنحاء أوروبا والعالم لتسميد أراضيها. ومع التوسع الصناعي وتراجع خصوبة التربة، أصبحت البقايا البشرية والحيوانية ذات قيمة اقتصادية مرتفعة.
شهدت حروب أوائل القرن التاسع عشر، خصوصًا الحروب النابليونية، مستويات غير مسبوقة من استخدام المدافع والبنادق، بالتزامن مع استخدام أعداد كبيرة من الخيالة. ففي معركة واترلو، آخر معارك نابليون، قُتل عشرات الآلاف من الجنود والأحصنة خلال يوم واحد. ورغم ذلك، لم يعثر المنقبون لاحقًا إلا على جثتين فقط. وتكرر الأمر في مواقع معارك عديدة من تلك المرحلة؛ إذ اختفت الجثث تمامًا، وانتشر نبش المقابر، بما فيها مقابر تعود إلى العصور الوسطى، لاستخدام العظام والبقايا العضوية سمادًا للزراعة.
ظهرت أزمة خصوبة التربة في القرن التاسع عشر بالتوازي مع التحولات الرأسمالية في أنماط الملكية والإنتاج الزراعي. ومن هنا تبلورت نواة نظرية «الصدع التفاعلي» أو «الصدع الأيضي»، التي طورها كارل ماركس لتحليل التحولات الإيكولوجية المرتبطة بالرأسمالية. استند ماركس إلى أبحاث الكيميائي الألماني يوستوس فون ليبيغ، الذي لاحظ تراجع العناصر المغذية في التربة، وربط ذلك بالزراعة الصناعية وانتقال المغذيات مع تصدير المنتجات الزراعية والمصنعة عبر العالم.
يصف مصطلح الأيض العمليات الكيميائية التي تجري في الكائنات الحية لتحويل الغذاء إلى طاقة تمكّنها من أداء وظائفها. وقد صاغ ماركس المصطلح بوصفه استعارة للتفاعلات بين المجتمع والطبيعة؛ فالمجتمع يستمد «غذاءه» من الطبيعة، بما يشمل الغذاء حرفيًا، لكنه يمتد أيضًا إلى كل الموارد التي يستمدها منها. وبهذه الموارد يؤدي المجتمع وظائفه ومهامه. ويشير الصدع إلى تصدع هذه التفاعلات، أو تكسرها، وهي تفاعلات اعتمدت على تطور الكائنات الحية والطبيعة على مدار ملايين السنين، وكان الإنسان يتفاعل معها، قبل الرأسمالية، مع الحفاظ على توازنها.
في الوقت نفسه، أدى تسييج المشاعات، والميكنة الزراعية، والتوسع الصناعي في المدن إلى انتقال سكان الريف إلى الحضر، وتقليص الاعتماد على الحيوانات، وإزالة الأشجار من الحقول. ونتيجة لذلك، انكسرت الدورة التقليدية للمخلفات والجثث التي كانت تعيد تغذية التربة، وظهر الصدع في التفاعل بين المجتمع والطبيعة.
ومع نضوب موارد الجثث داخل أوروبا، اتجهت القوى الاستعمارية إلى الخارج. فنهبت فرنسا قبور الجزائر، واستخرجت بريطانيا المومياوات من مصر، واستوردت مخلفات الطيور من جزر البيرو. وكان الدافع وراء هذا النهب الواسع هو التحول الصناعي الرأسمالي، الذي أدى إلى أزمة خصوبة بنيوية في التربة الزراعية، خاصة في أوروبا، وحوّل الجثث ذاتها إلى سلعة ذات قيمة تبادلية.
تنوّع التصدعات
لا يتوقف تصدع التفاعلات الاجتماعية والإيكولوجية عند شكل واحد، بل يعيد إنتاج نفسه باستمرار داخل النظام الرأسمالي. ففي أواخر عام 2025، اندلعت احتجاجات شارك فيها عشرات الآلاف في مدينة قابس التونسية ضد التلوث الناتج عن المجمع الكيميائي هناك، بعدما تسبب في أمراض تنفسية لدى السكان، وتلوث المياه، ونفوق الأسماك. والمفارقة أن المنتج الأساسي لذلك المجمع هو الأسمدة الصناعية.
انتهت مرحلة نهب الجثث لتسميد الأراضي مع تطور الأسمدة المصنعة من الفوسفات والنيتروجين، لكن الرأسمالية لم تُنهِ التصدع، بل نقلته إلى موضع جديد. فالسعي الدائم إلى زيادة الإنتاج وتقليل التكاليف، عبر التساهل مع التلوث، أدى إلى أشكال أخرى من الانهيار البيئي، مثل تلوث الهواء والمياه في مناطق التصنيع، وظاهرة فرط المغذيات الناتجة عن الصرف الزراعي، والتي تؤدي إلى انخفاض الأكسجين في المياه وتدهور جودتها ونفوق الكائنات المائية.
ويتجلى مثال آخر للتصدع اليوم في بحيرة المنزلة مع انتشار ما يُعرف بـ«مافيا الزريعة» والمزارع السمكية الصناعية. والزريعة هي الأسماك الصغيرة التي يشكل صيدها تدميرًا لدورة الحياة السمكية في مناطق المشاع التي يعتمد عليها الصيادون. لكن الإنتاج الصناعي في المزارع السمكية لا يعتمد على هذا التفاعل الإيكولوجي الاجتماعي، بل يقوم على مساحات مسيجة ومراقبة، تُضبط فيها كميات الغذاء وجودة المياه بصورة صناعية.
ومن هنا ظهرت «مافيا الزريعة» لتوفير الأسماك الصغيرة علفًا لأصحاب المزارع، مستخدمة شباكًا ضيقة تُعرف باسم «الستائر»، يحظرها القانون. وإلى جانب ذلك، تتعرض البحيرة لتلوث متزايد بفعل الصرف. مرة أخرى، يدفع نمط الإنتاج الرأسمالي نحو تصدع التفاعل المجتمعي الإيكولوجي، بنتائج كارثية تضحّي بأساس دورة حياة الكائنات نفسها.
ولعل أخطر هذه التصدعات هي تلك التي تجري على المستوى الكوكبي. فالأرض تمتلك أنظمة بيئية متوازنة تشكلت عبر مليارات السنين، ويشير مفهوم «الحدود الكوكبية» إلى النقاط التي يصبح عندها اختلال هذه الأنظمة غير قابل للعكس. وتشمل هذه الحدود التنوع الحيوي، وسلامة التفاعلات الكيميائية للتربة والمياه، واستقرار المناخ. وقد تجاوز العالم بالفعل عددًا من هذه الحدود، بينما لا يزال حجم العواقب النهائية غير معروف، رغم أن استمرار هذا الاختلال يهدد حياة البشر والكائنات الأخرى على حد سواء.
أهمية منظور الصدع التفاعلي
ليست نظرية الصدع التفاعلي النظرية الوحيدة التي تحلل العلاقة بين المجتمع والطبيعة، وليست أيضًا الاتجاه الماركسي الوحيد في هذا المجال. غير أن منظّري الصدع التفاعلي يدافعون عن أهميتها بسبب اعتمادها على المنهج المادي الجدلي؛ إذ ترى النظرية علاقة جدلية غير ثنائية وغير ميكانيكية بين المجتمع والطبيعة. ولتوضيح الفرق في المنهج، نقارن بين النظرية ورؤى أخرى نيوليبرالية وميكانيكية وما بعد ماركسية لتفاعل المجتمع والبيئة. ونشرح أهمية المنهج في الوصول إلى برامج سياسية ترصد الدور المدمر للرأسمالية وتربط بين المجتمع والبيئة للوصول إلى حل يضمن نجاة كليهما.
النيوليبرالية والطبيعة
تتعامل النظرة النيوليبرالية مع الطبيعة باعتبارها كيانًا منفصلًا عن المجتمع، وترى أن حل مشكلاتها يتم عبر حلول تقنية أو تغييرات فردية أخلاقية. فبدلًا من تغيير البنية الرأسمالية نفسها، يُعوَّل على الابتكار التكنولوجي والسوق لمعالجة الأزمات البيئية.
تطرح هذه المقاربة حلولًا تقنية حداثية ووعودًا تكنولوجية، لأنها ترى مشكلات الطبيعة ضمن ثنائية تفصلها في كينونتها عن المجتمع؛ ومن ثم تبدو حلولها تكنولوجية لا اجتماعية، وتؤثر فيها من خارجها. فليس المطلوب، وفق هذا التصور، تغيير المجتمع الرأسمالي لحل مشكلات الطبيعة، بل الإبقاء على هياكله والاعتماد على ابتكارات الرأسمالية لحل هذه المشكلات.
المطالبة بتركيب أجهزة تنقية لملوثات مجمع قابس الكيميائي قد تكون مفيدة بالفعل، لكن تنفيذها أو تجاهلها يبقى خاضعًا لمنطق المنافسة والربحية داخل السوق العالمية. فمصنع السماد القائم في مدينة أو بلد مجاور من دون مستويات التنقية نفسها سيبيع السماد بسعر أقل، ما قد يدفع مجمع قابس الكيميائي إلى الإفلاس. وهنا يكمن نقد الفصل الثنائي بين البيئة والمجتمع في النظرة النيوليبرالية. فالحل التكنولوجي لا يقوم في فراغ بذاته، بل إن العوامل الرأسمالية نفسها أصبحت جزءًا من التفاعل البيئي، لا عنصرًا منفصلًا عنه.
كذلك، فإن الحلول الفردية القائمة على «رفع الوعي» تتجاهل البنية الاجتماعية التي تنتج الأزمة. فتوعية «مافيا الزريعة» مثلًا لن تلغي الأرباح التي تحققها من بيع الأسماك الصغيرة للمزارع، كما أن إدراك الصيادين لخطورة هذه الممارسات لا يمنحهم، وحده، القدرة على إيقافها. ومن هنا تبدو المقاربة النيوليبرالية مقاربة ثنائية تفصل المجتمع عن الطبيعة بدل فهمهما في علاقة جدلية متشابكة.
نظرية إنتاج الطبيعة
ترفض نظرية «إنتاج الطبيعة» هذه الثنائية، وترى أن الطبيعة بأكملها دخلت ضمن عمليتي الإنتاج الرأسمالي وتحقيق فائض القيمة. وتعتبر أن «الطبيعة الأولى»، السابقة على تدخل الإنسان، لم تعد موجودة عمليًا، بل إن التأثير البشري امتد إلى كل أرجاء الكوكب، وأن «الطبيعة الثانية»، المتشكلة عبر العمل البشري، أصبحت هي الأساس.
تساعد هذه النظرية فعلًا في فهم كيفية توظيف الرأسمالية للكوارث البيئية بوصفها فرصًا للربح، حيث تعتبر الكارثة نفسها جزءًا من نتائج العمل البشري في المجتمع الرأسمالي. فعلى سبيل المثال، تُعد أزمة الزريعة في بحيرة المنزلة، من هذا المنظور، جزءًا من ضغط الرأسمالية لتسليع الإنتاج السمكي والقضاء على المشاعية في الصيد، لأنها تتعارض مع منطق التسليع.
لكن النظرية تُنتقد لأنها تبالغ في تصور قدرة الإنسان على التحكم الكامل في الطبيعة؛ فالطبيعة لا تزال تمتلك نوعًا من القدرة على التأثير (agency) خارج نطاق العمل البشري. فنتائج الكوارث الطبيعية، كالزلازل مثلًا، تتأثر بالبنية العمرانية البشرية، لكنها تبقى أيضًا مرتبطة بحركة الصفائح الجيولوجية الخارجة عن قدرة البشر على التأثير. وكذلك يصطدم التطور التكنولوجي والمالي بحدود القدرة على التحكم في كل التأثيرات الناتجة عن تصدع التفاعلات الإيكولوجية.
وترى هذه النظرية أن المجتمع الاشتراكي يستطيع حل المشكلات البيئية عبر التحكم التكنولوجي بالطبيعة، بينما يرفض منظرو الصدع التفاعلي فكرة السيطرة المطلقة، ويؤكدون بدلًا من ذلك ضرورة الوعي بالتفاعلات الاجتماعية والإيكولوجية والعمل ضمن حدودها وجدليتها. ويعتبرون النظرية ميكانيكية في تصورها لعلاقة المجتمع بالطبيعة. فبينما تضع المادية الميكانيكية الوعي وقدرة البشر على التأثير تحت تحكم قواعد الرأسمالية تمامًا، فإنها تضع كذلك قدرة الطبيعة على التأثير تحت التحكم نفسه. أما المنهج الجدلي فيسلّم بالتفاعل المعقد غير الحتمي، مع وجود علاقات سببية. ومن هذا المنظور، يصبح العمل البشري تحويلًا للطبيعة لا خلقًا كاملًا لها.
نظرية التجميع ما بعد الماركسية
أما نظرية «التجميع» ما بعد الماركسية، فترفض التمييز بين هياكل المجتمع والطبيعة، وتتعامل مع العناصر البشرية وغير البشرية بوصفها مكونات متساوية داخل شبكات مترابطة. وتفسر الأزمة البيئية، جزئيًا، عبر فكرة «العمل غير المدفوع» الذي تؤديه الطبيعة. فمن هذا المنظور، يُعد النظام المشاعي المعتمد على تكاثر الأسماك طبيعيًا بين النباتات البرية في بحيرة المنزلة ممتلكًا نوعًا من الإرادة والقدرة على التغيير. ويمكن فهم هذه الإرادة بقياس مدى قدرة النظام على تجديد نفسه. ويتجنب هذا المدخل افتراض بنى مجتمعية أو طبيعية مسبقة قبل تحليل الموقف ذاته، بل يبني فهمه لعلاقات العناصر البشرية وغير البشرية في كل حالة، مع مساواة قدرتها على التأثير.
لكن نقد منظري الصدع التفاعلي لهذه المقاربة يتمثل في تجاهلها أن تفاعل الطبيعة، أو «إرادتها»، يختلف عن دور العمل البشري من حيث إن العمل البشري واعٍ وخلاق؛ وبالتالي، فإن هذه المقاربة تختزل الفوارق بين الفعل الإنساني والعمليات الطبيعية. ومن ثم، فإن النظرية ما بعد الماركسية تُضعف فهم الهياكل الاجتماعية القادرة على التغيير الواعي، مثل الطبقة العاملة.
نحو فهم جدلي للطبيعة والمجتمع
ترى نظرية الصدع التفاعلي أن للطبيعة قدرة حقيقية على التأثير، خلافًا للتصورات الميكانيكية، لكنها في الوقت نفسه لا تمتلك القدرة الواعية على التأثير مثل الوعي البشري الاجتماعي، وهو ما يميزها عن النظريات ما بعد الماركسية.
والمجتمع، من هذا المنظور، ليس منفصلًا عن الطبيعة، بل منبثق منها ومعتمد عليها بصورة كلية؛ فهو لا يستطيع الحياة بدونها، بينما تستطيع هي الاستمرار بدونه، بخلاف ما تتصوره النظرة النيوليبرالية الثنائية أو النظرة الميكانيكية. ومع ذلك، يمتلك المجتمع قوانينه الخاصة المتولدة عن هذا التفاعل، والتي لا يمكن اختزالها في قوانين البيولوجيا أو الكيمياء وحدها. فهياكل الطبقات والإنتاج والسوق هياكل حقيقية تمتلك قدرتها الخاصة على الفعل والتأثير، فهي متولدة من الطبيعة ومنبثقة عنها رغم اعتمادها عليها.
سياسيًا، يتيح هذا التحليل فهم مسؤولية الرأسمالية عن الدمار البيئي، وفهم حدود السيطرة البشرية على الطبيعة، وفي الوقت نفسه إدراك دور القوى الاجتماعية القادرة على التغيير الواعي. ومن هنا تصبح مهمة رأب الصدع في التفاعلات الاجتماعية والإيكولوجية ليست مجرد قضية بيئية، بل قضية اجتماعية-إيكولوجية تتعلق بإمكانية استمرار الحياة نفسها، للبشر وغير البشر معًا، قبل أن يذبحنا النظام المختل الذي يضحي بالحياة من أجل السوق.





